الإهداءات






العودة   منتديات حياتي العراقية > الاقســـام الدينيـــة > المنتدى الاسلامي
المنتدى الاسلامي كل مايخص ديننا الاسلامي من صور ومواضيع


معجزات الرسول صل الله عليه وسلم

المنتدى الاسلامي


إضافة رد
قديم 02-11-2010, 07:25 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي معجزات الرسول صل الله عليه وسلم

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

المعجزة الكبرى




• القرآن الكريم المعجزة الكبرى


لكل نبي مرسل بدعوة جديدة لا بد له أن يقدم إلى جانب منهجه الجديد الذي يطالب الناس بتطبيقه معجزته الدالة على أن هذا المنهج هو من الخالق المدبر أي أنه منهج إلهي حكيم.
وعادةً لا بد أن تكون المعجزة هذه نادرة الحدوث ومتميزة بشكل معين تشد القلوب لها وتفرض نفسها علي ذهن الإنسان ليدخل الإنسان بالتالي في إطار الطاعة التامة وإنها تجري على يد النبي المرسل كرامةً له من الله تعالى ليصدق الناس بأنه رسول بالفعل وإن منهجه هو منهج رباني قويم فيأتمر الناس بأوامر الله ويطيعونه ويطيعون الرسول أيضا. والأنبياء (عليهم السلام) عموماً جاءوا بالمعاجز الدالة على نبوتهم وكانت المعاجز النبوية تتناسب مع مستوى الناس أولاً وتتناسب مع مستوى الحاجة لها ثانيا وتكون مناسبة للظرف السائد وهذه حكمة الله تبارك وتعالى ففي زمن موسى كان يسود السحر بأعتى أشكاله فجاءت عصا موسى على مستوى هذه الظاهرة وإذا بها تلقف ما يأفكون وأمام أعين الناس أول من يؤمن بإله موسى وهارون هم السحرة الذين سحروا أعين الناس وعارضوا موسى ورسالته لا بل إن الطاغية فرعون كان يحتمي بهم فإنهم أدركوا بعمق أن قضية العصا ليست من شؤون السحر. فقد قال سبحانه وتعالى:
(... قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى، قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى، فأُلقى السحرة سجداً قالوا آمنا برب هارون وموسى) . [سورة طه: الآيات 65-70]
أما النبي عيسى ابن مريم (عليه السلام) فكان الأمر السائد في زمانه الطب فمنح الله تبارك وتعالى قدرةً فائقة للنبي عيسي في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى كما في الآية الكريمة:
(أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله. . ). [سورة آل عمران: الآية 49].
وهكذا نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) جاء بالقرآن الكريم معجزته الخالدة ليكون القرآن هو المنهج الواضح للحياة وهذه المعجزة مناسبة للتطور البلاغي واللغوي لدى العرب آنذاك والمعروف ان العرب كانوا يتأثرون كثيراً بالأدب شعراً ونثراً حتى برز الشعراء الكبار في الجاهلية بقصائدهم الخالدة لفظاً ومعنى مما دفعهم ليكتبوا بعض القصائد الرائعة والمتفوقة بماء الذهب وعلقوها بالكعبة ـ كما هو معروف ـ.
فجاء القرآن الكريم بكلام لا هو شعر ولا هو نثر بل هو قرآن حكيم لا نستطيع أن نقول عنه شيئاً آخر. وهو معجزة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) هذه المعجزة التي امتازت عن غيرها بأنها دائمة على مرّ العصور والأزمان وغير منقطعة بموت النبي كما في المعاجز الأخرى السابقة للأنبياء السابقين فقد كانت مؤقتة ضمن ظروف زمانية ومكانية محدودة لأن رسالتهم كانت محدودة إلى زمن معيّن، بينما القرآن الحكيم هو معجزة الله في كل زمان وكل مكان فهو المعجزة الخالدة التي أثبتت وأكدت معاجز الأنبياء من قبل وتحدّت الفنون والعلوم على مرّ الزمن ما دام الله سبحانه أراد للرسالة الدوام إلى قيام الساعة منهجاً دائماً للبشر.
والقرآن الكريم هذا قد احتوى على قصص الأولين من الأمم السالفة وفيه تبيان لقوانين الحياة وسنن الله وتحديد مصير الإنسان والمجتمع سلباً أو إيجاباً في الدنيا والآخرة ضمن ضوابط معينة وأشار إلى حقائق علمية اكتشف العلم الحديث بعضها بينما لا يزال بعضها لغزاً محيّراً للألباب إلى الوقت الحالي ويبدو أن بعضها سيبقى سراً من الأسرار الدائمة.
فالقرآن رسالة ما بعدها رسالة وإنّه آخر معجزة يبعثها الله تبارك وتعالى للبشرية فالقرآن آخر صورة إعجازية يأتي بها الوحي وإن الإسلام ختم تاريخ الرسل وبدأ بعصره الخالد.
والقرآن الحكيم قد أحاط الإنسان والمجتمع والطبيعة والغيب إحاطة تامة وأفرز البرنامج المتكامل للحياة روحياً ومادياً، معنوياً وطبيعياً. . فحفظ الإنسان من الضياع والمجتمع من الانحراف والغيب من النكران. . وكلما يمر الزمان تتجلى عظمة القرآن أكثر لتقدم العلم بشتى صنوفه وتطور التكنولوجيا كل هذا التقدم بات يخدم القرآن خدمة جليلة وبالفعل يقف القرآن العظيم منذ أربعة عشر قرناً وقفة الشموخ والانتصار ليثبت للعالم بأنه صوت الله للبشرية يصلح لكل ظروف البشر وبأي مستوىً كانوا علمياً وثقافياً وفكرياً. . فهو الدستور الإلهي الذي يضمن بتطبيقه سعادة البشر نفسياً واجتماعياً حيث بينت أحكامه أسس العلاقة بين العبد وربه الجليل وكذلك العلاقة بين الإنسان والإنسان والعلاقة بين الإنسان والمجتمع ضمن الضوابط المشروعة بعيداً عن التمييز الطبقي والعشائري بل الشريعة الإسلامية ذوّبت كل الحواجز المصطنعة بين البشر وجعلتهم متساوين أمام القانون كأسنان المشط (الناس سواسية كأسنان المشط) كما في الحديث النبوي، وفي ظل القرآن الكريم تحققت الحرية للإنسان والمجتمع في اختيار عقيدته وطريقة حياته: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) فقد أثار القرآن دفائن العقول والأفكار ليستنير الإنسان بهدى عقله وطاقاته الذهنية في حرية تامة ليختار الطريق الأصلح له. فقد قال تبارك وتعالى:
(الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض) . [سورة آل عمران: الآية 191].
وبالفعل عرف الإنسان قيمته وقدره وانتهى عصر الحرمان والذل والعبودية والاستغلال حينما جاء الإسلام لينشر تعاليمه بين البشر.
وهكذا فقد وجدت العائلة الإنسانية الكريمة نفسها معززة مكرمة في ظل المعجز الإلهي ووجدت المرأة حقوقها بعد أن كشف القرآن أسرار المرأة وحدودها وكرامتها فقد عاملها القرآن بما يناسبها نفسياً.
قال سبحانه: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياةً طيبة) . [سورة النحل: الآية 97].
وبمعنى آخر إن هذه المعجزة الخالدة والدستور الخالد استوعب كل مناحي الحياة وما يتصل بالإنسان والمجتمع والطبيعة والغيب من عقيدة وعبادة ومعاملة وحياة وممات في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة.
(فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) . [سورة آل عمران: الآية 148].
ونحن إذ نتحدث عن المعجزة الربانية الخالدة لابد أن نشير إلى أن الجاهلية القديمة والحديثة جابهت القرآن بأساليب عديدة ظّناً منها أنها سوف تنهي مسيرة الإيمان وتنتصر لمصالحها ومن هذه الأساليب والأفكار:
1ـ اعتبروا القرآن من تأليف النبي محمد (صلى الله عليه وآله) .
2ـ نسبوا إلى الرسول الأعظم السحر والجنون والرهبنة.
3ـ حاربوا الرسول الأكرم نفسياً وجسمياً ولا زالوا يحاربون تأريخه المجيد وأتباعه الملتزمين.
4ـ أثاروا الشبهات حول حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى القرآن الحكيم بغية التشكيك بهما.
ولو أردنا أن نردّ على هذه الادعاءات نردها بإيجاز لأن البحث الطويل ـ كما أظن ـ غير مجدٍ بعد أن ركع العلم الحديث بكل اطروحاته المتقدمة لعظمة القرآن المجيد فبدأ علماء الذرة والتكنولوجيا والطب والأحياء والنبات يعترفون بمعجزة القرآن حيث يدلهم على قمة الأسرار والخفايا من القوانين والسنن الطبيعية بأسلوب مبسط مبين ومع كل ذلك لنا مع أصحاب هذه الادعاءات حديث موجز وقبل الحديث يمكن أن نقول أن النفوس المريضة تحاول وبشتى الطرق أن تستنتج تبريرات للوقوف مع هذه الادعاءات وإن كانت هذه التبريرات غير مقنعة أساساً إنما يخدعون أنفسهم بها وهم يعلمون ولكن أمراض النفس وضغوط المجتمع الفاسد والمصالح الدنيوية كل ذلك يدفعهم للوقوف إلى جانب الباطل فقد قال سبحانه واصفاً هذه الحالة أدق وصف:
(. . وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا) . [سورة النمل: الآية 14].
وبالضبط مثلهم مثل عمر بن سعد في واقعة كربلاء حيث قال:
أأترك ملك الري والري منيتي***أم أرجــــع مأثوماً بقتل حسينِ
يعني أنه يعرف نفسه لو قتل الحسين بن علي (عليه السلام) سيكون آثماً لكن ضغوط الشهوات الدنيوية دفعته للعمل القبيح.
والآن الذين يقولون إن القرآن من تأليف محمد (صلى الله عليه وآله) ليعلموا أنه رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب فقد قال تبارك وتعالى:
(هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين) . [سورة الجمعة: الآية 2].
وقال أيضاً: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل) . [سورة الأعراف: الآية 157].
وقال كذلك: (وكذلك أو حينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتب ولا الإيمان) . [سورة الشورى: الآية 52].
إضافة لذلك إن حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) الشخصية قبل البعثة لم يمارس فيها قول الشعر أو النثر بل لم يدخل في مؤسسة أو جامعة تؤهله لذلك وحتى أولئك الذين يدخلون إليها في الوقت الحاضر لا يستطيعون أن يطرحوا شيئاً من هذه التعاليم الإلهية وبهذه القدرة الكبيرة. إضافة ذلك لو كان القرآن من تأليف محمد لانعكست على القرآن الحكيم حالات البشر المتعددة من ضعفٍ وغضب ونحن لا نرى ذلك في الكتاب العزيز قال تبارك وتعالى:
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) . [سورة النساء: الآية 82].
أما تنسيبهم للنبي (صلى الله عليه وآله) السحر والجنون وما شابه فإنه دليل عجزهم ومن المعلوم أن المعجزة تختلف عن السحر اختلافاً عن السحر اختلافاً بارزاً في عدة أمور منها أن الساحر يخلط بين أمور عديدة ليخرج أمام الأعين أمراً نتصوره غريباً بطريقة الإبداع بالتأثير على شعور الإنسان أو عينه أو خياله وفي الآية: (. . يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) في قصة موسى والسحرة بينما المعجزة هي حقيقة واقعة بعيدة عن الخيال والشعور بل كما ترى الشمس وتؤمن بها.
والساحر عادةً يصل إلى هذه الفن عبر دراسة وإمكانيات ذاتية خاصة بينما المعجزة لا تحتاج لذلك لأنها قدرة تسلّم إليه من الله تعالى عبر الأمين، والساحر لا يكون وحده في هذا العمل بل ضمن مجموعة من السحرة يمكن أن يكشف أحدهم الآخر ويوضح ضعفه بينما المعجزة تجري على يد نبي مرسل لا تناقضه معجزة أخرى.
والسحرة لا تكون لديهم أهداف ولربما يسحرون أعين الناس لأغراض شخصية أو شهوات دنيوية لذلك نلاحظهم يكونون ذيولاً للطغاة وفي خدمة أغراضهم ومصالحهم بينما صاحب المعجزة له أهدافه المقدسة وعادة يكون في صف المعارضة للطغاة والمتسلطين ويستعمل المعجزة في محلها ليقنع الناس بأن رسالته من الله تعالى وليست له أهداف غيرها. علماً بأن الناس كانوا يتهمون الأنبياء عموماً بالسحر لعجزهم أمام المعاجز الخارقة للعادات والقوانين السائدة فيقولون إنه ساحر إنه مجنون إنه كاهن. . وبعد الاتهام بالسحر جرت عادة الظالمين أن يبتدئوا حرباً نفسية واقتصادية ثم بالتصفيات الجسدية لأولياء الله تعالى فمن هنا نفهم أسباب الحروب والمعارك في زمن الأنبياء والأولياء فبعد انهزام الظالمين والمغرر بهم أمام المعجزة الربانية يتوسلون بلغة الغاب العنيفة ليعيدوا كرامتهم المهدورة أمام قوة القرآن الكريم والمعاجز الأخرى التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله) والأنبياء (عليهم السلام) من قبله، وهكذا بالنسبة لرميهم النبي (صلى الله عليه وآله) بالجنون بسبب المرض النفسي المتأصل في داخلهم ورغبة منهم للثأر لكبريائهم المسحوق.
قال تعالى: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنّه إن هو إلاَّ نذير لكم... ) . [سورة سبأ: الآية 46].
(... وما صاحبكم بمجنون) . [سورة التكوير: الآية 22].
ولنا في كلام النضر بن الحارث الذي يعتبر من أعداء النبي (صلى الله عليه وآله) خير دليل حيث وقف بمكة خاطباً: (يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانةً حتى إذا رأيتموه في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم وقلتم كاهن لا والله ما هو بكاهن قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم وقلتم شاعر لا والله ما هو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه وقلتم مجنون لا والله ما هو مجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم) (1) .


• القرآن والتحدي، ما هو المعجز وأين موقع الأعجاز؟
القرآن والتحدي:

منهجية القرآن الكريم منهجية حضارية بعيدة كل البعد عن الأساليب البدائية الحادة بل قدّم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) هذا المنهج الرباني الواضح مع دليله وبرهانه وبدأ يتحاجج مع الناس على ضوء عقليتهم وأكثر من مرة يتساءل القرآن المجيد عن سبب الخلقة والوجود والطبيعة ليفتح أذهان الناس كي يتوصلوا إلى المعرفة والعلم، يقول القرآن الحكيم:

(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت) . [سورة الغاشية: الآيات 17-20].
وفي آية أخرى: (ألم نجعل له عينين، ولساناً وشفتين، وهديناه النجدين. . ) . [سورة البلد: الآيات 8-10].
وقال عز وجل أيضاً: (أفرأيتم ما تمنون، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) . [سورة الواقعة: الآية 59].
وكثيرة هذه الآيات الاستفهامية التي يتطرق القرآن لها ليثير عقل الإنسان فيفكر في الخلق ويعتبر ويهتدي إلى طريق الصواب. .
ومن ثم كان يوضح (صلى الله عليه وآله) للناس انه رسول الله إلى البشرية أي الوسيط الذي ينقل للناس نصوص الله وما ظهور هذه المعجزة العظمى أي القرآن الكريم والمعاجز الأخرى علي يد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) إلا من عند الله تعالى فقد قال سبحانه:
(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) . [سورة الكهف: الآية 110].
فالرسول (صلى الله عليه وآله) بشر مثلنا وإنما اختاره الله واصطفاه لهذه المهمة الكبيرة. فهو إنسان من مجموع البشر وكأحدهم ولكن بفرق الوحي الأمين الذي يهبط إليه ليبلغه رسالات الرب الجليل (إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي. . ) و (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) و (إن الله اصطفى آدم ونوحا).
ومظهر آخر من مظاهر القرآن انه كان يتحدث مع المنحرفين والطاغين بأُسلوب المجابهة الهادئة التي تخاطب الوجدان ليعوا أمرهم فيقول سبحانه:
(واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً) . [سورة الفرقان: الآية 3].
وبمظهر آخر كان يعلن إفلاس الآلهة أمام قدرته البالغة فيقول: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) . [سورة الحج: الآية 73].
وبهذا الأسلوب الوجداني استطاع القرآن الحكيم أن يترك الآثار الواضحة في نفوس الناس مهما بلغوا حدةً وغلظة، وحتى أنه ينقل في كتب السيرة أن بعض الكفار من شدة شوقهم وانجذابهم للقرآن الكريم (كانوا يأتون متخفين ويكمنون ليلاً خلف بيت النبي (صلى الله عليه وآله) حتى انتشار ضوء الصباح وذلك لكي ينصتوا إلى تلاوة القرآن الساحرة للقلب التي تتدفق على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد تكرر هذا الأمر كثيراً) (2).
هذا الأسلوب الحي هو السر في نجاح النبي (صلى الله عليه وآله) في نشر دعوته فكأنما القرآن، كان يمسك المعول الحديدي بأُسلوبه ليحطم العقائد والعادات المنحرفة ويصحح بعض التقاليد والأفكار السائدة ليبني القيم الإيجابية في نفسية الإنسان والمجتمع فحارب الشرك والإشراك بقوله:
(لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا) . [سورة الأنبياء: الآية 22].
ورّد على نسبة الولد إليه تعالى كما قالت اليهود والنصارى بقوله:
(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم. . ) . [سورة التوبة: الآية 30].
وقال أيضاً: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إلهٍ إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) . [سورة المؤمنون: الآية 91].
(وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً، إن كل من في السموات والأرض إلاّ آتي الرحمن عبداً، لقد أحصاهم وعدهم عدّاً) . [سورة مريم: الآيات 92-94].
وهكذا فتح القرآن الكريم نفوس الناس ليستخرج ما فيها من عقائد وأفكار سقيمة ليبدلها بالخير والأفكار الصحيحة وبين آونة وأخرى يذكر القرآن الكريم هذه المسألة وبأُسلوبه الشيق ليتم اجتثاث جذور الفكر الفاسد والمنحرف من النفس الإنسانية ولن يترك أمراً غامضاً بعيداً عن التحليل بل يأتي إليه ويمدّ شعاعه الطاهر ليحرق به كل الجراثيم العالقة في بواطن الإنسان لتنمو بالتالي الحالة الإيجابية والصحيحة وتأخذ طريقها اليسير في الحياة وحتماً كان يدور في نفس الإنسان الريب والشك من أمر المعجزة العظمي فالقرآن أكد على عقيدة المعاد يوم القيامة وهنالك يجري الحساب الدقيق للناس ومما لا شك فيه قد ظهرت حالة الريب لدى الناس من هذه العقيدة فيأتي القرآن ليعالجها العلاج الحسن فيقول:
(يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم... ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيءٍ قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) . [سورة الحج: الآيات 5-7].
وفي سورة يس وفي نفس الصدد قال عز وجل: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرةٍ وهو بكل خلقٍ عليم) . [سورة يس: الآيتان 78-79].
بهذه الطريقة النفسية السامية التي تتلخص في كشف الخفايا الداخلية وإظهارها إلى السطح بين آونة وأخرى لتتلقى من أشعة القرآن ما يقيها ويحصنها بل ليعطيها القرآن المناعة من الانحراف بعد أن يقتل الجراثيم الفكرية القابعة في اللاشعور. وتكرار هذا الكشف عبر عدة آيات وعدة مواقف وعدة مناسبات مما يطهّر النفس ويزكيها من براثن الشياطين والنفس. وبالفعل استطاع القرآن أن يحول استفسارات وشبهات الناس إلى تساؤلات هادفة منهم من يريد الوصول إلى الحقيقة ومنهم من لا يريد ذلك فعلم الناس التساؤل الهادف والجواب المقنع وكان يبين الحالات النفسية التي تراود المنافقين بالذات وإنهم لا يريدون إلا اللغو والوقوف أمام المد الإسلامي الجارف فاضحاً نفسياتهم العنيدة بقوله سبحانه:
(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون) . [سورة فصلت: الآية 26].
ومع هذا شجع الإنسان على التفكير الجدي والمصيري بمسائل الاعتقاد بعيداً عن التعصب والمصلحة الذاتية والحالة السلبية وذلك للتوصل ـ بتجرد ـ إلى عين الحقيقة ليؤمن الناس عن قناعة تامة بالمبادئ الإسلامية واستطاع بالفعل أن يذوّب هذه المشاحنات الشيطانية التي كانت تحتل قلوباً كثيرة وبذلك تحررت النفوس من العقائد الفاسدة وبدأ التغيير يشمل الجميع عدا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يرون الحق ولا يمتلكون أدوات الرؤية الصحيحة.
(لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) . [سورة الأعراف: الآية 179].
وبهذا أصبح القرآن هو المعجزة الخالدة للنبي (صلى الله عليه وآله) هذه المعجزة توجت المعاجز النبوية السابقة ورفعت عنها وعن الأنبياء أيضاً ما شوهته أيدي اليهود الآثمة حول شخصياتهم الجليلة بالشكل الذي يناسب أهداف اليهود التخريبية فمسحت الآثار السيئة حول شخصيات الأنبياء وأبرزت تأريخهم الجهادي الناصع.
فبذلك أصبح القرآن العظيم وثيقة السماء القانونية التي نسخت الوثائق السابقة وبينت أنها الوثيقة السماوية الصحيحة والخالدة.
(ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) . [سورة آل عمران: الآية 58].
فإذن المشروع الإسلامي أي القرآن الكريم هو المشروع الذي أراد الله له الحياة والبقاء فهو المشروع الوحيد الجدير بمواكبة البشرية على مدى الأزمان والدهور وإنه الذي يستطيع أن يستوعب كل التطورات الحاصلة والتي تحصل في المستقبل بل إنه قادر على تمشية أمور العالم بالرغم من وفاة أو شهادة صاحب المعجزة الكبرى وهو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وفي الواقع هذا سر من أسرار القرآن إنه يقود البشرية بالقيادة الإسلامية الواضحة عبر الزمن فالقرآن منهج دستوري قيادي جاء للبشرية جمعاء منذ زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وإلى أن تقوم الساعة.
هذا الإنجاز الإلهي الكبير بدأ بالتحدي وبأُسلوب علمي مقنع ولم يتحد القرآن الكريم أولئك الذين عاشوا في زمن الرسالة الأول بل تحدى جمع البشرية في أي زمان ومكان وبثقة تامة منذ محاولاتهم الأولى واعتبرها غير مجدية مسبقاً فقال عز من قائل:
(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) . [سورة الإسراء: الآية 88].
أي لو يتعاون الجن مع الإنس والواحد يمسك ظهر الثاني في سبيل إتيان مثل هذا الكتاب المعجز فلا يقدرون على ذلك أبداً.
وأكثر من مرة واجه المعاصرين لنزوله المبارك بالتحدي وطلب تعاون الجميع في الإتيان بمثله وبأسلوبه والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بالثقة المتكاملة كان يبلغ الرسالة ويؤكد إنها من عند الله وليست من عند نفسه.
فهذه هي الجولة الأولى بالتحدي حيث طلب الله الإتيان بمثل هذا القرآن ثم خفف الطلب بتحدٍ ثان حيث قال:
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) . [سورة هود: الآية 13].
وفي الجولة الثالثة خفف الطلب إلى سورة واحدة فقد قال الكتاب العزيز: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) . [سورة البقرة: الآية 23].
وفي سورة يونس: الآية 38: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) .
وللعلم إن هذا التحدي يعتبر مهولاً بالنسبة للبلغاء والفصحاء آنذاك وبالفعل أثبتوا عجزهم أمام أبسط حالات الاستجابة لهذا التحدي أولئك الذين كتبوا قصائدهم بماء الذهب وعلقوها بالكعبة فخراً واعتزازاً تراهم يتصاغرون أما سورة الكوثر ـ القليلة المقاطع والألفاظ، الكبيرة المعاني ـ وبالفعل ما استطاع الأدباء أن يخوضوا المعركة البلاغية.
والمسألة ليست اعتباطية حيث أن الكلمات في القرآن الكريم ليست ذات مظهر واحد وصحيح أن معناها المقصود هو المعروف والمتداول في كتب التفسير ولكن لكل حرف ولكل كلمة في موقعها لها عدة مظاهر وكلما تقدم العلم واستجدت الثقافة المتطورة ازدادت إشراقة الكتاب العزيز وتبينت أمور ما كان يعرفها ذلك العربي في الحجاز آنذاك وربما كنا نقرأ القرآن دون أن نعي هذه المعاني التي أبرزتها العلوم المعاصرة ـ وعلي سبيل المثال ـ نمثل على عجل لأننا سنفرز حديثاً في الأعجاز العلمي، فقد سمعت من أحد العارفين المتكلمين وكان يفسر الآية الكريمة: (مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان) . [سورة الرحمن: الآية 19-20].
قال إن العلم الحديث اكتشف أن في البحار والمحيطات آباراً من الماء العذب تنبع منها المياه العذبة وهي تسير في اتجاه يعاكس التيار العام للماء المالح في البحر بحيث لا يختلط الماء الحلو بالماء المالح السائد في البحار وبينهما فاصل لا يبغي الواحد على الآخر بل كل من الماءين يحافظ على خصوصيته.
هذا التفسير ما كنا نعرفه سابقاً قبل اكتشاف العلم، المهم أن المتضررين بالرسالة والمعاندين جمعوا قواهم في عدة محاولات حثيثة ليأتوا بمثل هذا القرآن أو بعشر سور مفتريات أو بسورة من مثله ولكنهم فشلوا فشلا ذريعاً وحقاً إن مجرد التحدي هذا هو انتصار للقرآن الكريم فهو يتحدى بثقة عالية إنها ثقة المبدأ المنتصر.
يقول الدكتور واجليري الأستاذ في جامعة نابل في كتابه (محمد ذلك النبي الذي لا بد أن يعرف من جديد) : (إن الكتاب السماوي للإسلام نموذج معجز لا يمكن تقليده وهو غير مسبوق في أسلوبه وتنظيمه في الآداب العربية وتأثيره في الروح الإنسانية ناشئ من امتيازه وروعته فكيف يمكن أن يكون مثل هذا الكتاب من إبداع محمد (صلى الله عليه وآله) (3) .
والقرآن الكريم ليس كتاباً علمياً يبحث في مسائل العلوم الطبيعية وإنما هو دستور الحياة وإنما يشير إلى سنن الطبيعة وإلى بعض العلوم للمناسبة والأهمية فكان السباق والمبادر في الإشارات العلمية والأدبية يقول الشيخ البوطي: (كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة والبيان هي ميادين الفخر والحماسة والموعظة والمدح والهجاء وكان أقل هذه الميادين اهتماماً منهم وحركة بهم ميادين الفلسفة والتشريع ومختلف العلوم وذلك هو السر في أنك قلما تجد الشعر يقتحم شيئاً من هذه الميادين الخالية الأخرى، ومهما رأيت بليغاً كامل البلاغة والبيان فإنه لا يمكن أن يتصرف في مختلف الموضوعات والمعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه بل يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها فربما جاء بالغاية من البراعة في معنى من المعاني فإذا انصرف إلى غيره أنخذل عن تلك الغاية ووقف دونها غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب الله تعالى فأنت تقرأ آيات منه في الوصف ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة وتقرأ بعد ذلك مقطعاً في التشريع وأحكام الحلال والحرام فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع عجيب من الإشراق والبيان وتنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها شامخة إليها) (4) .
ما هو المعجز؟

المعجز أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة وإنما قلنا أمر لأن المعجز قد يكون إتياناً بغير المعتاد وقد يكون منعاً من المعتاد.
وإنما قلنا خارق للعادة ليتميز به المدعى عن غيره وإنما قلنا مقرون بالتحدي لئلا يتخذ الكاذب معجزة من مضى حجة لنفسه وليتميز عن الإرهاص والكرامات وإنما قلنا مع عدم المعارضة ليتميز عن السحر والشعبذة (5) .
يعني ذلك إن المعجز إنما يخالف المعتاد أي يخالف القوانين المألوفة فهو يخرقها أي لا يخضع لها وإنما يكون بقدرة صاحب المعجزة قانوناً له أسبابه ومسبباته ويمتاز بقوة غالبة للقوانين المألوفة السائدة علماً بأن باب التحدي مفتوح على مصراعيه في كل الفنون أدباً وعلماً وبلاغة وفناً وهكذا

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 07:31 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

- معجزة القرآن الأدبية البلاغية:

إن التاريخ يقدم لنا حقائق كثيرة ومن الحقائق التي نحن بصددها يقول إن القرآن الكريم نزل في الجزيرة العربية وكان العرب قد بلغوا أوج عظمتهم وبراعتهم الأدبية والبلاغية حتى أن الشعر الجاهلي كان يكتب بماء الذهب ويعلق في الكعبة من شدة الإعجاب والاعتزاز ـ كما ذكرنا سابقاً ـ ومع كل هذا التقدم اللغوي في استعمال الألفاظ بالشكل الفني المتطابق لمقتضى الحال والملائم للذوق السليم الحساس بقدرة أدائية فائقة من الفصاحة والبلاغة والأدب وما تحويه هذه الفنون اللغوية من إبداع وتنسيق ودقة في الجرس الموسيقي للألفاظ ومعانيها الدالة عليها مع كل هذا نجد أن البلغاء الفصحاء والشعراء العرب حينما نزل القرآن الكريم اعترفوا بتقصير تقدمهم هذا ووقفوا مبهورين مندهشين للعظمة الكبرى من الناحية الأدبية في القرآن العزيز.
وحتى أعداء الرسالة كانوا يقفون عاجزين عن المواجهة البلاغية للقرآن حيث فشلوا أكثر من مرة وضمن مجالات عديدة والتاريخ يشهد بذلك يروي صاحب (مجمع البيان) (رحمه الله) إن طغاة قريش خافوا من موسم الحج (المعتاد) أن يأتي الناس إلى بني هاشم ويسمعوا ألفاظ القرآن الكريم من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وينتشر أمره لذلك اجتمعوا في دار الندوة وقرروا أن يسقطوا هيبة الرسول والقرآن الكريم باتهامات رخيصة فقال لهم الوليد في الاجتماع: إنكم ذوو أحساب وذوو أحلام وإن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟.
قالوا: نقول انه شاعر! فعبس عندها وقال قد سمعنا الشعر فما يشبه قول الشعر فقالوا: نقول إنه كاهن! قال إذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة قالوا: نقول إنه لمجنون! فقال إذا تأتونه فلا تجدونه مجنوناً.
قالوا: نقول إنه ساحر! قال وما الساحر: فقالوا بشر يحببون بين المتباغضين ويبغضون بين المتحابين فقال فهو ساحر (6) .
المهم إن أعداء الرسالة والمخططين لضرب الشريعة كانوا يتردّدون في نوعية التهمة التي يحاولون أن يلصقوها بالنبي ويترددون في الوقوف أمام القرآن من الناحية البلاغية فلما تبين عجزهم الكامل توسلوا بأساليب أخرى منها الملاحقة والتصفية الجسدية أعني الحروب والمداهمات استجابة لحقدهم الدفين وانتصاراً لمصالحهم المهددة بالانهيار فلذلك نلاحظ أن القرآن الكريم الذي نزل على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يتضمن المشروع الإلهي للبشر من كل النواحي العبادية والاجتماعية والعقوبات وقواعد الحرب والزحف وكيفية الصلح والمعاهدات والممارسات الأخلاقية والقوانين الاقتصادية وقصص الأنبياء والعبرة عن الماضين وهكذا نلاحظ كل ذلك ضمن تسلسل أدبي فني رائع، كل مجال من هذه المجالات قد أعطي حقه الكامل توضيحاً وبياناً وعلة ودليلا في العقائد والتشريع والأخلاق والمعاملات في الحياة وحال الموت والوصية والوكالة والكفالة وهكذا أبواب الحياة العملية والفكرية، وتبرز عظمة القرآن البلاغية في استعمال الفنون بصياغة دقيقة تمتاز بالا يجاز والقوة والرصانة والحسم في المواقف المعينة التي تتطلب فيها ذلك حتى في الأسلوب القصصي لبعض الأحداث الماضية كقصة أصحاب الكهف أو قصة النبي موسى (عليه السلام) فنلاحظ متانة الأسلوب في تبيان القصة مما يجعلها تمتاز بكل المميزات الحسنة للأسلوب القصصي الناجح من الإثارة والوضوح والربط المنسجم ما بين العبارات نفسها وما بين الألفاظ والمعاني من جهة أخرى يقول الرافعي في كتابه: (إن القرآن إنما ينفرد بأسلوبه لأنه ليس وضعاً إنسانياً البتة ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوباً من أساليب العرب) (7) .
ويروي لنا هشام الصحابي الجليل للإمام الصادق (عليه السلام) : (اجتمع في بيت الله الحرام أربعة من مشاهير الدهرية وأعاظم الأدباء وكبار الزنادقة وهم عبد الكريم بن أبي العوجاء وأبو شاكر ميمون بن ديصان وعبد الله بن المقفع وعبد الملك البصري فخاضوا في الحج ونبي الإسلام وما يجدونه من الضغط على أنفسهم من قوة أهل الدين ثم استقرت آراؤهم على معارضة القرآن الذي هو أساس الدين ومحوره. . فتعهد كل واحد منهم أن ينقض ربعاً من القرآن إلى السنة الآتية... ولما اجتمعوا في الحج القابل وتساءلوا عما فعلوا اعتذر ابن أبي العوجاء قائلاً أنه أدهشته آية: (قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فأشغلته بلاغتها وحجتها البالغة.
وأعتذر الثاني قائلاً أنه أدهشته آية: (ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) . [سورة الحج: آية 73]. فأشغلته عن عمله...
وقال ثالثهم أدهشتني آية نوح: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) . [سورة هود:الآية 44]. فأشغلتني الفكرة عن غيرها. وقال رابعهم أدهشتني آية يوسف: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) . [سورة يوسف: الآية 80]. فأشغلتني بلاغتها الموجزة عن التفكير في غيرها.
قال هشام وإذا بأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يمر عليهم ويومئ إليهم قائلاً: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) [سورة الإسراء: الآية 88] (8) .
ومما نستكشفه من عمالقة الأدب والبلاغة في المثل المار الذكر إن القرآن وثيقة متماسكة منسجمة بعضها مع البعض الآخر بالأسلوب والأداء والمعنى حيث أنه يتناول عدة موضوعات مختلفة تاريخية قانونية وتشريعية وأخلاقية وغيرها بروح متفاعلة متماسكة أدباً وموضوعاً وفي خلال المدة الطويلة التي استغرقت نزول الكتاب العزيز وهي ثلاثة وعشرين عاما دون أن نرى تفاوتا أو تغييراً في المستوى والطريقة الأدائية مطلقاً على عكس ما يؤلف الأدباء حيث يراجعون ويستبدلون ألفاظاً بدل ألفاظ وصوراً بدل صور بينما القرآن الكريم نزل كما قد نزل وبقي كما هو الآن وحالة التحدي لن تنتهي أبداً بل تبقي ما بقي الليل والنهار وكلما تجدد الزمان نلاحظ القرآن يزداد إشراقاً ونوراً وثباتاً وتألقاً ومهما تطورت أساليب الأدب والبلاغة نرى القرآن العظيم هو المقياس الخاص الذي تتوفر فيه كل عناصر القوة الإبداعية ـ فنياً وبلاغياً ـ فالتعبير القرآني يظل جارياً على نسق رفيع واحد من السمو في جمال اللفظ ورقة الصياغة وروعة التعبير رغم تنقله بين موضوعات مختلفة من التشريع والقصص والمواعظ والحجج والوعد والوعيد وتلك حقيقة شاقة بل لقد ظلت مستحيلة على الزمن لدى جميع من عرفنا وسمعنا بهم من فحُول العربية والبيان) (9) .
حتى يظهر ذلك بوضوح على النفس الإنسانية فإنها لا تمل من القراءة أو الاستماع للآيات الكريمة فالإنسان يميل إلى التلاوة والاستماع دون ملل في التكرار. فالقوة الإبداعية بالبيان والأداء تسيطر سيطرة تامة على مشاعر الإنسان فلن يمل الإنسان مهما قرأ أكثر أو استمع أكثر للآيات الكريمة بل في كل مرة من تداول القرآن الكريم يكتشف الإنسان أثراً جديداً على نفسيته وروحيته وكلما تدبر الإنسان وتفكر في القرآن أكثر كلما شعر بهذا الإحساس الروحي العالي في داخله وكلما كان الشخص عالماً متفهماً أكثر كان إدراكه لأبعاد وأسرار القرآن أكثر فيشعر بالانعكاسات القرآنية على نفسيته ويلتذ لذلك حيث يطمئن اطمئنان المؤمنين (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
وهذه السيطرة على المشاعر قد تكون من أسرار القوة لدى الكتاب الكريم حيث السباكة الفنية الدقيقة للألفاظ الدالة على المعاني المقصودة وحتى أولئك المنافقين والكافرين كانوا يتأثرون بالاستماع للآيات المباركة وكثير منهم من أعاد النظر في عقيدته بعد القراءة أو الاستماع فعدل عن طريقته العدائية إلى الالتزام بالكتاب الحكيم، ينقل لنا التاريخ أن الشعراء الكبار في الجاهلية كانوا يخجلون من أنفسهم حينما يقرأون أو يسمعون آيات الله العظيمة وتسيطر على أنفسهم ببلاغتها الساحرة وقوتها البيانية حتى قيل لأحد الشعراء الجاهلين ـ وأظنه لبيد ـ حينما سمعت أخته الأديبة أيضاً بالآية الكريمة: (اقتربت الساعة وانشقّ القمر) . [سورة القمر: الآية 1].
جاءت لأخيها قائلة قم وأنزل معلقتك الذهبية واخجل من محمد فهذه الآية الكريمة تحمل عدة وجوه بلاغية بكلماتها القليلة على عكس معلقتك الطويلة.
ويذكر السيد الزنجاني في كتابه بصدد المعلقات السبع المشهورة قوله: (فإذا أنشأ ما هو أبلغ منه رفعوا الأول وعلقوا الثاني فلما نزل قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) رفعوا المعلقات من الكعبة وأخفوها من الفضيحة) (10) .
وللعلم أن البلاغة بمحاسنها اللفظية وحسن استعمال التشبيه والتزويق والإيجاز وما شابه من فنون الأدب والتعبير كل ذلك وجها من وجوه الإعجاز القرآني فالقرآن لم ينزل لخوض مباريات أدبية وبلاغية وإنما نزل دستوراً للحياة من لدن الله العزيز الكريم فإحدى مظاهر أعجازه هي القضية البلاغية ولأن العرب كانوا في قمة تطورهم اللغوي فكان فرسان الأدب والبلاغة يتضاءلون أمام المتانة البلاغية للقرآن المجيد لذلك ـ كما قلنا ـ سيطر القرآن على الكثير منهم نفسياً وشعورياً فكانوا يقفون أمام آية واحدة من القرآن حيارى من شدة الدقة في التعبير... فيعلن البعض إسلامه كما فعل السحرة أمام موسى فأعلنوا أيمانهم المطلق مما دفع فرعون ليبطش بهم.
كما قال سبحانه: (فألقي السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين) . [سورة الشعراء: الآيتان 46-47].
والبعض الآخر كان يدوس على ضميره وينتقم لمصالحه وعقيدته الخاوية لعصبيةٍ جاهلية منه فيترك البلاغة والأدب منهزماً من الساحة ليدخل إليها بالعنف والغلظة فصارت المعارك والحروب بعد الفشل الذريع للوقوف أمام القرآن أدبياً بلاغياً.
فقد قال تبارك وتعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين، أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) . [سورة العنكبوت: الآيتان 50-51].
فهو من عند الله وقد أحكمت آياته إحكاماً دقيقاً لا يمكن للبشر مهما بلغوا أن يصلوا إلى مستوى التحدي له:
(كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) . [سورة هود: الآية 1].
ولنأخذ مثلاً قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق... ) . [سورة الأنبياء: الآية 18].
وفيها: كأن الحق ـ وهو معنى مجرد ولعظم شأنه ـ قذيفة ثقيلة ترمى على الباطل الهش الواهي فيرديه جثة هامدة وقد استخدمت في هذا المشهد العظيم للصراع بين الحق والباطل (الفاء) التعتيبية ولم تستخدم (ثم) أو غيرها لطي المشاهد بسرعة وبيان قدرة الحق الفائقة على دمغ الباطل والسرعة الخاطفة التي تم خلالها إزهاقه، والإزهاق هو خروج الروح لبيان حتمية انهيار الباطل وانعدام وجوده وبطلان أثره.
ولقد أجاد السيد الرضي حين لاحظ إن: (الدمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثقال على طريق الغلبة والاستعلاء فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه) (11) .
فحرف الفاء له دلالته وحسابه وموقعه واختيار المفردات الدالة على صميم معناها وأنت تحتار أمام النص المبارك هل المعنى يعكس اللفظ أو اللفظ يعكس المعنى المقصود وكأنهما متساويان بالتأثير والظلال المتبادلة من الواحد للآخر.
وهكذا الآيات القرآنية الأخرى تجسد البلاغة والأداء الأدبي في أرفع صوره وأرقى أشكاله.
2- معجزة القرآن العلمية:
القرآن الكريم ليس كتاباً مختصاً بعلم من العلوم فلا يتلخص هدفه لإثبات شيء علمي أو نفيه ككتب الهندسة والطب والأحياء لأن العلوم هي نتاج العقل البشري فمهما اجتهد العقلاء استطاعوا أن يذللوا صعوبات الطبيعة ويخترعوا وسائل وأجهزة تخدم البشرية جمعاء بينما القرآن كتاب الحياة هدفه تنظيم حياة الفرد والمجتمع من كل النواحي أي كل ما يتصور ضمن الحياة الدنيوية والأخروية من اجتماع وسياسة وثقافة واقتصاد وتربية نجده في القرآن المجيد قانوناً ودستوراً وطريقة لهذه الناحية وتلك الظاهرة... فالقرآن يبني العقيدة الصحيحة في النفس ويهدم التراكمات الفكرية السلبية في ذات الإنسان وهو يبني أسس الأخلاق في الإنسان والمجتمع ويحارب النفاق والالتواء السلوكي ويجاهد الأعداء والمنافقين.
مع كل ما تقدم نلاحظ أن القرآن العزيز ينفرد بالأعجاز العلمي حيث يشير في بعض آياته الكريمة إشارات علمية وهو مستطرد في الكلام أثناء التشبيهات أو لتقريب فكرة معينة هدفها البناء الإيماني ومع ذلك نلاحظ إن هذه الإشارات العلمية قد أثبتها العلم الحديث اليوم بعد جهد متواصل ولفترة طويلة وتبقى بعض الأسرار العلمية في القرآن عسيرة الانكشاف من قبل العلم والعلماء وحتى اليوم وبمعنى آخر لا زال التطور العلمي عاجزاً عن كشف أسرار هذه الإشارات العلمية وحتى الكلمة الواحدة في موقعها لها دلالة علمية معينة يكتشفها العلم هذا اليوم ويقف إجلالاً أمامها ويزداد إعجاباً بهذا الكتاب العظيم بل حتى الحرف الواحد في موقعه له دلالته العلمية الواضحة كالتاء مثلاً فإنها تاء التأنيث أحياناً، هذا الحرف البسيط له دلالته العلمية يقرها العلم هذا اليوم بعد أن كان يمر عليها مرور الكرام فنقرأ مثلا في قضية بيت العنكبوت التي سنتحدث عنها قريباً كيف أن تاء التأنيث لها دلالتها العلمية.
فمن هنا يجزم العقلاء بأن الرسول الأمي (صلى الله عليه وآله) في تلك البيئة المتخلفة عن أساليب التطور العلمي والتكنولوجي لا يمكنه أن يأتي من عنده بهذا الكتاب الذي يحوي أسراراً علمية يكتشفها العلم المتطور في القرن العشرين أو لا تزال غامضة عليه حتى الآن ولربما تبقى أسراراً خاصة لن يفهمها العلم مهما تطور وتقدم كما في معرفة الروح.
(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) . [سورة الإسراء: الآية 85].
تبقى الروح لغزاً محيراً وان وسائلنا العلمية لا تنهض بمعرفتها لأنه: (وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً. . ) .
فيكون إذن هذا الإعجاز العلمي من الدلائل الواضحة لمعجزة القرآن بأنه منزل من قبل القدير العليم بديع السموات والأرض.
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) . [سورة النساء: الآية 82 ].
يقول الدكتور (واجلري) من جامعة نابل:
القرآن: (يضم آيات عديدة تبين القوانين الطبيعية والعلوم المختلفة وتناوله لهذه المواضيع العلمية دقيق وبعيد عن الأخطاء إلى الحد الذي تهبط أمامه منزلة رجال العلم والفلاسفة والسياسيين) (12) .
مع العلم أن القرآن كتاب تربية وهداية وليس كتاباً علمياً وإنما يتناول العلم في بعض الآيات للتوضيح والتقريب ـ كما مر ـ.
ويمكن أن نستعرض بعض هذه الأمثلة لتوضيح المسألة:
(أ) تقول الآية الكريمة: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) . [سورة الحج: الآية 73].
وهذا مثل مازال معجزاً للعلم والعلماء بعد ألف سنة من تطور العلم والتكنولوجيا فمن يستطيع أن يخلق ذبابة على هوانها وتفاهتها؟ وإذا سلبتك الذبابة حياتك بمرض تنقله إليك فمن يستطيع أن يرد لك تلك الحياة؟ بل إنها لو سلبتك ذرة من النشاء من طعامك فإن عباقرة الكيمياء لو اجتمعوا لا يستطيعون استرداد هذه الذرة من أمعائها لأنها تتحول فوراً إلى سكر بفعل الخمائر الهاضمة فما أضعف الطالب والمطلوب، ما أضعف عبقري الكيمياء وما أهون الذبابة وما أتفه ذرة النشاء في عالم هائل بلا حدود) (13) .
(ب) في أكثر من آية حينما يذكر سبحانه حواس الإنسان يتقدم ذكر السمع على البصر هذا التقديم له دلالته العلمية يقول الدكتور مصطفى محمود: (وهي مسألة يعرف سرها الآن علماء الفسيولوجيا والتشريح فهم وحدهم يدركون أن جهاز السمع أرقى واعقد وأدق وأرهف من جهاز الأبصار ويمتاز عليه بإدراك المجردات كالموسيقى وإدراك التداخل مثل حلول عدة نغمات داخل بعضها البعض مع القدرة على تمييز كل نغمة على انفراد كما تميز الأم صوت بكاء ابنها من بين زحام هائل من آلاف الأصوات المتداخلة. . يتم هذا في لحظة. . أما العين فهي تتوه في زحام التفاصيل ولا تعثر على ضالتها يتوه الابن عن عين أمه في الزحام ولا يتوه عن سمعها والعلم يمدنا بألف دليل على تفوق معجزة السمع على معجزة البصر ولم يكن هذا العلم موجوداً أيام نزل القرآن) (14) .
يقول تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) . [سورة النحل: الآية 78].
وفي آية أخرى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) . [سورة الإسراء: الآية 36].
فمجرد تقديم السمع على البصر لفظاً له دلالته العلمية الدقيقة.
(ج) تقول الآية المباركة: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) . [سورة العنكبوت: الآية 41].
فهنا نرى القرآن يختار صفة التأنيث حينما يتحدث عن العنكبوت فيقول:
(كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً) وقد كشف العلم مؤخراً أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت وليس الذكر وهي حقيقة بيولوجية لم تكن معلومة أيام نزول القرآن.
والحقيقة الثانية هي وصف بيت العنكبوت بأنه أوهن البيوت ولم يقل القرآن خيط العنكبوت أو نسيج العنكبوت وإنما قال بيت العنكبوت وهي مسألة لها دلالة ولها سبب. . والعلم كشف الآن بالقياس: إن خيط العنكبوت أقوى من مثيله من الصلب ثلاث مرات وأقوى من خيط الحرير وأكثر منه مرونة فيكون نسيج العنكبوت بالنسبة لاحتياجات العنكبوت وافياً بالغرض وزيادة ويكون بالنسبة له قلعة أمينة حصينة فلماذا يقول القرآن: (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) ولماذا يختم الآية بكلمة (لو كانوا يعلمون) لا بد أن هنالك سراً.
والواقع أن هناك سراً بيولوجياً كشف العلم عنه فيما كشف لنا مؤخراً فالحقيقة أن بيت العنكبوت هو أبعد البيوت عن صفة البيت بما يلزم البيت من أمان وسكينة وطمأنينة فالعنكبوت الأنثى تقتل ذكرها بعد أن يلقحها وتأكله. . والأبناء يأكلون بعضهم بعضاً بعد الخروج من البيض ولهذا يعمد الذكر إلى الفرار بجلده بعد أن يلقح أنثاه ولا يحاول أن يضع قدمه في بيتها.
وتغزل أنثى العنكبوت بيتها ليكون فخاً وكميناً ومقتلاً لكل حشرة صغيرة تفكر أن تقترب منه وكل من يدخل البيت من زوار وضيوف يقتل ويلتهم. . إنه ليس بيتاً إذن بل مذبحة يخيم عليها الخوف والتربص وإنه لأوهن البيوت لمن يحاول أن يتخذ منه ملجأ والوهن هنا كلمة عربية تعبر عن غاية الجهد والمشقة والمعاناة وهذا شأن من يلجأ لغير الله ليتخذ منه معيناً ونصيراً. .
ذروة في دقة التعبير وخفاء المعاني ومحكم الكلمات وأسرار العلوم مما كان معروفاً أيام النبي ومما لم يعرف إلا بعد موته بألف عام. . إعجاز قطعي لا شك فيه يتحدى العقل أن يجد مصدراً لهذا العلم غير المصدر الإلهي (15) .
(د) في الآية القرآنية: (والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع) . [سورة الطارق: الآيتان 11-12].
يصف القرآن الكريم ـ السماء في الآية المباركة ـ بأنها ترجع ما يصعد إليها (بخار الماء ترجعه إلينا مطراً) ونعلم الآن إن الأمواج اللاسلكية والتلفزيونية ترتد هي الأخرى من السماء إذا أرسلت إليها بسبب انعكاسها على الطبقات العليا الأيونية. . لهذا نستطيع أن نلتقط إذاعات لندن وباريس وجميع المحطات في الأرض بعد انعكاسها ونستمع إليها ونشاهدها ولولا ذلك لضاعت وتشتتت ولم نعثر عليها فالسماء أشبه بمرآة عاكسة ترجع ما يبث إليها فهي السماء (ذات الرجع) والأرض (ذات الصدع) أي تنصدع ليخرج منها النبات ونافورات الغاز الطبيعي والبترول وينابيع المياه الكبريتية ونفث البراكين (16) .
(هـ) عدد من الآيات القرآنية يتحدث عن عالم الأفلاك مثلا قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي) .
[سورة الأنبياء: الآية 30].
وفي مراجعة أحدث النظريات في نشوء الأرض والكواكب السيارة نراها تذهب إلى أن الشمس كانت كبيرة جداً، كتلة ملتهبة في الفضاء فمر بالقرب منها نجم قبل قرون عديدة وبسبب القوى الجاذبة صار تخلخلاً في الضغط أثر على الشمس فتصدعت فانفصلت أجزاء متناثرة من الشمس ظلت تدور حولها أي ما انفلتت من دائرتها الجاذبة فبقيت تدور حولها بانتظام وبردت شيئاً فشيئاً حتى افتقدت حرارتها ولهيبها فأصبحت الكواكب السيارة وأصبحت الأرض، يقول العالم البريطاني جينز: (مر نجم بالقرب من شمسنا فأوجد فيها ضباباً مهيباً وأصبحت المادة المنفصلة من الشمس بصورة سيجارة طويلة ثم انقسمت هذه المادة فالقسم الأكبر من السيجارة كون السيارات الأضخم والقسم الأصغر منها كون السيارات الأقل حجماً) (17) .
وجاء في المجمع: (تقديره كانتا ذواتي رتق فجعلناهما ذواتي فتق والمعنى كانتا ملتزقتين منسدتين ففصلنا بينها بالهواء) (18) .
(و) قال تبارك وتعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغاً للشاربين) . [سورة النحل: الآية 66].
يكشف القرآن الكريم عن سر عميق من أسرار الطبيعة الحيوانية حيث يبين طريقة تحضير اللبن من الحيوان مما نلاحظ أن العلم بأساليبه الحديثة وأدواته المتطورة وصل إلى نفس النتائج يقول الدكتور موريس بوكاي:
(إن المواد الأساسية التي تؤمن للبدن ما يحتاج من غذاء تأتي من التبدلات الكيميائية الحاصلة في طول جهاز الهضم وتتكون هذه المواد من العناصر الموجودة فيها تحتويه الأمعاء وعندما تصل هذه العناصر في الأمعاء إلى مرحلة التغيير الكيميائي تمر عبر جدار الأمعاء نحو التيار العام المتحرك إن هذا العبور يتم عن طريقين: إما مباشرة بواسطة العروق اللمفاوية وإما بطريق غير مباشر بواسطة الدوران وفي هذه الصورة تذهب هذه المواد أولا إلى الكبد وتحدث فيها هناك بعض التغيرات ثم تخرج منه لتلتحق بالتيار العام وعلى هذا فإن جميع المواد تنتقل بواسطة حركة الدم والعوامل المكونة للبن تترشح من الغدد المغروسة في الثدي وتتغذى هذه الغدد من نتائج هضم الغذاء التي تأتيها بواسطة حركة الدم إذن أصبح للدم امتصاص ونقل المواد المستخرجة من الأغذية لحمل الغذاء إلى غدد الثدي المولدة للبن وهو نفس الدور الذي يقوم به لخدمة أي عضو آخر... إن هذه الحقيقة الرائعة من نتائج ومنجزات كيمياء وفسلجة الهضم التي لم تكن معروفة على الإطلاق في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) وقد بدأت معرفة ذلك في النهضة الحديثة عندما اكتشفت الدورة الدموية بعد الوحي القرآني بقرون) (19) .
(ز) قال سبحانه وتعالى: (لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة، أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه، بلى قادرين على أن نسوي بنانه) . [سورة القيامة: الآيات 1-4].
الآيات المباركة في مورد الاحتجاج والرد على بعض الجاحدين والمنكرين للبعث يوم القيامة فقدم القرآن دليلا حيا نعيشه اليوم: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) والبنان رؤوس أصابع اليد فقد صاغها الله سبحانه صياغة فريدة من حيث خطوطها وتشابكها بشكل متميز بين أفراد البشر جميعا حيث يختص كل منا بهذه الميزة في أصابعه وقد اكتشف ذلك العلم الحديث وبدأ يستفيد من ذلك في ضبط المحاكم والاعترافات أو تصويرها لضبط الجاني في المسائل الجنائية كالقتل والسرقة وما شابه ذلك ـ كما هو معروف للجميع ـ.
(ح) كشف لنا القرآن الكريم عن سر التفاهم في عالم الحيوان حيث اللغة المتبادلة فيما بين الحيوانات فلكل نوع من الحيوانات لغة خاصة يتفاهم بها فتعمل المجاميع الحيوانية أعمالاً اجتماعية مشتركة أو سياسية أو ثوريّة أو دفاعية حينما تتعرض أوكارها لعدو خارجي.
يقول القرآن العظيم: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أُمم أمثالكم). [سورة الأنعام: الآية 38].
وفي آية أخرى: (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي... ) . [سورة النمل: الآيتان 18-19].
وهكذا كشف عن اللغة الخاصة في التخاطب فيما بين النمل، والعلم حديثاً بيّن بعض أسرار هذه اللغة في النمل والدجاج والكلب وغيرها.
ولا بأس أن نشير إلى أن في سورة النمل بيان لقدرة النبي سليمان على فهم لغة الحيوانات بإذن الله تعالى.
فتقرأ: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون... وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين... فمكث غير بعيد فقال (الهدهد) أحطتُ بما لم تحط به (يا سليمان) وجئتك من سبأ بنبأٍ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأُوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم. . ) . [سورة النمل: الآيات 17-20-22-23].
فنلمس نوعاً من التحدي يصدر من الهدهد هذا الطائر المعروف للنبي سليمان بقوله أحطت بما لم تحط به. . هذه اللغة كان يفهمها النبي سليمان وهي تبقى لغزاً أمام التطور العلمي مع اعترافه التام بوجود هذه اللغة في عالم الحيوان.
(ط) والقضية العلمية الجديدة أحب أن أسجلها فاليوم تظهر كثير من الدراسات العلمية تثبت إعجاز القرآن الكريم ويصرح العلماء والمفكرون في أكثر من موقع أن هذه المعجزة لا يمكن أن تكون من نتاج إنساني أبداً بل من لدن عليم خبير.
والمعجزة هذه المرة بالأعداد والأرقام: (الله الذي نزل الكتاب بالحق والميزان) . [سورة الشورى: الآية 17].
فالميزان هو العدل والدقة في الإنصاف وفي الأحكام والتعاليم وكذلك في عدد حروف القرآن الكريم فهي دقيقة ودالة على المعنى المقصود ضبطاً.
والمسألة العددية هذه تتمحور حول الرقم 19 الذي هو عدد حروف البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) فهو السر في الأعجاز العددي الرقمي القرآني الذي لا يقبل القسمة وهذه الفكرة قدمها الدكتور رشاد خليفة المصري بعد دراسة وافية استمرت أكثر من عشر سنوات مستعيناً بالعقل الإلكتروني وعلى ضوء ما يذهب إليه المفسرون المعاصرون في الآية الكريمة:
(سأصليه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر، عليها تسعة عشر) . [سورة المدثر: الآيات 26-30].
أي عليها عدد حروف البسملة الذي هو 19 وإن كلمة من البسملة تتكرر في القرآن الكريم أضعاف رقم 19 فكلمة (اسم) الواردة في القرآن عدا الموجود في البسملة فقد وردت بصيغة (اسم الله) (اسم ربك) (اسم ربه) وردت 19 مرة.
والبسملة تكررت على عدد سورة القرآن 114 وحتى في سورة النمل وردت في حكاية كتاب سليمان إلى ملكة سبأ (وإنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) ويعني ذلك 19 × 6 = 114.
وكلمة (الله) تكررت في القرآن: 2698 مرة أي 19 ×142.
وكلمة (الرحمن) تكررت في القرآن: 57 مرة أي 19 × 3.
وكلمة (الرحيم) تكررت: 114 مرة عدد سور القرآن 19 × 6.
ومن جهة ثانية نجد في سورة (ق) : 57 قافاً أي 19 × 3.
والملفت للنظر إن (قوم لوط) ذكروا في القرآن 12 مرة بهذه الصيغة إلاّ في سورة (ق) فقد ذكروا بصيغة (إخوان لوط) محافظة على عد القافات فيها إذ لو ذكروا باسم (قوم لوط) لبلغت القافات فيها 58 مما يحدث الإخلال بعدد القافات في هذه السورة التي هي 57 والتي هي أضعاف عدد 19.
ونجد في سورة الشورى وفي افتتاحها (حم، عسق) وجود حرف القاف وعدد القافات فيها 57 قافاً أي 19 ×3.
ثم لو جمعنا 57 قافاً التي في سورة ق مع 57 قافاً في سورة الشورى لكان عدد مجموع سور القرآن.
ومثال آخر إن حرف (ن) يتكرر في سورة (ن والقلم وما يسطرون) 133 مرة أي 19 ×7 ومن اتجاه آخر ينطلق من التساوي العددي والتناسق الرقمي في موضوعات القرآن الكريم الذي لا حظه الدكتور عبد الرزاق نوفل في كتابه: (الإعجاز العددي للقرآن الكريم) وإنه ـ كما قال ـ وجه جديد من أوجه الإعجاز في القرآن لا يختلف في نتيجة الآراء وليس هو بتفسير أو تأويل تتعارض فيه الاجتهادات وتتباين النظريات ولكنه حساب وأرقام وحقائق الحساب دائماً قاطعة وشواهد الأرقام أبداً دامغة.
فمثلاً الدنيا والآخر ورد ذكر كل منهما في القرآن 115 مرة رغم أنهما لن يذكرا مجتمعين إلاّ في خمسين آية. .
والشياطين والملائكة ورد ذكر كل منهما 68 مرة سواء أكان منها المفرد أو الجمع. والموت ومشتقاته والحياة التي تختص بالخلق دون ما يختص بحياة الأرض ورد فيه ذكر كل منها 71 مرة.
والبصر وهو الرؤية بالحاسة الظاهرة مع مشتقاتها والبصيرة وهي الرؤية القلبية الداخلية تكرر ذكرها 148 مرة.
وبنفس العدد 148 مرة تكرر ذكر لفظ القلب والفؤاد ومشتقاتها والنفع والفساد مع مشتقاتهما تكرر ذكر كل منهما 50 مرة والصيف والحر والشتاء والبرد مع مشتقات البرد والحر ذكر كل منها 5 مرات.
والبعث والصراط ومشتقاتهما ذكرا (45) مرة وهكذا (20) .
وبالنتيجة نلاحظ أن الإعجاز العلمي لدى القرآن الكريم مستمر في بيانه وظهوره ولا زالت بعض آيات الكتاب هي في عداد الأسرار الغامضة على العقل الإنساني فهل بعد ذلك من يقول إنه من صنع بشري أو جاء صدفة أو وضعه ساحر أو كاهن؟.
ونذكر في حاشية بحث رقم 19 في القرآن الكريم أن المسألة ليست لها علاقة بالأفكار الباطنية المنحرفة لا من قريب ولا من بعيد كما يذهب البعض من المفكرين كالأستاذ أحمد السحمراني في كتاب (الحركات الباطنية) .
لعقدة هذا البعض من رقم 19 المقدس لدى بعض الباطنيين والربط بين الأمرين ربط بعيد عن الدقة العلمية وحينما نذكر ذلك إنا نضيف إلى سلسلة الإعجاز القرآني في العصر الحديث ما نسميه بالإعجاز العددي قد ينفع الشباب للاطمئنان بعقائدهم وكتابهم الكريم بشكل أفضل.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 07:34 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

3- معجزة القرآن الغيبية:


قال تبارك وتعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا... ) . [سورة هود: الآية 49].
نبأ القرآن الكريم عن أخبار غيبية تحققت بالمستقبل بالشكل الموعود في القرآن الكريم هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أخبرنا القرآن الكريم عن قصص الأنبياء والأمم السالفة بالشكل الدقيق الذي لا نلاحظه في كتب اليهود والنصارى بعد تحريفها فلذلك كشف القرآن المجيد عن المحاولات الدنيئة في تحريف الكتب السماوية المقدسة التي سبقت الكتاب العزيز:
(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. . ) . [سورة الأعراف: الآية 157].
والآن نحن لا نلاحظ ما يخص النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في كتبهم المتداولة حالياً من التوراة والإنجيل وهذا دليل صارخ على ما تلعبه أيدي اليهود والصليبية بالكتب المقدسة.
المهم بالنسبة للنوع الأول نذكر أمثلة لتوضيح هذا الجانب من المعجزة الكبرى.
(أ) قال القرآن الكريم: (غُلبت الرومُ، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرحُ المؤمنون، بنصر الله) . [سورة الروم: الآيات 2-5 ].
نزلت هذه الآية الكريمة في السنة الثانية للهجرة أي سنة 625 ميلادية بعدما انهزم جيش الروم المؤمن بالله العزيز: على يد الفرس عبدة النار آنذاك واحتلوا بيت المقدس ففرح المشركون في الحجاز بهذا الانتصار الساحق واعتبروه إعلاناً عن انتصار مقبل على المسلمين عندهم وهكذا دخل الهم والغم على المسلمين وفي الأثناء نزل الوحي لينبئ عن انتصار الروم على أعدائهم الفرس بعد تضميد جراحهم وإعدادهم من جديد لخوض معركة فاصلة وحاسمة وسيكون النصر لهم في بضع سنين يعني أقل من عشر سنوات وبالفعل تم الانتصار وفرح المؤمنون بذلك فهو وعد إلهي غيبي تحقق على الموعد المبرم.
(ب) وتنبأ القرآن العزيز بفتح مكة قبل الفتح فقد جاء في سورة الفتح: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً) . [سورة الفتح: الآية 27].
وبالفعل تم الانتصار على المشركين وتم فتح مكة بالسنة الثامنة للهجرة ـ بإذنه تعالى ـ وهذا التنبؤ كان يصعب على الناس تصديقه تبعاً للظروف الموضوعية المحيطة بالمسلمين بالإضافة إلى الظروف الذاتية غير المتكاملة لشن هكذا حرب كاسحة وهجوم كبير ومع كل ذلك تم النصر والفتح.
ويكشف القرآن عن سر آخر في سورة النصر: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً) حيث كشف عن الفتح ودخول الناس جماعات جماعات للدين الإسلامي المبارك.
(ج) أخبر القرآن الكريم ـ كما قلنا آنفاً ـ عن حياة الأمم السالفة بذكر قصصهم بأسلوب متين معبر فقصة ذي القرنين وأصحاب الكهف وموسى وعيسى ويوسف وغيرهم.
(تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا) . [سورة هود: الآية 49].
وفي هذا دلالة على الإحاطة التامة بالماضي والتاريخ وهو غيب بالنسبة للمتلقين المعاصرين.
(د) أنبأنا الله سبحانه بأن هذا القرآن يبقى كما هو دون أن تستطيع الأيدي الأثيمة أن تنال منه أو تحرفه أو تبدله فقد قال عز وجل:
(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) . [سورة الحجر: الآية 9].
ونحن نلاحظ ضخامة المؤامرات الدنيئة على الكتب السماوية من الصهيونية والصليبية الحاقدة ومروراً بالماسونية وشبكاتها المدمرة والتي استطاعت أن تنال من الكتب السماوية السابقة وانتهاء بالنفوس المريضة بين بعض المسلمين وحكامهم. . كل هذه المؤامرات استهدفت القرآن المجيد كما استهدفت التوراة والإنجيل من قبل وغيرت فيهما كما يعترف بذلك أبناء وعلماء الديانات المسيحية واليهودية بينما نلاحظ القرآن الكريم يقف شامخاً محفوظاً وذلك بفعل اليد الغيبية الحافظة له وإلاَّ فإن المؤامرة عليه أكبر من دفاع المسلمين عنه ومن حكامهم أن نصبوا أنفسهم حماة لهذا الكتاب الكريم.
وهكذا حينما تحدى القرآن الكريم أولئك البلغاء والفصحاء بقوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) . [سورة الإسراء: الآية 88].
والآية الكريمة الأخرى تقول: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) . [سورة البقرة: الآيتان 23-24].
فقد نفى القرآن نجاح فعلهم إلى الأبد وهكذا كان الأمر في زمن الرسالة وبعد عصر الرسالة ويبقى التحدي ساري المفعول إلى أن تقوم الساعة.
وحتى أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنبأ عن المستقبل بإذن الله تعالى فقال لعمار بن ياسر (تقتلك الفئة الباغية) وأخبر عن شهادة الإمام علي (عليه السلام) وشهادة الإمام الحسين (عليه السلام) بكربلاء، وكثيرة هذه التنبؤات الغيبية التي جاء بها القرآن الكريم والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فإنها قد تحققت فنستدل من ذلك أن اليد الخفية الإلهية هي التي تقف وراء معجزة الإسلام ـ القرآن والرسول ـ.
4- معجزة القرآن التربوية والنفسية:
رسالة الإسلام جاءت متناسبة مع احتياجات النفس الإنسانية فكأنها مطلعة على كل زوايا هذه النفس وأبعادها ـ كيف لا ـ والله سبحانه قد خلقها ووضع لها قوانينها المناسبة لها في القرآن فهي الدواء الطبيعي للأمراض النفسية مهما بلغت من حدتها ومضاعفاتها ولا يمكن أن تتوفر حالة الاطمئنان بالشكل التام إلا بذكر الرحمن سبحانه، وهو القائل: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وقد قال الإمام علي (عليه السلام) : (إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن)
(21) .
وعلى هذا الضوء نلاحظ أن الأسس التربوية في القرآن الكريم هي الوحيدة التي تكفل سعادة الإنسان والمجتمع لأن القرآن يدرك ما يجري في النفس الإنسانية من حالات مرضية أسبابها ومسبباتها ونتائجها فيبدأ بمعالجة الأسباب الرئيسية لهذه الأمراض فيقلع جذور الفساد من الأساس حيث قال سبحانه:
(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) . [سورة غافر: الآية 19].
ويعلم أن الإنسان ظلوم جهول حيث حمل أمانة السماء: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا) . [سورة الأحزاب: الآية 72].
فلذلك حينما يشرع هذا التشريع المقدس يأتي مطابقاً لمصلحة الإنسان ولا يمكن أن نشك في هذه الحقيقة التي بات كثير من الناس لا يعونها بالشكل التام إثر تخلف معين أو لتأثير الإعلام المعادي للإسلام والمسألة لا تحتاج إلى تفكير هائل مع ما وصلت إليه البشرية من التقدم التكنيكي والصناعة المتطورة لتذليل الصعاب إلاَّ أننا نشاهد التذوق الحقيقي للسعادة والراحة القلبية لا تحققها الرسائل المتقدمة وإنما لا بد من معالجات روحية ونفسية لإنقاذ الإنسان من الأزمات الخطيرة التي تحيطه من كل جانب والتي قد تودي بحياته أحياناً.
فالقدم العلمي لا يحقق للإنسان احتياجاته النفسية فهو لا يوفر العقيدة القلبية والربط الروحي مع حقائق الوجود بل يوفر التفسير الظاهري للوجودات في الحياة فالعلم يكشف عن دقة الكون والإبداع الهائل في تصويره وهندسته وقوانينه من المجرات إلى الذرات من الحيوانات إلى الحشرات وفي داخل الإنسان أعظم الأجهزة العاملة تؤدي أعمالها بالشكل المناسب بينما القرآن الكريم بل الإيمان به يوفر حالة الربط الروحي بين الإنسان والمبدع للكون فيملأ هذا الفراغ بالحب والأمل فنعبده ونتقرب إليه ونخاف من عقابه بل نخاف من يوم الحساب ذلك اليوم العسير حيث المحكمة الكبرى تقام على الإنسان وحينذاك تشهد على أعمالنا أيدنا وأرجلنا.
(يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) . [سورة النور: الآية 24].
فهذه القيم المقدسة لا يعطينا إياها العلم إضافة إلى أن العلم لا يدعي الكمال بل النظريات تتحول إلى عمليات والعمليات في تطور مستمر وفي كل يوم اكتشاف جديد واختراع جديد أما القرآن فهو المنهج التربوي والعقائدي الثابت إنه في قمة الكمال لا يطرأ عليه التغيير أو التبديل:
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) . [سورة المائدة: الآية:3].
فإذن هنالك حاجة نفسية للقرآن الكريم أو للعقيدة بشكل عام وعلى ما تذهب إليه البحوث السايكولوجية المتطورة من أن هنالك فراغاً في مخ الإنسان لا يملأ إلا بالتربية الروحية والتعلق الوجداني بقوة كبرى تسندنا لأننا ضعفاء ويظهر ضعفنا جلياً حين المرض أو حين يلوح علينا شبح الموت المخيف فلما لم تجد البشرية ذلك الدين القيم تلجأ إلى الخرافات وعبادة الدنيا أو الأصنام كما كان سابقاً أو عبادة البقر كما عند البعض محاولة يائسة لملء الفراغ الذهني بالمعتقدات السخيفة خوفاً من حالة الضياع القاتلة وأظن أننا لا نحتاج إلى أدلة في هذا الحديث وخاصة حينما نرى البلدان العلمية في أوروبا بالذات فإلى جانب التطور التكنولوجي هنالك الضياع المر القاتل الذي يعاني منه المجتمع وبالذات الشباب وفي كل يوم ومضة جديدة تكتسح الشارع الأوروبي حتى غدا البعض لا يفارق المرآة ليل نهار يعمل في تصفيف شعره وترتيب ملابسه وجلده وحذائه وأظفاره بشكل لم يفعله المجنون حتى رأيت في إحدى البلدان الأوروبية إن بعض شباب (اليانك) قد حلق شعر رأسه من كل جانب بالموس عدا المنطقة العليا من الرأس فجعل الشعر منها طويلاً وملوناً كألوان الطيف الشمسي وقد وضع عليه نوعاً من الزيت الخاص له بريق معين حينما تراه كأنك ترى عشاً للعصافير وبالفعل يستطيع أن يخدع بعض العصافير لتقف على رأسه في الحدائق العامة وبفنية متعبة حينذاك يمتلئ هذا المسكين أو هذه المسكينة سعادةً نفسية وفرحاً كبيراً فينتعش ويضحك ويبتسم لروحه المعذبة وحينما يسأل عن هذه الأعمال يجيب لتحقيق نشوة السعادة الروحية لديه !!.
هذا وإضافة إلى ملء هذا الفراغ الروحي نلاحظ ان التربية الإسلامية لا تسمح للعقد النفسية أن تنمو في المناخ الملائم حيث يهيئ الإسلام مناخات مضادة للعقد النفسية فيحلها دون أن ينميها لكيلا تتحول إلى حالة مرضية عسيرة كمرض الحسد والحقد والتكبر والغيبة والخوف وحب السيطرة والانتقام والغرور وبقية الأمراض النفسية.
هذا السر التربوي يسحب الصواعق النارية من بارود النفس ويمسك صمام الأمان لإيجاد حالة التوازن في النفس والمجتمع دون أن تنمو الحالة السلبية في داخل الإنسان وليمتنع بدوره عن الظلم الاجتماعي وفي حالة الكوارث الطبيعية يفسرها التفسير الهادئ المقبول بدلاً من التفسير السلبي المريض الذي يدفع أعراض المرض النفسي بالظهور.
ومن روائع المعجزة الخالدة من الناحية التربوية أننا نلاحظ هذا المنهج الفريد قد أحاط الإنسان من كل جانب فهو يهتم بالإنسان قبل انعقاد نطفته فيقول (صلى الله عليه وآله) : (تخيروا لنطفكم فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن).
وفي حديث آخر: (إياكم وخضراء الدمن) قيل يا رسول الله وما خضراء الدمن قال: (المرأة الحسناء في منبت السوء) (22).
ويعتني بالجنين منذ انعقاده نطفة وإلى أن يخرج من رحم أمه طفلاً ومنذ الوهلة الأولى يضع القرآن الكريم والإسلام بشكل عام أسساً تربوية له وكلما كبر الإنسان تنمو معه هذه الأسس التربوية كي تحيط حياته تماما في بلوغه وشبابه ونضوجه وحتى يهرم ويموت ويدفن تلاحقه التعاليم الدينية وهو على صخرة المغتسل حيث الغسل والصلاة والدفن وبعد الدفن أيضا هنالك مراسيم تقام مباشرةً وهنالك مراسيم وخيرات طويلة الأمد وكما هذا الاهتمام التربوي للفرد يكون للمجتمع كذلك فلذلك يقول القرآن الحكيم:
(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) . [سورة الأنفال: الآية 24].
فدعوة الرسول هي دعوة إلى الأحياء وإلى عمارة القلوب والحياة ومرة أخرى يحيط القرآن الكريم بالإنسان نفسياً ودنيوياً وفي الآخرة كذلك فيضع له القوانين الشرعية لضمان سعادته فهو من ناحية يخلق في داخل الإنسان رقابة ذاتية على سلوكياته وتصرفاته حيث يؤمن الإنسان في ظل الشريعة الإسلامية إن التبريرات مهما بلغت من قدرتها الكبيرة في الإقناع فإنها لا تقنع بما يحيط بالإنسان إحاطةً تامة ويعرف أسرار الأمور.
(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) . [سورة غافر: الآية 19].
و (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) . [سورة ق: الآية 18].
فالتبريرات قد تنجح في إقناع الناس أو الحكام ويمكن أن تنطلي عليهم الحقائق ولكن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية حتى أن في يوم القيامة يتعجب الإنسان من كتابه الذي يعتبر سجلاً لأعماله فيسلم إليه يقول القرآن لسان حال الإنسان هذا:
(ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) . [سورة الكهف: الآية 49].
من تصرفات وأقوال وأعمال كلها مسجلة في كتابه.
فالتربية القرآنية تخلق في الإنسان (بوليسياً داخلياً كما يقول الأوربيون حينما يقيمون النجاح الإسلامي في التربية. ومن ثم نلحظ أن الإسلام يدفع بالمسلمين لإنشاء الأخوة الإنسانية وعلى أوسع دوائرها ضمن قوانين عادلة تحكم السلوك والعلاقات والإخوة الإسلامية ويدفع الإسلام إلى التغاضي والتجاوز عن كثير من الأمور التي تسبب تعكير الصفو الاجتماعي يقول الإمام علي (عليه السلام) في رسالته لوالي مصر: (لا تكن عليهم سبعاً ضارياً فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).
وجاء في القرآن الحكيم: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) . [سورة الحجرات: الآية 13].
ومن ناحية أخرى يأتي القرآن الكريم بالأسس الأخلاقية لكي لا يتيه الإنسان في بحر الغرور والعجب بماله وجماله أو منزلته الاجتماعية بل يذكره دائماً بالموت والفناء.
(كل نفس ذائقة الموت) . [سورة آل عمران: الآية: 185].
(أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) . [سورة النساء: الآية 78].
ويقول النبي (صلى الله عليه وآله) : (أكثروا من ذكر هادم اللذات) فقيل يا رسول الله فما هادم اللذات قال: (الموت، فإن أكيس المؤمنين أكثرهم ذكراً للموت وأشدهم له استعداداً) (23) .
وإن الدنيا عاقبتها الزوال والقرآن يدفع بالإنسان نحو أعمال الخير والصدقات والسلوك المعتدل رهبة ورغبة. . وهكذا في داخل الأسرة والمجتمع والعلاقة بين الأبوين والزوجين والعمل الخارجي مع الناس: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) . [سورة آل عمران: الآية 110].
والإمام الباقر (عليه السلام) يقول: (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض) (24).
وقانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمان لاستقامة التربية الاجتماعية وإيجاد جهاز المراقبة الاجتماعية الهادفة لنشر الخير والصلاح وللعلم إن حديث المعجزة التربوية والنفسية حديث شيق وما أوردناه يلائم هذه الرسالة والحق أن في المسألة كلام كثير وتفصيلات أكثر.
وأكتفي بنقل هذه الرواية في تفسير العياشي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (أتاني جبرائيل فقال يا محمد ستكون في أمتك فتنة قلت: فما المخرج منها؟ فقال: كتاب الله فيه بيان ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله ومن التمس الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم لا تزيغه الأهوية ولا تلبسه الألسنة ولا يخلق على التردد ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء هو الذي لم تلبث الجن إذا سمعته أن قالوا: (إنا سمعنا قرأنا عجباً يهدي إلى الرشد) (25) .
وبالمناسبة أنقل نصاً لبرناردشو (المفكر المعروف) : إذا أراد العالم النجاة من شروره فعليه بهذا الدين (الدين الإسلامي) إنه دين التعاون والسلام والعدالة في ظل شريعة متمدّنة محكمة لم تنس أمراً من أمور الدنيا إلا سمته ووزنته بميزان لا يخطئ أبداً وقد ألفت كتاباً في محمد ولكنه صودر لخروجه عن تقاليد الإنكليز (26).
5- معجزة القرآن التشريعية:
إن القرآن الكريم وافق الفطرة الإنسانية فغطى كل ما تحتاجه من طلبات روحية وجسمية وتربوية وتشريعية وهنا تبرز المعجزة التشريعية للقرآن الكريم وتبقى هذه المعجزة كسائرها من مظاهر المعجزة القرآنية معلماً شاخصاً يتحدى الزمن بكل ما أوتي من قوة وتطور علمي.
فإذا تأملت في الفقه الإسلامي الذي شرع قبل أربعة عشر قرناً ضمن حياة تسودها أعراف البادية الجافة وهو يتمتع بروح مدنية عالية لعرفت عظمة الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم حيث الطرح القانوني المتكامل للحياة المتحضرة فقد انحنى أمام القوة التشريعية في القرآن أكابر المقننين وعظماء القانون والسياسة إجلالاً واعترافاً فقد بين القرآن أحكام العقوبات وآداب الحكم وحقوق المحكوم وواجبات القاضي والحاكم وكيف يستدل الحاكم على البينة في القضاء حيث الشهادة من العدول على المدعي واليمين على من أنكر، وبين دقة آداب المعاملات من بيع وشراء وإيجار وعارية وسائر العقود، ونظم حياة الأسرة في النكاح والإرث وحقوق الزوج والزوجة وواجباتهما ووضح أحكام الجهاد والدفاع والمعاهدات والاتفاقيات وهكذا وبالرغم من أن البعض من أساتذة القانون كان يشكل على قانون العقوبات في الإسلام ويدعي بأنه تعسفي في بعض الأحيان كقوله تعالى:
(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا. . ) . [سورة المائدة: الآية 38].
و (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. . ) . [سورة النور: الآية 2].
والمرأة في الإسلام يعتبرها هذا البعض! أنها مظلومة في قوله تعالى: (وللذكر مثل حظ الانثيين) وفي التشريع الإسلامي الطلاق بيد الرجل حيث ورد عندنا (الطلاق بيد من أخذ بالساق) ومن هذه الأمثلة.
ولكن بعد الدراسة العلمية والميدانية المستفيضة تبين أن هذه الإشكالات ناتجة عن عدم فهم حالة الرجل أو المرأة نفسياً واجتماعياً ولا بد من هذه العقوبات الرادعة لمن يتجاوز الحدود فالسارق لا يرتدع إلا بقطع يده وبذلك يرتدع الناس من ارتكاب هذه الجريمة ويبقى السارق حاملاً عاره علناً.
وأوضح مثال في تأريخنا بالعصر الإسلامي الطويل حيث لم تقع مثل هذه الجريمة إلاّ مرتين كما هو المشهور وقد اختلف الفقهاء في زمن المعتصم حينما ثبتت السرقة على رجلٍ من المسلمين وكان اختلافهم في مقدار القطع أي من أين تقطع يد السارق؟ فقال أحدهم تقطع من الكرسوع وهو طرف الزند الثاني مما يلي الخنصر وقال آخرون من المرفق ولم يقتنع المعتصم بأدلتهم وطلب الإمام التاسع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وهو الإمام محمد الجواد (عليه السلام) أن يعطي القول الفصل فقال: (فإن القطع يجب أن يكون عن مفصل أصول الأصابع فيترك الكف) وعندما سئل عن السبب أجاب قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها قال تعالى: (وإن المساجد لله) (27).
ونتيجة اختلاف الفقهاء من عدم تطبيق هذا القانون الرادع لعدم وقوع السرقة والإنسان حينما يعرف مصيره في هكذا عقوبة من الصعوبة أن يقرر ارتكاب هذه الجريمة.
وبالمقابل نلاحظ اليوم في مجتمعاتنا وفي كل مكان فما أكثر السرقات والاعتداءات المتكررة لماذا؟ لان السارق لا يخاف من القانون الذي يسجنه فترة زمنية بسيطة ليخرج بعدها طبيعياً بينما الشريعة الإسلامية تجعله يتذوق مرارة الفعلة الشنيعة وتبقى العلامة في جسمه وصمة عار حتى الموت بل ربما تنتقل هذه الوصمة السوداء إلى أبنائه وأحفاده.
أما بالنسبة للمرأة فلها مكانة في القانون الإسلامي وكرامة وحقوق على كل من يحتويها أبا كان أو زوجاً. . فينفق عليها من الجهات المشروعة وما تحصل عليه الإرث مثلاً فهو لها بالخصوص ومسألة الطلاق بيد الرجل هذا القرار يناسب حالتها العاطفية التي سرعان ما تغضب أو ترضى فهي ريحانة لا قهرمانة كما يصفها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فهذه الصياغة العاطفية الرقيقة للمرأة من غير الصالح أن تسلم قرارات مصيرية كبيرة كالطلاق ويمكنها من جهة ثانية أن ترضي زوجها ببذل مهرها أو غيره في الحالات الشاذة فيكون الطلاق خلعياً من قبل الزوجة. .
ونقل لنا دكتور في القانون في محاضرته إن المحاكم القانونية في باريس قبل سنين منحت للزوجة حق الطلاق كما للزوج تطبيقاً لشعار المساواة بين الرجل والمرأة في كل الميادين وإن هذا القانون سرعان ما رفع من المحاكم وحدد لكثرة المرافعات من قبل الزوجات تطبيقا لهذه الصلاحية المناطة لهن ونقل لنا الأستاذ بأن كثيراً من الأسباب الدافعة للمرأة كي تطلق زوجها كانت أسباباً تافهة وأدنى من التافهة وذكر أن إحدى النساء ذكرت سبب طلاقها لزوجها لأنه خالفها في الرأي في حلاقة رأسه أو لبس ملابسه باللون غير المناسب للون السيارة أو لعدم قبوله الخروج معها للسينما في ليلة معينة وما شابه ذلك.
المهم إن الذي يدرك النفس وحالاتها وأسرارها سيصل في يوم ما إلى أن التشريع القرآني هو الأنسب والأجدر بالتطبيق للمصلحة الإنسانية العامة فالقرآن الكريم حكم بالعدل والمساواة أمام القانون وحرم الزنا والاعتداء وعاقب على الفواحش: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق... ) . [سورة الأعراف: الآية 33].
وشرع الجهاد والدفاع: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) . [سورة التوبة: الآية 41].
و (فقاتلوا أئمة الكفر إنّهم لا أيمان لهم) . [سورة التوبة: الآية: 12].
والحقيقة إن المعجزة التشريعية لهي التي يفهمها العالم المتحضر اليوم لأن العالم لا يفهم التحدي البلاغي والغيبي بقدر ما يفهم القوانين والدساتير التشريعية فهي انعكاس للحياة الواعية وبذلك يثبت إعجاز القرآن الحكيم بأنه مرسل من الحي القادر وليس من صنع البشر إطلاقاً لأنه يتوج الصياغة النفسية لدى البشر ويطابق الفطرة الإنسانية ويحيط برحمته كل شيء ولا يترك حاجة إلا وسن لها قانوناً صالحاً يماشيها مع الزمن أو زود قانونها بمطاطية خاصة يستطيع القانون أن يتماشى مع جميع الظروف والأحوال بحيث لا يخرج من الإطار التشريعي فنرى الدساتير الإسلامية صالحة لكل الوقائع صغيرة وكبيرة وفي أدق التفصيلات يقف القانون الإسلامي إلى جانبه. قال (سانيلانا) : (إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين تشريعهم المدني إن لم نقل إن فيه ما يكفي للإنسانية كلها) .
وقد أصدر مؤتمر لاهاي للقانون الدولي القرار التالي:
(إن الشريعة الإسلامية حية مرنة تصلح للتطور مع الزمن وإن اللغة العربية قد دخلت من الآن فصاعداً في عداد اللغات التي يجب أن تسمع في المؤتمر) .
وقال الأستاذ (شيرل) عميد كلية الحقوق بجامعة فينا: (إن البشرية لتفخر بانتساب رجل كبير كمحمد إليها إذ أنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوروبيون أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي عام).
وقال الأستاذ أدمونت بورك: (القانون المحمدي قانون ضابط للجميع نسج بأحكم نظام حقوقي وأعظم نظام علمي وأسمى تشريع منور لم يسبق قط للعالم إيجاد مثله) (28) .
6- هل للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) معاجز غير القرآن الكريم:
بالتأكيد هنالك معاجز أخرى للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولكن المعجزة الخالدة والحية التي حيرت العقول ـ القرآن الكريم ـ أما المعاجز الأخرى فيمكن أن نذكر بعضها بشكل عاجل. .
ـ مجيء الشجرة إليه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة القاصعة: (وكنت معه ـ مع النبي ـ لما أتاه الملأ من قريش فقالوا له: يا محمد إنك قد أدعيت عظيماً لم يدعه آباوك ولا أحد من أهل بيتك ونحن نسألك أمراً إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا إنك نبي ورسول وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب فقال (صلى الله عليه وآله) لهم: وما تسألون قالوا: تدعوا لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف ما بين يديك فقال (صلى الله عليه وآله) : (إن الله على كل شيء قدير فإن فعل الله ذلك لكم أتأمنون وتشهدون بالحق؟) قالوا نعم قال: فإني سأريكم ما تطلبون وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير... ثم قال (صلى الله عليه وآله) : (يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله) فو الذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله مرفوفة. . فقلت أنا: لا إله إلاّ الله إني أول مؤمن بك يا رسول الله وأول من أقر بأن الشجرة فعلت بأمر الله تعالى تصديقاً لنبوتك فقال القوم كلهم بل ساحر كذاب عجيب السحر خفيف فيه وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا يعنونني) (29) .
ـ وإنه (صلى الله عليه وآله) أطعم النفر الكثير في منزل جابر الأنصاري وفي منزل أبي طلحة ويوم الخندق بزاد قليل فمرة أطعم ثمانين رجلاً من أربعة أمداد شعير أما في يوم الخندق أكثر من سبعمائة رجل أكلوا من زاد جابر الأنصاري ببركة النبي (صلى الله عليه وآله) وكتب الحديث مليئة بالتفصيلات في مسألة الإطعام.
ـ وقد أشفى الله المرضى على يديه والأمراض هذه مختلفة وأبرز مثل في تأريخنا الإسلامي ما ورد في يوم خيبر حيث كان الإمام علي (عليه السلام) أرمد العين فتفل (صلى الله عليه وآله) في عينيه ودعا له وقال: (اللهم أذهب عنه الحر والبرد) فما وجد حراً ولا برداً وكان يخرج في الشتاء في قميص واحدٍ كما في الروايات.
ـ وهذه الظاهرة العظيمة لا زالت ترافق الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لمن يلوذ به طالباً حاجة بقلب صادق ومصلحة يعلمها الله سبحانه تقضى تلك الحاجة سواء كانت طبية أو نفسية وبالفعل أصبحت أضرحة النبي وآل بيته من الأئمة الأطهار مستشفيات خاصة للظروف الطارئة وغالباً تستعمل حين ييأس الأطباء من مداواتهم والأمثلة على هذه القضية لا تعد ولا تحصى.
ـ ومن هذه المعاجز ـ عدا القرآن الكريم ـ قد حفلت كتب الروايات كبحار الأنوار والكتب التاريخية والروائية الأخرى. وهنالك سجلات بهذه المعاجز في صدور الناس المؤمنين تحتفظ بقصص الكرامات والمعاجز المعاصرة ولا زالت هذه المعاجز مستمرة وآثارها متناقلة بين الناس.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 07:37 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

المصادر

21ـ أصول الكافي للشيخ الكليني ج 2 ص 599.
22ـ ميزان الحكمة، ري شهري ج 4 ص 280-282.
23ـ نفس المصدر، ج9، ص246.
24ـ الكافي للكليني ج 5 ص 55.
25ـ عقائد الإمامية الاثنى عشرية للسيد الزنجاني ص 54.
26ـ أصول العقيدة للسيد مهدي الصدر ص 304 نقلاً عن كتاب محمد عند علماء الغرب للشيخ خليل العاملي.
27ـ نقلاً عن تفسير نور الثقلين ج 5 ص 439.
28 -أصول العقيدة للسيد مهدي الصدر ص 268،269 نقلاً عن روح الدين الإسلامي لعفيف طباره ص 239 والإسلام والشيوعية لعبد المنعم النمر وقالوا في الإسلام ص 55 وص 235 للشيخ الظالمي - المصادر على التوالي -.
29ـ نقلاً عن الصدر، أصول العقيدة ص 122.






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 07:45 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

قبس من القرآن
في صفات الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله)

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الفصل الأول

الرسالة والنبوة
الفرق بين الرسول والنبي


قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ) وصف الله سبحانه نبينا محمداً(صلى الله عليه و آله) في هذه الآية بكونه رسولاً وكونه نبياً، وإليك الفرق بينهما لغة واصطلاحاً وحديثاً:

في اللغة:
(النبي) إما مأخوذ من مادة النبأ، بمعنى الخبر المهم العظيم الشأن، ولكن أكثر العرب لا تهمزه، كما أن الثابت في القرآن غير مهموز، وأما بمعنى الارتفاع وعلو الشأن.
و(الرسول) الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذاً من قول العرب (جاءت الإبل رسلاً) أي متتابعة، وسمي الرسول رسولاً لأنه ذو رسول، أي ذو رسالة.

في الاصطلاح:
النبي هو إنسان أوحى الله تعالى إليه وأنبأه بما لم يكن يعلم من خبر أو حكم، فيكون عالماً به بواسطة الوحي إليه علماً ضرورياً أنه من الله عز وجل فيخبر به عن الله بغير واسطة أحد من البشر.
والرسول نبيٌّ أمره الله تعالى بتبليغ شرع ودعوة دين.
يقول بعض المفسرين(1):
النكتة في تقديم الله تعالى كلمة الرسول على كلمة النبي لكون الرسالة أهم وأشرف، وقيل أنهما – أي كلمتي الرسول والنبي – ذكرتا هنا بمعناهما اللغوي، كقوله تعالى في كل من موسى وإسماعيل (وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا) [سورة مريم/52 و55].

في الحديث:
الذي يستفاد من الأخبار الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في الفرق بين الرسول والنبي هو:
إن الرسول من يسمع صوت الملك، ويراه في المنام، ويعاين الملك في اليقظة كما يعاين بعضنا الآخر، ويبشره الملك يوم بعثته عند معاينته بأنه رسول الله إلى عباده أو إلى بعض عباده حسب اقتضاء الحكمة الإلهية.
والنبي يسمع صوت الملك، ويراه في المنام، ولكن لا يعاين الملك في اليقظة. بل يوحي إليه بالعمل من طريق سماع صوت الملك ورؤيته في المنام(2).
وبالمثال يتضح الحال، فنقول:
كان نبينا محمد بن عبد الله(صلى الله عليه و آله) قبل أن يبعث بالرسالة ومنذ ولد ونشأ نبياً يرى الملك في نومه ويسمع صوته في يقظته، ويسلك به طرق الخير كلها كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في خطبته المعروفة بالقاصعة:
(ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به)(3).
وبهذه المناسبة نقول: ربما يسأل عن أن نبينا محمداً(صلى الله عليه و آله) قبل أن يبعث بالرسالة هل كان يتعبد ويعمل بإحدى شرائع الأنبياء السابقين كشريعة إبراهيم أو موسى أو عيسى عليهم السلام أو كان يعمل بشريعته التي سيبعث بها إلى أمته؟
والجواب المختصر على هذا:
إنه(صلى الله عليه و آله) لما كان نبياً منذ أن ولد ونشأ ويوحي الله تعالى إليه على لسان أعظم ملك من ملائكته فهو بالقطع واليقين يعبد الله جل وعلا طبق ما يوحي إليه، سواء ما كان يوحي إليه من الشرائع السابقة أو من صميم شريعته التي بعث بها أخيراً … وهذا هو الأظهر.
قال شيخنا المجلسي في (البحار) بعد أن ذكر أقوال العلماء وآراءهم حول الموضوع(4):
فاعلم أن الذي ظهر لي من الأخبار المعتبرة والآثار المستفيضة هو أنه صلى الله عليه وآله كان قبل بعثته مؤيداً بروح القدس يكلمه الملك ويسمع الصوت ويرى في المنام، ثم بعد أربعين سنة صار رسولاً وكلمه الملك معاينة وأنزل عليه القرآن وأمر بالتبليغ، وكان قبل ذلك يعبد الله بصنوف العبادات، أما موافقاً لما أمر به الناس بعد التبليغ وهو الأظهر، أو على وجه آخر – إلى آخر كلامه.
وعلى كل، كان(صلى الله عليه و آله) أول أمره نبياً يرى في المنام ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، وربما يعاينه ولا يسمع صوته، فلما آن وقت بعثه وكمل له من العمر أربعون سنة جاءه الملك – وهو أمين الوحي جبرائيل – عياناً وبشره بالرسالة من قبل الله عز وجل إلى عباده فصار رسولاً نبياً.
وربما يسأل أيضاً: هل أن كل نبي لا بد وأن يرسل أخيراً ؟
فالجواب: لا، بل ربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد فيكون رسولاً نبياً وقد يبقى النبي على نبوته ولا يرسل.
ويجوز أن يرسله رسول زمانه – الذي هو إمام عليه – إلى قومه ليدعوهم إلى شريعته وأحكامه، كما أن إبراهيم بعث لوطاً إلى قومه بأمر ربه يدعوهم إلى شريعته(5).
ومن هنا اتضح الفرق بين الرسول والنبي، وهو أن كل رسول نبي ولا عكس، أي ليس كل نبي رسولاً، فكأن النبوة عامة والرسالة تخص أفراداً منهم، كما تقول مثلاً: كل حاكم درس الحقوق وليس كل من درس الحقوق حاكماً، لأن كلية الحقوق يتخرج فيها الألوف، ويحمل كل واحد منهم شهادة المحاماة وهو عارف بالقانون ولكن كلهم لا يتخذون حكاماً، إنما ينتخب منهم للحكم أفراد مخصوصون والذين ينتخبون للحكم بعضٌ يكون حاكماً على القطر كله وبعضهم يكون حاكماً على لواء أو قضاء أو ناحية، ولكل منزلته على قدر مواهبه ومعارفه.
فأنبياء الله كلهم عالمون بالقانون الإلهي بما يوحى إليهم، ويقومون بتوجيه العباد إليه تعالى، ويؤيدهم عز وجل بالمعاجز التي يعجز الناس عن الإتيان بمثلها، تصديقاً من الله لدعوتهم. ولكن بعضهم يبقى على وظيفته من النبوة وبعضهم يترقى إلى منزلة الرسالة.

عدد الأنبياء والمرسلين
ومن هنا كان الأنبياء أكثر عدداً من المرسلين منهم، كما يظهر من كثير من الأحاديث:
جاء في حديث أبي ذر مع رسول الله صلى الله عليه وآله أنه سأله: كم النبيون؟ قال(صلى الله عليه و آله): (مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، فقال: كم المرسلون ؟ قال صلى الله عليه وآله: ثلاثمائة وثلاثة عشر) الحديث(6).
وروى الرازي في تفسيره الكبير (مفاتيح الغيب) في تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ)… الآية [الحج/ 53] عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه سئل: كم المرسلون ؟ فقال: (ثلاثمائة وثلاثة عشر، فقيل: وكم الأنبياء ؟ فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً)(7).
وحديث عدد الأنبياء والمرسلين هذا من الأحاديث الشهيرة المروية في كتب الفريقين.
والمرسلون الثلاثمائة والثلاثة عشر لم تكن رسالتهم عامة بأجمعهم بل الأكثر منهم رسالته خاصة إلى طائفة معينة قلوا أم كثروا، كيونس(عليه السلام) الذي قال تعالى فيه: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات/ 148]. قال الإمام الصادق(عليه السلام): يزيدون ثلاثين ألفاً(8).
من ذكرهم القرآن من الأنبياء
والقرآن يصرح في أن الله تعالى لم يقصص فيه لنبيه(صلى الله عليه و آله) جميع رسله، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) [المؤمن/ 79].
والذين قصهم الله تعالى في كتابه بالاسم خمسة وعشرون نبياً وهم: آدم، نوح، إدريس، هود، صالح، إبراهيم، لوط، اليسع، ذو الكفل، أيوب، إلياس، يونس، إسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، موسى، هارون، داود، سليمان، زكريا، يحيى، إسماعيل صادق الوعد (9)، عيسى، محمد صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين. ويذكر بعض العلماء الأدباء أسماء الرسل والأنبياء المذكورين في القرآن بقوله:
الأنبياء والرسل في القرآن***خــمــس وعشرون فخذ بياني
هـم آدم إدريـــس نــوح هود***يــونــس اليــاس يــسع داودُ
ثــــم شــعــيــب صالح أيوب***إســحـــاق ثم يوسف يعقوب
هارون إبراهيم لوط موسى***ذو الكفل يحيى زكريا عيسى

ثــم ســلــيــمـان وإسماعيل***خــاتــمــهــم مـحـمـد الـخـليلُ

وهناك عدة من الأنبياء لم يذكروا بأسمائهم بل بالتوصيف والكناية قال عز وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة/ 247].
وقال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) [البقرة/ 260].
وقال جل وعلا: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) [يس/ 16]. وقال عز وجل: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) [الكهف/ 66]. وقال عز من قائل عطفاً على بعض الأنبياء (وَالأَسْبَاطِ) [البقرة/ 141].
وهناك من لم يتضح كونه نبياً، كفتى موسى في قوله تعالى:(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) [الكهف/61].
ومثل ذي القرنين وعمران أبي مريم ولقمان الحكيم من الذين صرح الله تعالى بأسمائهم، ولكن لم يتضح كونهم من الأنبياء.

أولو العزم سادة الأنبياء والمرسلين
خمسة من المرسلين المذكورين في القرآن الكريم رسالتهم عامة وهم أولو العزم من الرسل، وقد جمع الله تعالى لهم النبوة والرسالة والإمامة المطلقة، وهم سادة النبيين والمرسلين، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم أجمعين.
هؤلاء المرسلون هم أهل الشرايع العامة، وشريعة كل لاحق منهم نسخت شريعة السابق، كما روى شيخنا الصدوق بسنده إلى الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: إنما سمي أولو العزم أولي العزم لأنهم كانوا أصحاب الشرايع والعزائم، وذلك أن كل نبي بعد نوح كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل(عليه السلام) وكل نبي كان في أيام إبراهيم وبعده كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن موسى(عليه السلام) ، وكل نبي كان في زمن موسى أو بعده كان على شريعة موسى ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى أيام عيسى(عليه السلام)، وكل نبي في أيام عيسى وبعده كان على منهاج عيسى وشريعته وتابعاً لكتابه إلى زمن نبينا محمد(صلى الله عليه و آله).
ثم قال الإمام الرضا(عليه السلام): فهؤلاء الخمسة أولو العزم، فهم أفضل الأنبياء والرسل عليهم السلام، وشريعة محمد(صلى الله عليه و آله) لا تنسخ إلى يوم القيامة ولا نبي بعده إلى يوم القيامة. (الحديث)(10).
هذا ويمكن أن يقال – على سبيل التقريب والمثال – إن مثل من سبق نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من الأنبياء المرسلين في شرائعهم كمثل المصابيح، كل مصباح منها وضع في حجرة لا يضيء سواها. أما مثل نبينا في شريعته الخالدة كمثل الشمس الطالعة، فحينما ظهرت شمس الرحمة من البلاد العربية لم يبق هناك من حاجة إلى تلك المصابيح المحدودة المدى، وليس في مقدور أي نور أو مصباح أن يخلف هذه الشمس الطالعة المشرقة (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (11).


مقتضيات الخلود في الشريعة الإسلامية
لما كان الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله) هو خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع، و(حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(12). كان مما اقتضته الحكمة الإلهية أمور ثلاثة:

مرونة الشريعة الإسلامية:
شاء الله تعالى بقدرته التامة وحكمته البالغة أن يجعل هذه الشريعة الخالدة أكمل الشرائع وأتمها وأوسعها وأسمحها، وأن يجعل فيها من المرونة ما يجعلها قابلة للتطبيق في كل عصر ومصر، وصالحة للعمل بها في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
نعم، لا ينكر أن العمل بالشريعة الإسلامية في زماننا هذا أصبح شاقاً على كثير من الناس، بسبب انتشار المبادئ الهدامة، والأحزاب المخربة، والأهواء المضللة، والعصبيات البغيضة، والحكومات المستعمرة الكافرة، التي أشاعت في الملأ الإسلامي كل فسق وفجور، وكل دعارة وشرور.
فلذا أصبح المؤمن اليوم كما وصفه المشرع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لعبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) بقوله(صلى الله عليه و آله): (يا ابن مسعود، يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه مثل القابض على الجمر بكفه، يا ابن مسعود، الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء ...) إلى آخر الوصية.
وهي وصية جليلة ونافعة، (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق/ 38]، ودليل صحتها بعد القرآن الوجدان والعيان.
فما أحرى رواد الحق بمراجعتها وتدبرها(13).


وجود المعجزة الخالدة:
وشاء الله تعالى بقدرته التامة وحكمته البالغة أن يجعل لخاتم أنبيائه ولشريعته الخالدة معجزاً خالداً مع خلود شريعته إلى يوم القيامة ليكون ذلك المعجز حجة الله على جميع العباد، وهو القرآن المـجيد الـذي (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت/ 43].
وسنذكر في بحث الصفة الثالثة في الآية (الأمي) كيف أن القرآن معجز خالد لنبينا وشريعته، وحقيقة إعجازه إن شاء الله تعالى.
قال سماحة آية الله السيد أبو القاسم الخوئي أدام الله ظله(14) في كتابه (البيان في تفسير القرآن) تحت عنوان (القرآن معجزة خالدة) ما يلي(15):
قد عرفت أن طريق التصديق بالنبوة والإيمان بها ينحصر بالمعجز الذي يقيمه النبي شاهداً لدعواه، ولما كانت نبوات الأنبياء السابقين مختصة بأزمانهم وأجيالهم كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الأمد ومحدودة، لأنها شواهد على نبوات محدودة، فكان البعض من أهل تلك الأزمنة يشاهد تلك المعجزات فتقوم عليه الحجة، والبعض الآخر تنقل إليه أخبارها من المشاهدين على وجه التواتر فتقوم عليه الحجة أيضاً.
أما الشريعة الخالدة فيجب أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضاً، لأن المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الأمد لم يشاهدها البعيد، وقد تنقطع أخبارها المتواترة، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة، فإذا كلفه الله بالإيمان بها كان من التكليف بالممتنع، والتكليف بالممتنع مستحيل على الله، فلا بد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزة دائمة مستمرة.
وهكذا أنزل الله القرآن معجزة خالدة ليكون برهاناً على صدق الرسالة الخالدة، وليكون حجة على الخلف كما كان حجة على السلف وقد نتج لنا عما قدمناه أمران:
الأول: تفوق القرآن على المعجزات التي ثبتت للأنبياء السابقين وعلى المعجزات الأخرى التي ثبتت لنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) لكون القرآن باقياً خالداً، وكون إعجازه مستمراً يسمع الأجيال ويحتج على القرون.
الثاني: إن الشرائع السابقة منتهية منقطعة، والدليل على انتهائها هو انتهاء أمد حجتها وبرهانها، لانقطاع زمان المعجزة التي شهدت بصدقها(16).
ثم أن القرآن يختص بخاصة أخرى، وبها يتفوق على جميع المعجزات التي جاء بها الأنبياء السابقون، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر وسوقهم إلى غاية كمالهم – إلى آخر كلامه رحمه الله.

استمرار الخلافة إلى يوم القيامة:
وشاء الله تعالى بقدرته التامة وحكمته البالغة أن يجعل لنبيه خلفاء وأوصياء وأئمة واحداً بعد واحد، قائمين مقامه صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ شريعته الخالدة إلى الأجيال وحفظها من الضياع(17) وأن يجعلهم مثالاً له صلى الله عليه وآله وسلم تماماً في التمسك بها والعمل طبق نهجها، والعلم بجزئيها وكليها، والإحاطة بجميع تفاصيلها وأسرارها وأن لا يخلي الأرض من واحد منهم يكون حجة على أهل زمانه. كما جاء في الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وآله وسلم (في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ألا إن أئمتكم وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون)(18).
هذا أهم ما اقتضته الحكمة الإلهية لبقاء الشريعة الإسلامية وحفظها، وهو وجود الأئمة من أهل بيته صلى الله عليه وآله الموجودين في كل خلف من أمته وأئمتها ووفدها إلى الله تعالى، وهم الأئمة الاثني عشر من أهل بيت نبيه علي والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين(عليهم السلام)، جعلهم الله تعالى خلفاءً في أرضه وحججاً على عباده وحفظة لشريعته:
ما غاب عن أفق الــشريعة كوكب***إلا وجـــــاء بـــــكــــوكـــــب وقــــــاد
إن المهيمن لــيـس يـخــلي أرضــه***مــن حــــجــة مـــتــســـتـــر أو بـــاد
لــولا إمــام الـحـق مـا بـقي الورى***والــجـــســــم لا يــبــقــى بـغـير فـؤاد
كـن كـيـف شـئت فقد أصبت هدايتي***بـــهـداهــــم وبــلــغـــت كــــل مـــراد
ما ضرني إن ضل عن طرق الهدى***غــيـــري إذا كــتـــب الإلـــه رشادي
من صد عن عين الحـياة ومات من***ظمأ فلا سقيت عظام الصادي(19)
وإمام الحق في زماننا الآن هو الحجة المهدي(عج الله فرجه) بن الحسن العسكري(عليه السلام) الغائب المنتظر، وهو موجود في الجماعة الإسلامية وبينها ولكنه لا يعرف بشخصه وعنوانه حتى يأذن الله له بالظهور.
وإمامة هؤلاء الأئمة وخلافتهم عليهم الصلاة والسلام لم تكن دعوى مجردة من الدليل، بل هي ثابتة لهم بالأدلة الإسلامية القاطعة، كتاباً وسنة وعقلاً وإجماعاً، وستقف على بعض تلك الأدلة في كتابنا هذا إن شاء الله، وتراها منتشرة في ألوف الكتب والمؤلفات لسائر المسلمين والحق ينطق منصفاً وعنيدا(20) والحق يعلو ولا يعلى عليه.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 07:49 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الفصل الثاني



الأمة ومعجزته الخالدة


الأمية صفة خاصة لنبينا


وصف الله سبحانه وتعالى رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الآية الكريمة (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمي… ) بكونه أمياً، وهي صفة خاصة به دون غيره من الأنبياء والمرسلين. وهذه هي الصفة الثالثة التي وصفه الله تعالى بها في الآية الكريمة.
أقوال المفسرين في المراد منها
وقد اختلف المفسرون في المراد من قوله تعالى (الأمي): فقيل نسبه الله تعالى إلى مكة، وذلك من قوله تعالى مخاطباً إياه(وَكَذَلِكَ أَوْحيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [سورة الشورى: 8].
وقوله تعـالى(وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) [الانعام/ 93].
و(أم القرى) هي مكة المكرمة كما يقول المفسرون، ودعيت مكة بأم القرى لأنها أول قرية وبقعة من الأرض خلقها الله تعالى، ثم دحاها من تحت الكعبة – أي بسطها على وجه الماء – فخلق منها بقية القرى والأراضي(1)، فلذلك دعيت بأم القرى، ويقال لأهلها (أميون) نسبة لها.
وهذا التفسير مروي أيضاً عن بعض أئمة الهدى(عليهم السلام)(2).

هل كان النبي يقرأ ويكتب ؟
وقيل: (الأمي) هو الذي لا يكتب ولا يقرأ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان كذلك لا يكتب ولا يقرأ وكانت نبوته ورسالته – مع كونه أمياً – من جملة معاجزه العظام.
وبيان ذلك أن تعلم الكتابة والقراءة أمر سهل التناول، فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلم الخط كتابة وقراءة بأدنى سعي، وعدم تعلم الإنسان ذلك – بحسب العادة المطردة – يدل على نقص بين في الفهم والذكاء والعقل والعلم، والحال أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان مع أميته أعظم الناس فهماً وأحدهم ذكاء وأكملهم عقلا وأغزرهم علماً، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين وذلك مستحيل حسب العادة، فلا بد إذن من الجزم والقطع بأن الله عز وجل هو الذي أفاض عليه ما أفاض وأعطاه ما أعطاه من الفهم والذكاء والعقل والعلم ما فاق به جميع العالم من الأولين والآخرين، ليكون ذلك برهانا بينا ومعجزا عظيماً على نبوته ورسالته.
ثم إنه(صلى الله عليه و آله) أتى أمته بالقرآن الكريم من عند الله عز وجل وهو معجزه الخالد، فلو كان يقرأ ويكتب لوجد الجاحدون والمبطلون طريقاً إلى الشك في معجزه هذا ولقالوا: إن هذا القرآن جمعه من كتب الأولين لأنه يكتب ويقرأ ونحن لا نكتب ولا نقرأ.
لأن أكثر العرب بل كلهم إلا قليلا منهم كانوا أميين ولكنه لما ساواهم في المولد والمنشأ وكان أمياً كما كانوا أميين، ثم أتى لهم بما عجزوا عنه وجب أن يعلموا علماً قطعياً أنه من عند الله عز وجل لا من عنده، إذ لم تجر العادة أن ينشأ إنسان بين قوم يشاهدون أحواله من صغره إلى كبره في حضره وسفره لا يتعلم شيئاً من غيره ولا يطالع كتاباً قط ثم يأتي من عنده بكتاب فيه تبيان كل شيء يعجز الكل عنه بل عن بعضه، ويقرأ عليهم قصص الأولين ويخبرهم بأنباء الآتين. هذا ما لا تجري به العادة، فإذن لا بد من أن يكون من عند الله تعالى لا من عنده وقد صرح القرآن الكريم بهذا المعنى، حيث قال عز من قائل مخاطباً رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) [العنكبوت/49].
والآية كما ترى صريحة كل الصراحة على أنه(صلى الله عليه و آله) ما كان يقرأ ولا يكتب أي كتاب قبل إنزال القرآن عليه، وصرحت الآية أيضاً أن العلة في ذلك هي أنه لو كان يقرأ ويكتب قبل بعثته لحصل الريب – أي الشك – عند المبطلين من أهل الكفر والعناد في كون القرآن من عند الله تعالى، وتكون لهم بذلك شبهة.
هذا ما صرحت به الآية الكريمة وأجمعت عليه كلمة المسلمين أجمعين أنه ما كان يكتب ولا يقرأ قبل بعثته، أما بعد بعثته وإنزال القرآن عليه فاختلف المسلمون في أنه هل كان يعرف الكتابة والقراءة بتعليم إلهي أو لا يعرفهما ؟

النبي يعرف الكتابة والقراءة بعلم النبوة
الظاهر أن الذي عليه أكثر أهل السنة أنه صلى الله عليه وآله لا يعرفهما، والذي عليه أكثر المحققين من شيعة أهل البيت أن النبي(صلى الله عليه و آله) كان يعرف القراءة والكتابة بعلم النبوة والرسالة من غير معلم، معجزة له، ولكنه لم يكتب بالفعل وبعضهم يتوقف في ذلك كالسيد المرتضى علم الهدى حيث قال، كما نقل عنه شيخنا الطبرسي(3): (هذه الآية تدل على أن النبي ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة(4) – فأما بعد النبوة فالذي نعتقده في ذلك التجويز لكونه عالماً بالكتابة والقراءة، والتجويز لكونه غير عالم بهما من غير قطع على أحد الأمرين. وظاهر الآية يقتضي أن النفي – أي (ولا تخطه بيمينك) قد تعلق بما قبل النبوة دون ما بعدها – ولان التعليل في الآية– أي: (إذن لارتاب المبطلون) يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة لان المبطلين إنما يرتابون في نبوته(صلى الله عليه و آله) لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة، فأما بعدها فلا تعلق له بالريبة والتهمة، فيجوز أن يكون قد تعلمها من جبريل بعد النبوة …) انتهى.

التحدي بالنبي الأمي
تحدى الله تبارك وتعالى بالنبي الأمي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه، إذ لم يتعلم عند معلم ولم يترب عند مرب ولم يتأدب عند مؤدب سوى الله عز وجل (أدبني ربي فأحسن تأديبي) (5).
تحدى الله تعالى به(صلى الله عليه و آله) الكافرين والمرتابين في رسالته بقوله تعـالى: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [يونس/ 17].
نعم كان(صلى الله عليه و آله) وهو أحدهم في تلك البيئة الأمية لا يتصدى لأخذ العلم من أحد، ولم يأت بشيء من شعر أو نثر نحواً من أربعين سنة وهو ثلثا عمره الشريف، ثم أتى بما أتى به من القرآن بما عجزت عنه فحولهم، وكلت دونه ألسنة بلغائهم، ثم بثه إلى أقطار الأرض فلم يجترئ على معارضته أحد من عالم أو فاضل أو ذي لب وفطنة.
وإليك بيان حقيقة إعجاز القرآن وفاء بالوعد واقتضاء للمقام:

حقيقة إعجاز القرآن والتحدي به
لا ريب في أن القرآن الكريم تحدى بالإعجاز في آيات كثيرة مكية ومدنية، تدل جميعها على أن القرآن معجز خارق للعادة وخارج عن حد القدرة البشرية، فهو من عند الله عز وجل، حيث جعله الله دليلا قاطعاً وبرهاناً واضحاً على صدق نبيه وحجة على دعوته في رسالته.
والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص، ومن أعمها تحدياً قوله تعالى:(قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإنس وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء/89](6).
والآية مكية، وهي ظاهرة في عموم التحدي، لعموم الثقلين من الإنس والجن ولو بإعانة بعضهم لبعض.
ومعنى عموم التحدي أنه لم يكن خاصاً ببلاغة القرآن وجزالة أسلوبه فقط إذ لو كان التحدي بذلك فحسب لما تحدى به سوى العرب العرباء من الجاهليين، ولكن لما رأيناه يتحدى جميع الإنس والجن علمنا أن التحدي هذا في هذه الآية الكريمة لا يختص ببلاغة القرآن وجزالة أسلوبه فقط، بل هو تحد عام في كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن، وفي جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات.
فالقرآن معجز للبليغ ببلاغته ن وللحكيم في حكمته، وللعالم في علمه، وللفيلسوف في فلسفته، وللاجتماعي في اجتماعه، وللمقننين في تقنينهم، وللسياسيين في سياستهم، وللحكام في حكومتهم، وبالتالي هو معجز لكل فرد من أفراد الثقلين الجن والإنس من عامة وخاصة، أو عالم وجاهل، أو رجل وامرأة، أو فاضل ومفضول.
وإنما تحدي القرآن عامة هذه الطبقات لان إفهام الناس لما كانت مختلفة اختلافاً ضرورياً – والكمالات فيهم كذلك – كان التحدي للعموم هو المقتضى، حتى إذا أدرك صاحب الفهم العالي والنظر الصائب حقيقة إعجاز القرآن في جميع الفنون والمعارف يرجع من هو دونه فهماً ونظراً إلى تلك الحقيقة، والفطرة حاكمة بذلك، والغريزة قاضية به، وبذلك يكون القرآن حجة قطعية على الجميع.
أما إذا كان التحدي خاصاً بذوي الافهام وأهل العلم والفضل أو أهل الفصاحة والبلاغة دون غيرهم من سائر الطبقات لكان بذلك مجال للجاهل أن يدعي ويقول: إن القرآن حجة على أولئك الذين وجه التحدي إليهم وخصهم به ولم يكن حجة على غيرهم.

ويجدر بنا الآن أن نتساءل ونقول:
هل يتأتى للقوة البشرية أن تأتي بمعارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في تمام حقيقته ؟
وهل يمكنها أن تأتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والمنزلة ؟
وهل يمكنها أن تشرع أحكاماً تامة فقهية تحصي جميع أعمال البشر، من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجة ؟
وهل يمكن أن يصدر هذا الإحصاء العجيب والإتقان الغريب من رجل أمي لم يترب إلا في بيئة قوم ليس لهم من حظوظ الإنسانية – على مزاياها الكثيرة – إلا أن يرتزقوا بالغارات والغزوات ونهب الأموال، وأن يئدوا البنات(7) ويقتلوا الأولاد خشية الإملاق، ويفتخروا بالأباء وينكحوا الأمهات، ويتباهوا بالفجور، ويعادوا العلم، ويتظاهروا بالجهل، وهم بعد ذلك أذلاء لكل مستذل، وخطفة لكل خاطف، فيوماً لليمن، ويماً للحبشة، ويوماً للروم، ويوماً للفرس، فهذا حال عرب الجاهلية في الحجاز، كما أشارت إلى ذلك الصديقة الزهراء سلام الله عليها في خطبتها الشهيرة (8).
وهل يجترئ عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين، ثم يودعه أخباراً في الغيب فيما مضى ويستقبل من القصص والملاحم والمغيبات المستقلة، ثم لا يختلف شيء منها عن صراط الصدق ؟.
وهل يتمكن إنسان – مهما بلغ من التكامل – أن يتدخل في كل من شؤون العالم الإنساني، ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوماً وقوانين وحكماً ومواعظ وأمثالا وقصصاً وأنباء في كل ما دق وجل، ثم لا يختلف حاله في شيء منها في الكمال والاستقامة فيما يلقي من تلك المعارف الدقيقة، بل يبقى على حال واحد مستقيم؟.

هذا ما لا تجري به القوة البشرية.
فالإنسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما اشتمل عليها القرآن الكريم كلها فوق القوة البشرية، ووراء وسائل الطبيعة المادية.
فهذا ما تحدى به القرآن تحدياً عاماً لكل فرد في كل مكان وزمان(9) وقد مضى على هذا التحدي أربعة عشر قرناً، وقد تقدم العلم وتقاربت البلدان وسهلت وسائل الاجتماع وكثر أعداء الإسلام كما هو المشاهد بالعيان.
فهل استطاعوا حتى الان أن يأتوا بمثل هذا القرآن ؟ …
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا) [الإسراء/ 90].
التحدي بعشر سور من القرآن
بعد أن تحدى القرآن الكريم في سورة الإسراء الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم (لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)… خاطب العرب الذين زعموا أن القرآن افتراء محمد(صلى الله عليه و آله) وجاء به من عنده وادعى أنه من عند الله …
العرب الذين برعوا في البلاغة وامتازوا بالفصاحة، وبلغوا الذروة في فنون الأدب حتى عقدوا النوادي وأقاموا الاسواق للمباراة في الشعر والخطابة، وبلغ من تقديرهم للشعر أن عمدوا لسبع قصائد من خيرة الشعر الجاهلي وكتبوها بماء الذهب في القباطي(10) وعلقت على الكعبة، فكان يقال هذه مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره(11).
هؤلاء النابغون في الفصاحة والأدب، وهؤلاء الذين زعموا أن القرآن مفترى، خاطبهم يومئذ وتحداهم في أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات وأن يدعوا كل من يستطيعون دعوته من دون الله تعالى من أوثانهم التي يزعمون أنها آله تقضي لهم الحاجات والمهمات وغيرها من سائر المخلوقين حتى تتم لهم جميع الأسباب والوسائل، ولا يبقى أحد ممن يطمعون في تأثير إعانته أو يرتجون الانتفاع به في ذلك إلا استعانوا به أن كانوا صادقين.
قال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [هود/ 14-15].
ولا يتوهم فيما قدمنا بأن خطاب الآية للعرب الذين برعوا في فنون الفصاحة والبلاغة والادب، وأن التحدي أيضاً خاص بفصاحة عشر سور وبلاغتها فحسب. بل الحقيقة أن التحدي بالإتيان بما يماثل تماماً عشر سور من القرآن من كبار السور أو من صغارها فيما اختصت به السور من الفصاحة والبلاغة، وما تضمنته أيضاً من المعارف الحقيقية والحجج والبراهين الساطعة والمواعظ الحسنة والأخلاق الكريمة والتشريعات الإلهية، وتجدد المعارف التي لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب، وانتفاء الاختلاف فيها(12) وغير ذلك مما اختصت به السور القرآنية.
وهذا المعنى هو المتبادر إلى الذهن حينما يقال (هذا الشيء مثل هذا) أي هو مساو له في خصائصه ومماثل له في مزاياه، وهو غيره.
هذا، والخطاب وإن كان موجهاً حين النزول إلى العرب ولكنه لا يزال يخاطب كل من يزعم أن القرآن مفترى حتى قيام الساعة(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [هود/ 15].
نعم إن الله تعالى هو وحده القادر على أن ينزله، وعلم الله وحده هو الكفيل بأن يكون على هذا النحو مما اختص به من دلائل العلم الشامل لسنن الكون وأحوال البشر وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم وما يصلح لهم في نفوسهم وفي معاشرهم(لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

التحدي بسورة من القرآن وبحديث مثله:
شاءت حكمة الله لاثبات الحجة على عباده أن يكرر النداء والمصارحة في الاحتجاج، والتحدي لجميع المنكرين والمرتابين، بكون القرآن من عند الله تعالى ومعجزاً لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فكرر التحدي عليهم ولهم مرة بعد أخرى، فتارة يتحداهم في أن يأتوا بمثله، وأخرى يتحداهم أن يأتوا ولو بسورة واحدة مثل سوره مما اختصت به السورة من بيان غرض تام جامع من أغراض الهدى الإلهي، مع الارتباط التام بين أهداف آياتها ومراعاة الفصاحة والبلاغة والسبك في ألفاظها.
فحينئذ لهم أن يختاروا للمعارضة والمماثلة أي سورة شاءوا، حتى ولو كانت أقصر سورة كسورة الكوثر أو الإخلاص أو العصر أو غيرها من سور القرآن، وآونة يتحداهم في أن يأتوا بحديث مثل حديثه. والتحدي بالحديث يعم التحديات الثلاثة السابقة، لان الحديث يعم السورة والعشر سور والقرآن كله، فهو تحد بمطلق الخاصة القرآنية.
هذا وقد جعل الله تعالى لهم إن استطاعوا أن يأتوا بشيء من ذلك أن تسقط عنهم هذه الدعوة، ويستريحوا من ثقلها الباهظ لضلالهم واتباع أهوائهم، كما جعل لهم المهلة والأناة ليعدوا عدتهم في المظاهرة والتعاون وهذا كله من باب المماشاة والمجاراة في الحجة، ولكن أنى لهم أن يأتوا بما هو مستحيل عليهم، قال تعالى:(وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [يونس/ 38-40].
وقال تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) [البقرة/ 24-25].
وقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ(33)فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) [الطور/ 34-35].
وهكذا تكرر التحدي في القرآن الكريم، وتلقاه المنكرون عاجزين ووقفوا تجاهه صاغرين، وهكذا يقف أمامه كل أحد إلى يوم الدين تصديقاً لقوله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).

تفسير آية التحدي:
قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم وأعوانكم عليه وتبين لكم عجزكم وعجز جميع الخلق عنه وعلمتم أنه من عندي فلا تقيموا على التكذيب به.
وقوله تعالى: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) أي ولن تأتوا بسورة مثله أبداً لان (لن) تنفي على التأبيد في المستقبل، فهذا الأخبار عن المستقبل أمر غيبي، وهو معجز خالد لصحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وأن الكتاب الذي جاء به هو من عند الله عز وجل، إذ لم يأتوا حتى الآن بسورة من مثله.
وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي احذروا إذن النار المعدة للكافرين بمحمد(صلى الله عليه و آله) ومعجزه الذي هو القرآن الكريم، لأنكم علمتم أنه من عند الله تعالى، فاتقوا النار إذن لتنجوا بأنفسكم من عذابها.
يقول أمير المؤمنين علي(عليه السلام) وهو الأب الثاني لهذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله والشفيق عليها والحريص كل الحرص على نجاتها، يقول في بعض خطبه:
(عباد الله، الله الله في أعز الانفس عليكم وأحبها إليكم، فإن الله قد أوضح لكم سبيل الحق، وأرانا طرقه، فشقوة لازمة، أو سعادة دائمة)(13).

نصيحة توجيهية موجزة:
فيا أيها الإنسان العاقل الشفيق على نفسه التي هي أعز الأشياء عليه، فكر في مستقبل أمرك لدنياك وآخرتك، ولا تقصر تفكيرك لدنياك الفانية فقط، وأنت تعلم علم اليقين بأنك غير خالد فيها، وقد علمت بإقامة الحجة عليك، وأمامك مسؤولية كبرى بين يدي جبار السماوات والأرض، الخالق المنعم المتفضل.

تعصيه لا أنت في عصيانه وجل*** من العقاب ولا من منه خجل(14)


فما يكون جوابك وعذرك غداً أمام تلك المحكمة الكبرى، وقد أتم الله عليك الحجة وأوضح المحجة ؟ …
فأمن يا أخي بالله وبخاتم الأنبياء وبكتابه وخلفاء أنبيائه من بعده وباليوم الآخر، واثبت على ذلك واطلب من الله تعالى العون، وجاهد نفسك – الأمارة بالسوء – بأن تعمل صالحاً وتتقي الله ما استطعت بإقامة الفرائض الواجبة وترك النواهي المحرمة لتحظى بخير الدنيا والآخرة(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأرض لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأرض وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف/ 97].
لا تبق مصراً على التكذيب والتشكيك، لا تصر على ترك واجب وفعل محرم، لا تستمر مكبا على الذنوب والخطايا ليلا ونهاراً ومصبحاً ممسياً لا تندم ولا تتوب وباب التوبة مفتوح للتائبين (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) [الأعراف/98-101].
قصيدة غراء للسيد الحيدري:
وبودي أن أختم هذه النصيحة باختيار المقطعين الأولين من مقاطع القصيدة العصماء التي ألقاها صديقنا العلامة الأستاذ الشاعر السيد محمد الحيدري معتمد مكتبة أهل البيت العامة في المهرجان العظيم الذي أقامته مدينة كربلاء المقدسة في ذكرى ميلاد سيد الأوصياء علي(عليه السلام) سنة 1380هـ والتي اهتز لها الحفل وقوبلت باستحسان بالغ، وإليك المقطعين:


بـالـديــن تـبـلـغ مجدها الأوطان*** فـاخـتـر ســـبيلك أيـــها الإنسان

لا تـنـحـرف عــن منهج قد سنه*** لك فـي الـسـماء الـخالق الديان
فـكـر فـــإنـك قـــد خلقت مـفـكراً*** وزن الأمــور وعـقـلـك الميزان
وانظر بعقلك كيف كانت هذه الدنيا وقامت هذه الأكوان
وانظر بـعــيـنـك للسماء مفكـراً*** فـبــها العــــقـول تحار والأذهان
فانظر إلى هذي النجوم مضيـئة*** فــكـأنـهــا الـيـاقــوت والمرجان
ثم انحدر للأرض وانظر ما بـها*** فــلــسـوف يـــغمر قلبك الإيمان
فــالله مـا تــرك الـعـبـاد بـحــيرة*** هيــهـات وهـو الـمحسن المنان
بــل إنــه مــلا الـوجـود عــجائباً*** وهـي الـدلـيــل عليه والبرهـان
أ تـراه يـخـلـق ثـم يـتـرك خــلقه*** عبثاً ؟ فأين اللــطف والإحـسان
آيــات ربـك أيـنـمـا وجد الـورى*** ودلائــل الـتـوحــيــد أنـى كـــانوا
لـكـنـمـا الإنـســان دون بـصـيرة*** وعــقــيــدة يحــــلو لها النكران
لـيعيش في هـذي الحياة بعيـشة*** لا يــرتــضــيها العقل والوجدان
أهــدافــه سـحـق البلاد وقصـده*** مـحــق الرشاد وشأنه العصيان
لــم يـرع أنظمة الحياة بـأسرها*** فكــأنــه فــي طــبـعـــه (حيوان)
قــالــوا بـغــيــر تــدبــر وتـفــكر*** مــا تــقــشــعــر لـهــوله الأبدان
(الدين أفيون الشعوب) وليـتهم*** سكتوا ولكن أوضـحــوا وأبانوا
وبـدت لنـا أفـكـارهــم مكشـوفة*** لا يـعــتــريــهـا اللبس والكتمان
اثنان قد راموا القضاء عليهما*** وهـــمــا هـما الأديان والأوطان
وخـصومهم بين الشعوب ثلاثة***(الله) و(الإســلام) و(الــقــــرآن)
وتـجـلت الآراء وانكشف الغطا*** وهوى الضلال وزلزل الـطغيان
ورسـت قــواعـد ديننا وتوطدت*** أركــانــه وعـلا لـه ســـلــطــان
وتـعــززت أنـصــاره وتـــلألأت*** أنــــواره وتــــــركــز الإيـــمـان
نــادى وقد وقف الوجود بأسره*** يصــغـــي لتسمع صوته الأذان
ودعا الأنام إلى السلام فإنه الرمز الرفيع إليه والعنوان
وإلـــى العلـوم فكل شعب رازح*** فــي جهله فمصيره الخسران
وإلى التـطـــور والتحرر والعلا*** فــبــهـا يقوم المجد والعمران
وإلى العدالـة فهي روح نظامه*** وبـهـــا حقوق العالمين تصان
هــذا هـو الإســلام ديــن محمد*** فـعــلام بـيـن الـمسلمين يهان
* * *


نعم … هذا هو الإسلام، دين السلام والأمان، دين العلوم والمعارف، دين التطور والتحرر، دين العدالة التامة التي بها تصان حقوق العالمين أجمعين، وبالتالي فهو دين الحياة القويم الذي أمر بكل خير وحث عليه ونهى عن كل شر وحذر منه.
ولذا كان الدين الخالد الذي بشر به الأنبياء والمرسلون أممهم لتكون متمسكة به على علم وبصيرة وتكون بذلك(خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران/110].
وعلى هذا نرى أن الله تعالى لما وصف نبيه محمداً(صلى الله عليه و آله) بالرسالة والنبوة والأمية التي بها ظهر برهان رسالته وتحقيق إعجاز كتابه، وصفه بعد ذلك بكونه مبشراً به في التوراة والإنجيل وترى التفصيل في الفصل آلاتي.

1- يوم الدحو هو كما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام – هو الخامس والعشرون من شهر ذي القعدة الحرام، وهو من الايام المباركة والمفضلة، ويستحب قيام ليله وصيام نهاره شكراً لله تعالى على ما أنعم فيه على عباده.
روى شيخنا الكليني في الكافي بسنده عن محمد بن عبد الله الصقيل قال: خرج علينا أبو الحسن – يعني الرضا (ع) – بمرو في يوم خمس وعشرين من ذي القعدة فقال: صوموا فإني أصبحت صائماً. قلنا: جعلنا فداك أي يوم هو ؟ قال: يوم نشرت فيه الرحمة ودحيت فيه الأرض ونصبت فيه الكعبة وهبط فيه آدم صلى الله عليه – الحديث، راجع مفتاح الجنات 3/337.
وقد ذكرنا في بعض محاضراتنا الدينية في المجالس الحسينية فضل شهر ذي القعدة وما وقع فيه من الحوادث والذكريات الإسلامية في بحوث قوله تعالى في سورة التوبة/ 37: (عن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم).
2- علل الشرائع ج1 ص125.
3- مجمع البيان 4/287.
4- المقصود: قبل إرساله بالنبوة.
5- حديث نبوي متفق عليه.
6- سورة الإسراء: 89، والظهير هو المعين، مأخوذ من الظهر، كالرئيس من الرأس والضمير في قوله تعالى (بمثله) عائد على القرآن.
7- المؤودة هي البنت المدفونة حية، وقد كان عرب الجاهلية يفعلون ذلك لإيثارهم الذكر على الانثى، بل كانوا يرون وجود البنت عاراً عليهم، كما أخبر جل وعلا موبخاً لهم بقوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالانثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)[سورة النحل/ 59 – 60]، وقد نقم الله عليهم وأدهم للبنات أيضاً بقوله عز وجل: (وَإِذَا الْمَؤُْودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [سورة التكوير/ 10 – 11].
8- وهي التي خطبتها بمسجد أبيها رسول الله (ص) بمحضر من المهاجرين والانصار وغيرهم فقالت:
(وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونزهة الطامع، وقبسة العجلان وموطئ الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القد، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بأبي محمد صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي …)
وأما سبب الخطبة ومصادرها فإليك تفصيلها:
لما منعت فاطمة الزهراء(عليها السلام) فدكاً بعد وفاة أبيها رسول الله(صلى الله عليه و آله) خطبت خطبة طويلة عظيمة جليلة في غاية الفصاحة والبلاغة والمتانة وقوة الحجة، حيث أقامت على إرثها آيات محكمات، هن أم الكتاب حججاً لا ترد ولا تكابر.
قال علي بن عيسى الاربلي في كتابه (كشف الغمة) ج2 / 105: (فإنها من محاسن الخطب وبدائعها، عليها مسحة من نور النبوة، وفيها عبقة من أرج الرسالة).
وقد رواها علماء المسلمين من الشيعة وأهل السنة بطرق عديدة، وإليك بعض مصادرها من طرق أهل السنة:
1- رواها أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور المولود ببغداد سنة 204 والمتوفى سنة 280 في كتابه (بلاغات النساء)، رواها من طرق ثلاثة:
الطريق الاول والثاني: (ص12) عن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام وأنه قال: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه (أي كلام فاطمة) عن آبائهم ويعلمونه أبناءهم وقد حدثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة على هذه الحكاية…ثم قال: وقد حدث به الحسن ابن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله بن الحسن يذكره عن أبيه، ثم ذكر الخطبة على رواية زيد الشهيد عن أبيه عن جده، وعن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط فراجع.
والطريق الثالث: (ص 14) قال: حدثني جعفر بن محمد، رجل من أهل ديار مصر لقيته بالرافقة، قال حدثني أبي، قال: أخبرنا موسى بن عيسى، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: أخبرنا جعفر الاحمر، عن زيد بن علي رحمة الله عليه، عن عمته زينب بنت الحسين، قالت: … (وذكر الخطبة بطولها ثانية إلى ص19، فراجع)، والظاهر أن المراد من زينب بنت الحسين عنى فاطمة الكبرى بنت الحسين، الملقبة بزينب الصغرى، راجع معالي السبطين ص 127.
2- ورواها أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه (السقيفة) بأسانيده من عدة طرق، عن زينب بنت علي بن أبي طالب وعن الامام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر، وعن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط أنهم قالوا جميعاً: لما بلغ فاطمة … الخ.
(راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ج4 / 78 ط.دار الكتب العربية بمصر).
ثم رواها عن محمد بن زكريا، عن محمد بن الضحاك، عن هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم، قال: لما كلمت فاطمة أبا بكر بما كلمته به، وذكر جواب أبي بكر لها … ورواها عن عمر بن شيبة المتوفى سنة 202 عن رجاله: (كشف الغمة ج2 / 106).
3- ونقلها ابن أبي الحديد في شرح النهج عن مصادر عديدة، ومنها المصادر السابقة الموثوقة عنده حتى أنه قال ما نصه:
الفصل الاول: فيما ورد من الاخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم، لا من كتب الشيعة ورجالهم، لاننا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك. وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في (السقيفة). ثم قال: وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الادب، ثقة، ورع، أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته … الخ، ثم روى الخطبة عنه بالمصادر السابقة.
4- ورواها سيدنا المرتضى علم الهدى في كتابه (الشافي) الذي هو رد على (المغني) لقاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي من طرق أهل السنة حيث قال: فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بالتشيع ولا عصبية فيه من كلامها في تلك الحال، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة، ما يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها … (ثم ساق الخطبة) فقال:
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، قال: حدثني محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي قال: حدثني الزيادي، قال: حدثنا الشرقي بن القطامي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: (لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فدكاً لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة من حفدتها …).
(قال المرتضى: وأخبرنا المرزباني، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد المكي، قال: حدثنا أبو العيناء بن القاسم اليماني، قال: حدثنا بن عائشة، قال: لما قبض رسول الله(صلى الله عليه و آله) أقبلت فاطمة إلى أبي بكر في لمة من حفدتها …).
ثم اجتمعت الروايتان من هاهنا، ثم ذكر الخطبة، وقال بعد ذكرها: وقد روي هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة ووجوه كثيرة، فمن أرادها أخذها من مواضعها.
(شرح النهج ج4 / 93).
5- ورواها موفق بن أحمد، أخطب خوارزم، الحنفي المتوفى سنة 568 في كتابه (مقتل الحسين) ص77 بسنده عن عروة عن عائشة.
6- ورواها سبط بن الجوزي الحنفي في كتابه (تذكرة الخواص) ص327 قال: قال الشعبي: لما منعت فاطمة ميراثها، لاثت خمارها … الخ.
7- وأشار إليها الزمخشري الحنفي في كتابه (الفائق) ج2 / 231 في باب اللام مع الميم، قال: (وفي حديث فاطمة رضي الله تعالى عنها أنها خرجت في لمة من نسائها تتوطأ ذيلها حتى دخلت على أبي بكر …).
7- وأشار إليها أيضاً ابن الاثير الجزري في كتابه (النهاية) ج4 / 72 في باب اللام مع الميم.
8- وأشار إليها عبد الرحمن بن عيسى الشافعي المتوفى سنة 320هـ في كتابه (الالفاظ الكتابية) وقد استشهد في طي كتابه هذا ببعض كلمات الزهراء في خطبتها التي ألقتها على أبي بكر، وعلى الصحابة في عدة مناسبات، ومن جملتها ما في ص65 قال: (وقالت فاطمة رضي الله عنها للانصار ! أنتم حضنة الإسلام واعضاد الملة …).
اقرأ الخطبة كاملة على رواية عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط عن آبائه في كتاب (الاحتجاج) لشيخنا الطبرسي ج1 / 131 – 146 لتعرف ما كان يومئذ بينها وبين القوم.
9- الميزان في تفسير القرآن 1/57 (بتصرف).
10- القباطي: الثياب القبطية، كان يكتب عليها أيام الجاهلية، تنسب إلى بلاد القبط، ومنها ماريا القبطية أم المؤمنين.
11- العمدة لابن رشيق 1/78 – نقلناه عن البيان في تفسير القرآن ص25.
12- قال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا). [النساء/ 83].
13- نهج البلاغة.
14- البيت من قصيدة حكمية لشاعر أهل البيت الشيخ حسن الدمستاني، توجد في الدر النضيد ص174.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 07:58 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الفصل الثالث

الرسول الأعظم وبشائر الأنبياء به
اسم النبي في التوراة والإنجيل:


قال تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) هذه الآية تدل على أن اسم النبي(صلى الله عليه و آله) وصفته والبشارة بنبوته ورسالته من الله عز وجل مكتوبة في توراة موسى وإنجيل عيسى(عليهما السلام)، وأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يجدون ذلك فيما عندهم من التوراة والإنجيل.
وهذا من أعظم الدلائل على ثبوت نبوة الرسول الأعظم وأحقية رسالته، لأنه لو لم يكن مكتوباً باسمه وصفته في الكتابين المذكورين لكان ذكر هذا الكلام من المنفرات لليهود والنصارى عنه وعن تصديق ما جاء به، وحاشا لله أن ينفر الناس عن نبيه وتصديقه، فإذن لا بد وأن يكون مكتوباً ذلك في الكتابين التوراة والإنجيل بصورة بينة جلية تتم بها إقامة الحجة عليهم.
ومن هنا جاءت البشارات به(صلى الله عليه و آله) متواترة من الرسل والأنبياء والأوصياء والأحبار والرهبان والحكماء والعلماء من زمن موسى إلى أن ولد(صلى الله عليه و آله) وبعد مولده الشريف(1).
يروي شيخنا الكليني في (الكافي)(2) عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنه قال: لما أنزلت التوراة على موسى بشر بمحمد(صلى الله عليه و آله) … ثم نزل الأنبياء تبشر به حتى بعث الله المسيح عيسى بن مريم، فبشر بمحمد(صلى الله عليه و آله)، وذلك قوله تعالى (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ) أي أن اليهود والنصارى يجدونه مكتوباً عندهم باسمه وصفته في التوراة والإنجيل، وهو قوله تعالى يخبر عن عيسى(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف/ 7] انتهى.
ولنأخذ دروساً مما تفيده هذه الآية الكريمة من سورة الصف أنبأنا الله تعالى بها من أن عيسى أخبر بني إسرائيل مؤكداً لهم أنه رسول إليهم. ولم يقل أنه الله ولا أنه ابن الله ولا أنه ثالث ثلاثة(3) – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – بل إنه يوحد الله وأنه رسول منه إليهم.
هذا أولاً، وثانياً إنه مصدق لما بين يديه من التوراة، أي أنه يصدق بنبوة موسى ورسالته السابقة عليه وإنزال الكتاب المقدس إليه من الله عز وجل، وهو التوراة.
وثالثاً: إنه مبشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وهو نبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، كما صح عنه أنه قال: إن لي أسماء أنا أحمد وأنا محمد، وأنا الماحي يمحو الله فيَّ الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي(4).
فأحمد من أسمائه المباركة، وسمي به لأنه أكثر حمداً لله تعالى من غيره، ويحمد أيضاً لما فيه من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمد غيره(5).
قال الشاعر:
صلى الإله ومن يحف بعرشه*** والطيبون على المبارك أحمدا
هذا، ويمكننا أن نتصور من مفاد هذه الآية الكريمة أن الأنبياء والمرسلين كحلقات مترابطة يسلم بعضهم إلى بعض ويؤيد بعضهم بعضاً يصدق اللاحق منهم بالسابق ويبشر السابق منهم باللاحق، فهم حلقات متماسكة في حقيقتها واحدة في اتجاهها ممتدة من السماء إلى الأرض حلقة بعد حلقة في السلسلة الطويلة.
وهذه هي الصورة اللائقة بحكمة الله عز وجل ومنهجه في عباده في أن لا يخلي الأرض من عامل فيها بخير يكون حجة على أهلها ودليلاً لهم، وهو منهج واحد في أصله ولكنه متعدد في صوره وفق استعداد البشرية وحاجاتها وطاقاتها، حتى تبلغ مرحلة الرشد العقلي والشعوري وحتى تجيء الحلقة الأخيرة في الصورة الأخيرة كاملة شاملة تخاطب العقل الراشد على ضوء تلك التجارب السابقة.
ولكن البشرية غالباً دأبها التكذيب والعصيان لرسل الله وأنبيائه وحججه الهداة، اتباعاً منها للهوى واستكباراً على الحق، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة/ 89 – 91].
نعم لما جاءهم ما عرفوا من رسالة نبينا المبشر بها لديهم كفروا به ولم يصدقه إلا قليل منهم.
هذا مع أن البشارة بنبينا(صلى الله عليه و آله) لم ينفرد بتبليغها عيسى(عليه السلام) فحسب، بل صدع بها الأنبياء والمرسلون الذين سبقوا عيسى بأجيال، وأثبتت بكتب الوحي المنزلة من قبله بقرون، كما علمنا هذا من الآية المبحوث عنها(الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ)، كما نعلم ذلك أيضاً من الآية السابقة (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)(6).
وعلى كل فتكذيب اليهود والنصارى نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكذيب لموسى ومن جاء بعده من الأنبياء والمرسلين، وتصديقه تصديق لهم عليهم السلام.
هذا وقد صدق به صلى الله عليه وآله وآمن برسالته كثير من علماء اليهود والنصارى ورؤسائهم قبل بعثته وبعدها، لما وجدوا وقرءوا من صفاته المثبتة في التوراة والإنجيل، كما ينقل لنا التاريخ ذلك، والروايات مستفيضة به من طرق علماء المسلمين بل وغيرهم أيضاً.
ونكتفي هنا بذكر رواية واحدة – من روايات كثيرة – وردت عن أهل البيت عليهم السلام، يرويها شيخنا الصدوق بسنده عن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام(7) ورواها الحاكم البيهقي في الدلائل، ونقلها عنهما السيوطي في الدر المنثور 3/ 132، عن علي(عليه السلام) أيضاً أنه قال: إن يهودياً كان له على سول الله(صلى الله عليه و آله) دنانير، فتقاضاه فقال له: يا يهودي ما عندي ما اعطيك قال: فإني لا افارقك يا محمد حتى تقضيني، فقال: إذاً أجلس معك فجلس معه حتى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، وكان أصحاب رسول الله يتهددونه ويتوعدونه، فنظر رسول الله(صلى الله عليه و آله) إليهم فقال: ما الذي تصنعون به؟ فقالوا: يا رسول الله يهودي يحبسك. فقال: لم يبعثني ربي عز وجل بأن أظلم معاهداً ولا غيره. فلما علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة، فأني قرأت نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب(8) ولا متزين (مترين) بالفحش ولا قول الخنا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وهذا مالي فأحكم فيه بما أنزل الله. وكان اليهودي كثير مال – إلى أخر الخبر.

بشائر النبي(صلى الله عليه و آله) بخلفائه الإثني عشر من أهل بيته(عليهم السلام)
وحيث إن الأنبياء والمرسلين وجميع حجج الله على العالمين – كما مر علينا – هم كحلقات مترابطة في السلسلة الطويلة الممتدة من السماء إلى الأرض ما دامت الأرض باقية، يبشر السابق منهم باللاحق ويصدق اللاحق منهم بالسابق. وقد شاء الله تعالى أن يكون نبينا محمد صلى الله عليه وآله هو خاتم النبيين، ولا نبي بعده كما أخبر أمته بذلك كتاباً وسنة(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب/ 41].
وقوله(صلى الله عليه و آله) فيما تواتر عنه: "علي مني بمنزلة هارون من موسى لا أنه لا نبي بعدي"(9).
وقوله(صلى الله عليه و آله): "وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي".
ولكنه(صلى الله عليه و آله) عملاً بسنة الله في خلقه ومنهجه الحكيم في عباده من أن لا يخلي الأرض من عامل عليها بخير، ودليل إلى سبيل نجاة، (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (10)، لذا بشر(صلى الله عليه و آله) الأمة الإسلامية بخلفائه من بعده الأئمة الهداة الاثني عشر من أهل بيته، فذكرهم بأسمائهم وألقابهم وخصائصهم(11) ومميزاتهم، ونص على خلافتهم، وأعلن فضلهم الذي فاقوا به غيرهم وأن لا تخلو الأرض من أحدهم حتى تقوم الساعة(12).
ذكر(صلى الله عليه و آله) تلك البشارة الكبرى للأمة تدريجاً حسب اقتضاء الحكمة في التبليغ، من مبدأ أمره إلى منتهى عمره، تلويحاً وتصريحاً مرة بعد أخرى. في المجتمعات الخاصة والعامة، لتتم بذلك الحجة على الجميع. كما أوجب على الجميع أطاعتهم واتباعهم والاقتداء بهديهم.
هذا ما اعتقدناه جازمين، وصدقنا به مؤمنين، بالأدلة القطعية ونحيا ونموت ونبعث عليه أن شاء الله تعالى.
وقد سّرنا ذلك وأحببناه وأردناه أخذاً بقوله(صلى الله عليه و آله) واستجابة لدعوته التي أمر الله سبحانه بها عباده المؤمنين(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(13).
قال(صلى الله عليه و آله): "من سره إن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال علياً من بعدي وليوال وليه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فأنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي(14).
وقال(صلى الله عليه و آله): »من أحب أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنة التي وعدني ربي وهي جنة الخلد، فليتول علياً وذريته من بعده، فأنهم لن يخرجوكم باب هدىً ولن يدخلوكم باب ضلالة«(15).
وقال(صلى الله عليه و آله): »من أراد أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب، فأنه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة«(16).
وقال(صلى الله عليه و آله) حين أخذ البيعة الأولى على الأنصار بنصرته: »أنا آخذ عليكم بما أخذ الله على النبيين من قبلي أن تحفظوني وتمنعوني عما تمنعون أنفسكم عنه، وتمنعوا عن علي بن أبي طالب عما تمنعون أنفسكم عنه، وتحفظوه فأنه الصديق الأكبر، يزيد الله دينكم، وأن الله أعطى موسى العصا، وإبراهيم برد النار وعيسى الكلمات يحيى بها الموتى، وأعطاني هذا علياً، ولكل نبي آية وهذا آية ربي، والأئمة الطاهرون من ولده آيات ربي، لن تخلو الأرض من أهل الإيمان ما أبقى الله أحداً من ذريته«(17). (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19)ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20)مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) [التكوير 20-22].

بشائر الله لأنبيائه بنبينا(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته(عليهم السلام)
تشير بعض الآيات القرآنية الكريمة مع ما ورد في تفسيرها وتأويلها عن النبي وأهل بيته عليهم السلام من طرق عديدة أن الله جل وعلا– كما بشر أنبياءه ورسله بخاتمهم محمد(صلى الله عليه و آله) كذلك بشرهم الله بأهل بيته وأعلن لهم فضلهم وأنهم خيرة خلقه(18) وأخذ عليهم العهد من بعده.
وفي كثير من الأخبار تصريح بأن الأنبياء والمرسلين كانوا إذا ابتلاهم الله عز وجل بما ابتلاهم به في الدنيا – والدنيا دار بلاء وامتحان – كانوا يتوسلون بهم إلى الله تعالى أن يكشف عنهم ذلك البلاء فيستجيب الله لهم دعاءهم. وقد استفاض النقل بذلك من طرق الفريقين ولا سيما من طريق أهل البيت وشيعتهم، وإليك بعض النماذج مما ورد من طرق أهل السنة:
قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) [الزخرف/ 46].
روى كثير من المفسرين والمحدثين من أهل السنة بأسانيدهم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة أن النبي(صلى الله عليه و آله) لما أسري به إلى السماء جمع الله بينه وبين الأنبياء وأوحى إليه على لسان ملك من ملائكته أن سلهم يا محمد على ماذا بعثتم؟ فسألهم فقالوا: بعثنا على شهادة لا إله إلا الله، وعلى الإقرار بنبوتك والولاية لعلي بن أبي طالب(19).
روى ذلك الثعلبي في تفسيره ونقله عنه:
العلامة النيسابوري في غرائب القرآن 25/58، وهذا نصه قال: وعن أبن مسعود أن النبي(صلى الله عليه و آله) قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ قال: قلت علام بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب رضى الله عنه (قال): رواه الثعلبي.
ونقله آية الله العلامة الحلي عن ابن عبد البر المالكي.
وخرجه العز المحدث الحنبلي عن عبد الله بن مسعود (كشف الغمة 1/312).
ورواه جلال الدين السيوطي الشافعي بسنده في ذيل اللالي ص60، بعين ما تقدم عن الثعلبي.
ورواه العلامة الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 في كفاية الطالب الباب الخامس ص23 بسنده عن عبد الله (يريد عبد الله بن مسعود) قال: قال النبي صلى الله عليه واله: يا عبد الله آتاني ملك فقال: يا محمد وأسال من أرسلنا من قبلك على ما بعثوا. قال: قلت على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب.
ورواه الحاكم النيسابوري في النوع الرابع والعشرين من معرفة علوم الحديث (المصدر السابق).
ورواه صاحب كتاب المناقب السبعين في الحديث 49 قال ما نصه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): لما أسرى بي في ليلة المعراج فاجتمع على الأنبياء في السماء، فأوحى الله تعالى إلي: سلهم يا محمد بماذا بعثتم فقالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وعلى الإقرار بنبوتك، والولاية لعلي بن أبي طالب. قال رواه الحافظ أبو نعيم (ينابيع المودة الباب 56 ص238) .
ورواه أبو نعيم الاصبهاني في حلية الأولياء عن ابن مسعود وأبي هريرة (كما نقلته المصادر المثبتة).
ورواه العلامة الحمويني الشافعي في فرائد السمطين ص68 الباب 15 بسنده عن ابن عبد الله بن مسعود.
ورواه موفق بن احمد اخطب خوارزم الحنفي المتوفى سنة 568 في كتابه المناقب في الفصل 19 ص221 بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): يا عبد الله آتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا ؟ قال: قلت على ما بعثوا ؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب.
ورواه الشيخ سليمان الحنفي في ينابيع المودة ص 82 الباب15، وهذا نصه قال: موفق بن احمد والحمويني وأبو نعيم الحافظ بأسانيدهم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لما عرج بي إلى السماء انتهى بي السير مع جبرئيل إلى السماء الرابعة، فرأيت بيتا من ياقوتا احمر ، فقال جبرئيل: هذا البيت المعمور ، قم يا محمد فصل إليه، قال النبي: جمع الله النبيين فصفوا ورائي صفا فصليت بهم ، فلما سلمت آتاني آت من عند ربي فقال يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك: سل الرسل على ما أرسلتهم قبلك. فقلت: معاشر الرسل على ماذا بعثكم ربي من قبلي ؟ فقالت الرسل: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب، وهو قوله تعالى (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) – الآية.
ثم قال صاحب الينابيع أيضا: رواه الديلمي عن ابن عباس.
ثم روى عن طلحة بن زيد عن جعفر الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين(عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): ما قبض الله نبيا حتى أمره الله أن يوصي إلى افضل عشيرته من عصبته، وامرني أن أوص إلى ابن عمك علي أثبته في الكتب السالفة ، وكتبت فيها انه وصيك، وعلى ذلك أخذت ميثاق الخلائق وميثاق أنبيائي ورسلي ، وأخذت مواثيقهم لي بالربوبية ولك يا محمد بالنبوة ولعلي بن ابي طالب بالولاية والوصية.

إيضاح وتعليق حول الآية والرواية
الآية في ظاهرها تدل على ان الله سبحانه أمر رسوله محمد(صلى الله عليه و آله) أن يسأل الرسل الذين قبله ويقررهم هل جعل الله – الذي على كل شئ قدير – آلهة يعبدون من دون الرحمن، الرحمن الذي وسعت رحمته كل شئ ؟
الجواب قطعا: لا .
ونبينا(صلى الله عليه و آله) يعلم علم اليقين – قبل أن يؤمر بهذا السؤال من المرسلين وقبل أن يسألهم - إن الله لم يجعل آلهة يعبدون من دونه تعالى لاستحالة ذلك عقلا ، وهو(صلى الله عليه و آله) سيد العقلاء وسيد الموحدين ، فهو يعلم أن العبادة له سبحانه وحده لا شريك له. وهذا لا ريب فيه لكل مؤمن صادق الإيمان فضلا عن نبينا(صلى الله عليه و آله) المفضل على الأولين والآخرين.
فإذا لا بد من أن السؤال فيه ما قد خفي على النبي(صلى الله عليه و آله)، لذا أمر أن يسأل عنه .
فالروايات التي مرت علينا من طرق الفريقين أبانت لنا أن الشيء الذي كان قد خفي على النبي(صلى الله عليه و آله) وأمره الله أن يسأل عنه المرسلين وأجاب به المرسلون بالفعل، هو انهم بعثوا على الإقرار بتوحيد الله تعالى المعلوم عند النبي قبل أن يسال عنه، والإقرار بنبوته ورسالته وولاية وصيه وخليفته من بعده علي أمير المؤمنين. وهذان الأخيران هما اللذان ما كان يعلمهما النبي واعلمه بهما المرسلون قبله انهم بعثوا على ولايته وولاية علي بن أبي طالب.
ومن هنا نرى إن اكثر الروايات المذكورة اكتفت بذكر نبوة نبينا وولاية ولينا، لأنهما الداعي إلى السؤال والتقرير من الرسل. والآية الكريمة بذاتها فيها أيضاً الدلالة على الشهادات الثلاث تصريحا وتلويحا، أما الشهادة لله بالوحدانية فصريحة وظاهرة بالآية وأما الشهادة بنبوة النبي وولاية الوصي فملوح إليهما في الآية وبيان ذلك:
أولاً - يجب أن نعلم إن المراد من العبادة إنما هي الطاعة لله في امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه والإخلاص له تعالى في ذلك بعد معرفته، دون غيره من أنواع الآلهة الموهومة(20) ، وهذا هو التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، وهو يقتضي أن ينصب الله – الرحمن الرحيم-لعباده رسلا وحججا معصومين منزهين يدعون العباد إلى عبادته لا شريك له في كل جيل ودور وفي كل أمة من الأمم لئلا يهلكوا، قال تعالى:(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، أي اجتنبوا عبادة الطاغوت، والطاغوت مفرد يراد به الجمع، وهم رؤساء الضلال وأئمة الجور الذين تسلطوا بالقوة على الأمم – بعضا أو كلا – فطاعة هؤلاء الرؤساء الذين لم ينصبهم الله ولم يأمر بإطاعتهم ومتابعتهم – في مقابلة إطاعة رسول الله وحججه - نوع من الشرك بالله والعبادة لغيره تعالى.
فقوله عز من قائل في الآية الكريمة:(وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) يمكن أن يراد بالآلهة هنا رؤساء الضلال وأئمة الجور الذين لم يجعل الله لهم الإمامة والولاية. ولم يأمر بإطاعتهم ومتابعتهم، بل نصب رسلا وحججا على كل أمة، وجعل لهذه الأمة – التي هي خير الأمم – نبيا هو افضل الأنبياء ووصيا له هو خير الأوصياء وحججا من ذريتهما هم افضل الحجج من بعدهما وهم جميعا الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وهم الذين بعث الأنبياء والرسل على الإقرار بولايتهم العامة وفضلهم وتفضيلهم ،كما قال الإمام الصادق(عليه السلام): »ما تنبأ نبي قط إلا بمعرفة حقنا وتفضيلنا على من سوانا«.
وأمر النبي(صلى الله عليه و آله) أن يسألهم عن هذه الحقيقة الواقعة، وأجابوه بها.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(21).

تحقيق شيخنا المظفر حول الموضوع
وإليك ما أفادنا به شيخنا الحجة الشيخ محمد حسن المظفر(22) موضحاً ومستدلاً بالآية والروايات المصرحة ببعثة الأنبياء على ولاية النبي وعلي عليهما الصلاة والسلام بما يلي:
ودلالتها على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) واضحة، فإن بعث الرسل وأخذ الميثاق عليهم في القديم بولاية علي عليه السلام وجعلها محل الاهتمام العظيم في قرن أصلي الدين الربوبية والنبوة لا يمكن أن يراد بها إلا إمامة من له الفضل عليهم كفضل محمد صلى الله عليه وآله، ولا سيما مع عطف الوصية عليها في رواية طلحة(23)، فلا يضر حينئذ اطلاق الولاية على معان كثيرة بعد هذه القرينة الصريحة في إرادة الإمامة.
فإن قلت: لم تذكر الآية الكريمة النبوة والإمامة، بل ولا الإرسال بشهادة أن لا إله إلا الله، فإنها قالت: (اجعلنا) ولم تقل أرسلناهم بالشهادة.
قلت: السؤال والاستفهام في الآية للتقرير، بمعنى تقرير الرسل عن أمر أستقر عندهم نفيه، وهو جعل الآلهة من دون الرحمن يعبدون، لكن لما كان المناسب لتقرير الرسل بما هم رسل هو تقريرهم عما أرسلوا به كان الظاهر إرادة تقريرهم عن ذلك بما هم رسل بنفيه، وهو راجع إلى الإرسال بالشهادة بالوحدانية. فصح ما أفادته الروايات من أن المراد بالآية السؤال عما بعث به الرسل من الشهادة بالوحدانية، ولما كان بعثهم بهذا معلوماً للنبي صلى الله عليه وآله البتة لم يحسن أن يراد أن يقررهم به خاصة، بل ينبغي أن يراد تقريرهم به بضميمة مالا يعلم النبي إقرارهم به لعدم علمه بإرسالهم عليه، وهو الذي ذكرته الروايات – أعني إرسالهم على نبوته وإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام).
وإنما لم تذكره الآية الشريفة للاكتفاء بذكر الأصل، وهو بعث على الشهادة بالوحدانية، كما أن بعض الروايات المذكورة اكتفت بذكر نبوة نبينا وإمامة ولينا، لأنهما الداعي إلى السؤال والتقرير مع وضوح بعثهم على الشهادة بالوحدانية لكونه الأصل ولذكر الآية له، فما أعظم قدر نبينا الأطيب وأخيه الأطهر عند الله تبارك وتعالى حتى ميزهما على جميع عباده وأكرمهما ببعث الرسل الأكرمين على الإقرار بفضلها ورسالة محمد وإمامة علي، وأخذ الميثاق عليهم بهما مع الشهادة بالوحدانية فحق لذريتهما أن يفتخروا بما افتخر الشريف الرضي به، وهو قول الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم*** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

بشائر الله لآدم بنبينا وأهل بيته وتوسله إلى الله بهم
قال الله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة/ 37].
مما جاء في تفسير الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه هي دعاؤه وتوسله إلى الله تعالى بالخمسة أهل الكساء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا ما تاب عليه فاستجاب الله دعاءه وتاب عليه.
جاء هذا مروياً بوضوح في روايات كثيرة ومستفيضة من طرق الفريقين الشيعة(24) وأهل السنة، وإليك بعض روايات أهل السنة في ذلك:
روى العلامة البيهقي في دلائل النبوة عن عمر بن الخطاب قال آدم: أسألك بحق محمد وآله إلا غفرت لي. إلى قوله: ولولا هو ما خلقتك (تفسير اللوامع 1/215).
وروى العلامة ابن عساكر في كلا مسنديه عن عمر بن الخطاب بعين ما تقدم (المصدر السابق) نقلنا هذين الحديثين عن كتاب إحقاق الحق 3/77.
وروى العلامة ابن المغازلي في (المناقب – مخطوط) بسنده عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: سأل رسول الله(صلى الله عليه و آله) عن الكلمات التي تلقاها آدم(عليه السلام)، فقال(صلى الله عليه و آله): »سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فتاب عليه وغفر له«(25).
وروى أبو الفتح محمد بن علي النطنزي المولود سنة 480هـ في كتابه (الخصائص) عن ابن عباس أنه قال: لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه عطس فقال: الحمد لله، فقال له ربه: يرحمك ربك، فلما أسجد له الملائكة، قال: يا رب خلقت خلقاً هو أحب إليك مني؟ قال: نعم ولولاهم ما خلقتك. قال: يا رب فأرنيهم، فأوحى الله إلى ملائكة الحجب: أن رفعوا الحجب، فلما رفعت إذا آدم، هذا محمد نبيّي، وهذان الحسن والحسين ابنا علي وولدا نبيّي. ثم قال: يا آدم هم ولدك ففرح بذلك، فلما اقترف الخطيئة قال:يا رب أسألك بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين لما غفرت لي، فغفر الله له. فهذا الذي قال الله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه: اللهم بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تُبت علّي، فتاب الله عليه(26).
وروى عبد الرحمن الصفوري الشافعي المتوفى سن 884 عن جعفر الصادق(عليه السلام) في قوله تعالى:(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) جاء فيه: »أن آدم لما كان في الجنة رفع رأسه إلى القبة فوجد خمسة أسماء مكتوبة من نور: أنا المحمود وهذا محمد، وأنا الأعلى وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، ومني الإحسان وهذا الحسين، فقال جبرئيل: يا آدم احفظ هذه الأسماء فإنك تحتاج إليها فلما هبط آدم (أي من الجنة بعد اقترافه الخطيئة) بكى… ثم دعا بهذه الأسماء، وقال: يا رب بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، يا محمود يا أعلى يا فاطر يا محسن أغفر لي وتقّبل توبتي…«(27) الحديث.
ورواه العلامة المولى معين الكاشفي عن الصادق أيضاً في (معارج النبوة) ص9(28).
وروى العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي في تفسيره، عن ابن عباس عين ما تقدم عن ابن المغازلي رقم –3 (29).
ثم روى السيوطي في تفسيره أيضاً، عن علي(عليه السلام): »سألت النبي(صلى الله عليه و آله) عن قول الله (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) فقال: إن الله أهبط آدم بالهند… إلى أن قال: ومكث آدم باكياً على خطيئته حتى بعث إليه جبرئيل، وقال: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ قال: بلى، قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن؟ قال: فعليك بهذه الكلمات فإن الله قابل توبتك وغافر ذنبك قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوء وظلمت نفسي فأغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوء وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم«(30) المراد من لفظة – هؤلاء – أي محمد وآله.
وروى العلامة السيوطي أيضاً في (جمع الجوامع) في باب جامع الدعاء، قال: "روي أن الكلمات التي تلقاها آدم: اللهم أسألك بحق محمد وآل محمد، تب علي إنك أنت التواب الرحيم(31).
وروى العلامة ابن النجار عن ابن عباس بعين ما تقدم عن ابن المغازلي(32).
وروى العلامة الديلمي في (مسند الفردوس) بسنده عن علي. وقد تقدم الحديث برقم (8) (33).
وروى الشيخ علي الهندي الحنفي في (كنز العمال) عن علي، الحديث الذي تقدم برقم (8) نقله عن (مسند الفردوس) للديلمي، وذلك في تفسير سورة البقرة(34).
وروى الشيخ سليمان الحنفي عن ابن المغازلي بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس الحديث المتقدم برقم (3)(35).
وروى العلامة البدخشي في (مفتاح النجا) ص16 عن الدار قطني، وابن النجار، عن ابن عباس. كما تقدم برقم (3)(36).
والعلامة عبد الله الشافعي في (المناقب) المخطوط ص 33(37).
العلامة محمد بن أحمد الحنفي في (در بحر المناقب) ص46 مخطوط(38).
العلامة جلال الدين السيوطي في (ذيل اللئالي) ص57 وقد أخرجه عن ابن النجار بسنده كما تقدم(39).
وروى الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) نقلاً عن (المناقب) عن المفضل، قال: "سألت جعفر الصادق عن قوله تعالى (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ…َ) [البقرة/ 125]، قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، وهو أنه قال: يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تُبت عليّ، فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم. فقلت له: يا بن رسول، فما يعني بقوله: (فَأَتَمَّهُنّ)، قال: يعني أتمهن إلى القائم المهدي أثنا عشر إماماً تسعة من ولد الحسين(عليهم السلام)(40).
وروى صاحب كتاب (المناقب السبعين) عن ابن عباس الحديث المتقدم رقم (3) نقله عن ابن المغازلي(41).
وروى العلامة الشيخ جمال الدين محمد بن احمد الحنفي الموصلي الشهير بابن حسنويه المتوفى سنة 680 في كتابه (در بحر المناقب) ص265 مخطوط، روى الغفاري وحذيفة بن اليمان وأبي هيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي الطفيل وعمرو بن وائلة(42) بعد أن دخلوا عليه وحدثهم النبي(صلى الله عليه و آله) عن فضل علي(عليه السلام) إلى أن قال: "فإني افضل النبيين، ووصي أفضل الوصيين، وأن آدم لما رأى أسمي وأسم أخي علي وأسم فاطمة والحسن والحسين مكتوباً على ساق العرش بالنور، قال: إلهي خلقت خلقاً وهو أكرم عليك مني؟ قال: يا آدم لولا هذه الأسماء لما خلقت سماء مبنية ولا أرضاً مدحية ولا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، ولا خلقتك يا آدم. فقال: إلهي وسيدي فبحقهم عليك إلا غفرت لي خطيئتي، فكنا نحن الكلمات التي قال الله تعالى:(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)، ثم قال تعالى: أبشر يا آدم فإن هذه الأسماء من ذريتك، فحمد الله وأثنى عليه وسبحه وهلله، وافتخر على الملائكة بنا، فهذا من فضلنا عند الله تعالى، ومن فضل الله تعالى علينا…"(43).

دلالة البشائر على أفضلية أهل البيت وأنهم علة الوجود
تدل الآية المتقدمة مع ما ورد في تفسيرها بهذه الأخبار دلالة واضحة على ما يلي:
أولاً – أفضليتهم على جميع العالمين، لأن توسل آدم – وهو أول خليفة لله في الأرض، وأول النبيين والمرسلين – بمحمد وآله بتعليم الله سبحانه وهم في آخر الزمان، والأعراض عن التوسل بأعاظم المرسلين وهم أقرب إليه زماناً، لأدل دليل على فضلهم على جميع العالمين.
ثانياً – عصمتهم من كل زلل، وإن كان من قبيل المكروهات. فإن آدم إنما عصى بارتكاب المكروه، فلا يصح التوسل بهم في التوبة عما ارتكب من المكروه إلا لأنهم لم يرتكبوا معصية ومكروهاً قط. إذ ليس بين الله وبين أحد قرابة، إنما أحب العباد إليه وأقربهم زلفة لديه، أطوعهم له، كما قال تعالى:(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات/ 14]، فلو لم يكن محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته أطوع خلق الله لله، وقد علم الله تعالى منهم تمام الطاعة والانقياد بحيث لم يصدر منهم حتى المكروه، لما أمر تعالى آدم وغيره من الأنبياء والمرسلين بعده بالتوسل بهم إليه.
ثالثاً – انحصار خلافة الرسول(صلى الله عليه و آله) في آله، لفضلهم على الأنبياء دون سائر أمة محمد(صلى الله عليه و آله) إذ لا يمكن أن يكون المعصوم من كل زلة والمفضل حتى على أعاظم الأنبياء والمرسلين رعية ومأموماً لسائر الناس ولا سيما لمن أفنى أكثر عمره بالشرك وعبادة الأوثان وقضى باقيه بالفرار من الزحف والعصيان.
وإذا ثبت تفضيلهم على العالمين، وكانوا معصومين من كل معصية ومكروه، وكانوا خلفاء الرسول من بعده، تعين وجوب أطاعتهم واتباعهم والاهتداء بهديهم دون غيرهم ممن خالفهم.
هذا ما دلت عليه الآية الكريمة مع الأخبار المروية في تفسيرها من الطريقين.
على أنه قد وردت أخبار كثيرة خاصة في باب بشارة الله لآدم بنبيه(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته – وهو إذ ذاك في الجنة قبل هبوطه منها وقبل اقترافه المعصية – صريحة في تفضيلهم على العالم كله، وأن العالم مخلوق لأجلهم، وقائم بهم، وأنهم علة الكائنات(44).
وإليك جملة من هذه الروايات:
ما رواه شيخ الإسلام الحمويني الشافعي في (فرائد السمطين) وأبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه، ونقله عنهما العلامة الشيخ عبيد الله الحنفي في كتابه (أرجح المطالب) بسنديهما عن أبي هريرة، عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال:
"لما خلق الله تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه، ألتفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمس أشباح سجداً ركعاً، قال آدم هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا يا آدم، قال: فمن هؤلاء الخمسة الأشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك، لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم أسماء من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا ولي الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت بعزتي أنه لا يأتي أحد بمثقال ذرة من خردل من بغض أحدهم إلا أدخلته ناري ولا أبالي. يا آدم هؤلاء صفوتي بهم أنجي وبهم أهلك، قال: إذا كانت لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسل. فقال النبي(صلى الله عليه و آله): نحن سفينة النجاة، من تعلق بها نجا ومن حاد عنها هلك. فمن كان له إلى الله حاجة، فيسأل بنا أهل البيت"(45).
ما رواه صاحب كتاب (المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة) - من طريق أهل السنة – بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): "لما خلق الله عز وجل آدم نظر إلى سرادق العرش فرأى مكتوباً: لا إلى إلا الله، محمد رسول الله، وأسماء أربعة. فقال آدم: يا إلهي خلقت خلقاً من إنسٍ قبلي؟ فقال: لا، فقال: وما هذه الأسماء التي أراها؟ فقال: يا آدم هؤلاء خيرتي من خلقي وصفوتي، يا آدم لولا هؤلاء ما خلقت الجنة والنار، وإياك أن تنظر إليهم بعيد الحسد… ثم قال(صلى الله عليه و آله): فلما أكل آدم من الشجرة، وأخرج من الجنة ونال الخطيئة، وأراد التوبة قال في توبته وتضرعه إلى ربه: إلهي بحق الخمسة الذين على سرادق العرش إلا غفرت لي فأوحى الله تعالى: يا آدم قد غفرت لك، فكان ذلك في سابق علمي فيك فقال آدم: بحق هؤلاء الخمسة إلا عرفتني من هؤلاء؟ قال تعالى: يا آدم هؤلاء الخمسة من ولدك شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي العظام، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، وأنا قديم الإحسان وهذا الحسين"(46).
ما رواه القاضي أبو عمر عثمان بن احمد أحد شيوخ أهل السنة، يرفعه إلى ابن عباس، عن النبي ص): "إن آدم نظر إلى أشباح تضيء حول العرش، فقال: يا رب إني أرى أشباحاً تشبه خلقي، فما هي؟ قال: هذه الأنوار أشباح اثنين من ولدك، أسم أحدهما محمد أبدأ النبوة بك وأختمها به، والآخر أخوه وابن أخي أبيه، أسمه علي أؤيد محمداً به وأنصره على يده، والأنوار التي حولهما أنوار ذرية هذا النبي من أخيه هذا، يزوجه أبنته، أجعلها سيدة النسوان، وأفطمها وذريتها من النيران، تنقطع الأسباب والأنساب يوم القيامة إلا سببه ونسبه. فسجد آدم شكراً لله أن جعل ذلك من ذريته فعوضه الله عن ذلك السجود أن أسجد له ملائكته"(47).
ما رواه العلامة ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) بسند عن جعفر بن محمد (أي الصادق) عن أبيه عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: "لما خلق الله آدم وحواء تبخترا في الجنة، وقالا: من أحسن منا؟ فبينما هما كذلك إذ هما بصورة جارية لم يُر مثلها، لها نور شعشعاني يكاد يطفئ الأبصار. قالا: يا رب ما هذه؟ قال: صورة فاطمة سيدة نساء ولدك. قال: ما هذا التاج على رأسها؟ قال: علي بعلها، قال: فما القرطان؟ قال: أبناها، وجد ذلك في غامض علمي قبل أن أخلقك بألفي عام"(48).
ما رواه الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) عند عبد الله بن عباس رفعه: "لما خلق الله آدم وحواء يفتخران في الجنة، فقالا: ما خلق الله خلقاً أحسن منا؟ فبينما هما كذلك إذ رأيا صورة جارية لها نور شعشعاني يكاد يطفئ الأبصار. على رأسها تاج وفي أذنيها قرطان، قالا: وما هذه الجارية؟ قال الله: هذه صورة فاطمة بنت محمد سيد الأولين والآخرين. قالا: ما هذا التاج؟ قال: هذا بعلها علي بن أبي طالب، قالا: وما هذان القرطان؟ قال: الحسن والحسين أبناها، أوجدت ذلك قبل أن أخلقك بألفي عام"(49).
ورواه بهذا النص السيد علي بن شهاب الهمداني في كتابه (مودة القربى) في المودة الحادية عشرة (50).
ما رواه العلامة عبد الرحمن الصفوري الشافعي في (نزهة المجالس) قال: "قال الكسائي وغيره: لما خلق الله آدم… إلى أن قال: وعيه جارية لها نور وشعاع وعلى رأسها تاج من الذهب مرصع بالجواهر لم ير آدم أحسن منها، فقال: يا رب من هذه؟ قال: فاطمة بنت محمد، فقال: يا رب من يكون بعلها؟ قال: يا جبرئيل افتح له باب قصر من الياقوت، فرأى فيه قبة من الكافور فيها سرير من ذهب، عليه شاب حسنه كحسن يوسف، فقال: هذا بعلها علي بن أبي طالب، فقال آدم: ي رب هل لها أولاد؟ فأمر الله جبرئيل أن يفتح باب قصر من اللؤلؤ ففتح وفيه قبة من الزبرجد فيها سرير من العنبر عليه صورة الحسن والحسين…"(51) الحديث.
ما رواه الحافظ أخطب خوارزم الحنفي بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): "لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدم فقال: الحمد لله، فأوحى الله إليه: حمدتني عبدي، وعزتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك، قال: إلهي فيكونان مني؟ قال: نعم يا آدم أرفع رأسك وأنظر، فرفع رأسه فإذا هو مكتوب على العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله نبي الرحمة، غلي مقيم الحجة، من عرف حق علي زكا وطاب، ومن أنكر حقه لعن وخاب، وأقسمت بعزتي أن أدخل الجنة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت بعزتي أن أدخل النار من عصاه وأن أطاعني"(52).
ونقله الشيخ سليمان الحنفي عن الخوارزمي في (ينابيع المودة)، حتى قوله: "علي مقيم الحجة" وأسقط بقية الحديث.
ولقد أجاد العلامة الشاعر المعاصر، صديقنا السيد محمد الحيدري بقوله من قصيدة علوية غراء:
بــشــرت باسمه النبيون طراً*** فــأســأل الأنــبــيــاء والأوصياءا
بـــشـــرت باسمه وباسم نبي*** هــاشــمـــي ســيـخــتــم الأنبياءا
فـــهـما عـلـة الخليقة إذ لولا*** هـمـا لــم يـــــكّـــون الأشــيـــاءا
وهـمـا لـلـوجــود مصدر نور*** بــهــمــا الله يـكـشـف الـظـلـماءا
لـهــمـا طـأطـأ المــلائــك لما*** عــــــــلـــم الله آدم الأســـمــــاءا
خـلـق الله نــورهــم فــاستقر*** الـنـور فـي آدم يـــشــع ســنــاءا
فــلـذا أوجـب الســجــود إليه*** حـيـث قـد كــان عـيـبـة ووعــاءا
هكذا نــــصــت الأحاديث والأ*** نباء إن كـنت تسمع الأنباءا(53)

توسل الأنبياء إلى الله بنبينا وأهل بيته
نعم، هكذا كانت بشارة الله جل وعلا لآدم بأهل البيت، وهكذا كان توسل آدم بهم إلى الله في قبول نبوته، وهكذا بشر الله أيضاً بأهل البيت عليهم السلام أنبياءه المرسلين من أولي العزم نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى، وغيرهم كإسماعيل ويعقوب ويوسف وأيوب وداود وسليمان… وتوسلوا بهم إلى الله في كشف ما ابتلوا به من أنواع البلاء، واستجاب الله لهم، كما صرحت بذلك الأخبار الأحاديث الواردة عن الصادق الأمين وأهل بيته الأطهار من طرق الفريقين ولا سيما من طرق أهل البيت وشيعتهم.
راجع (عيون أخبرا الرضا) لشيخنا الصدوق(54) ترى فيه بشارة الله لآدم، وأنه نظر إلى ساق العرش، ورأى أسماء الخمسة الأطهار، وأن الله أوحى إليه أن هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك… الخ. والذي رواه أيضاً في كتابه (معاني الأخبار)(55) كما نقله عنه المجلسي(56).
وراجع (الأمالي) للصدوق أيضاً (57)، تجد فيه عند ذكر قصة يوسف، حيث يرويها عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ما يأتي: "فهبط جبرئيل على يعقوب، فقال: يا يعقوب ألا أعلمك دعاءً يرّد الله عليك به بصرك ويرد عليك ابنيك؟ قال: بلى، قال: قل ما قاله أبوك آدم فتاب الله عليه، وما قاله نوح فاستوت به سفينته على الجودي ونجي من الغرق، وما قاله أبوك إبراهيم خليل الرحمن حين ألقي في النار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، فقال يعقوب: وما ذاك يا جبرئيل؟ فقال: قل: يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن تأتيني بيوسف وبنيامين جميعاً، وترد علي عيني، فما استتم يعقوب هذا الدعاء حتى جاء البشير فألقى قميص يوسف عليه فأرتد بصيراً، فقال لهم: ألم قل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون….".
وروى الصدوق في (الأمالي) (58) أيضاً، بسنده عن الصادق(عليه السلام) أنه قال: "أتى يهودي النبي(صلى الله عليه و آله) فقام بين يديه يحد النظر إليه، فقال: يا يهودي ما حاجتك؟ قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه الله، وأنزل عليه التوراة والعصا، وفلق له البحر وأظله بالغمام؟ فقال له النبي(صلى الله عليه و آله): إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه ولكني أقول: إن آدم لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما غفرت لي فغفرها الله له، وأن نوحاً لما ركب في السفينة وخاف الغرق قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما نجيتني من الغرق فنجاه الله، وأن إبراهيم لما ألقي في النار قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني منها فجعلها الله برداً وسلاماً، وأن موسى لما ألقى عصاه، وأوجس من نفسه خيفة قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما آمنتني، فقال الله جل جلاله: (لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى) [طه/ 69]. يا يهودي إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ما نفعه إيمانه شيئاً، ولا نفعته نبوته. يا يهودي ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته فقدمه وصلى خلفه"(59).
وروى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي – المعاصر للإمام الحسن العسكري – في تفسيره حديثاً عن الإمام الصادق(عليه السلام) في قصة إبراهيم وإلقائه في النار جاء فيه: "فدعا إبراهيم ربه بسورة الإخلاص: يا الله يا واحد يا أحد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، نجني من النار برحمتك. فالتقى معه جبرئيل في الهواء وقد وضع في المنجنيق، فقال: يا إبراهيم هل لك إلي من حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، وأما إلى ب العالمين فنعم، فدفع إيه خاتماً عليه مكتوب… لا إله إلا الله، محمد رسول الله، الجأت ظهري إلى الله، اسندت أمري إلى الله، وفوضت أمري إلى الله(60)، فأوحى الله إلى النار: كوني برداً، فاضطربت أسنان إبراهيم من البرد حتى قال: وسلاماً على إبراهيم، وانحط جبرئيل معه في يحدثه في النار، ونظر إليه نمرود. فقال: من اتخذ إلهاً فليتخذ مثل إله إبراهيم… الحديث"(61):
وروى القمي أيضاً في تفسيره حديثاً بسنده عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) جاء فيه.
"وكان مما ناجى الله موسى(عليه السلام) يا موسى، لا أقبل الصلاة إلا لمن تواضع لعظمتي، وألزم قلبه خوفي، وقطع نهاره بذكري(62)، ولم يبت مصراً على الخطيئة، وعرف حق أوليائي وأحبائي، فقال موسى: يا رب تعني بأوليائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب؟ قال: هو كذلك، إلا أني أردت بذلك مّن من أجله خلقت الجنة والنار، فقال: ومن هو يا رب؟ فقال: محمد أحمد، شققت أسمه من أسمي، لأني أنا المحمود، فقال موسى: يا رب اجعلني من أمته. فقال: يا موسى أنت من أمته إذا عرفته وعرفت منزلته، ومنزلة أهل بيته…(63) فيمن خلقت كمثل الفردوس في الجنان لا ينتثر ورقها ولا يتغير طعمها، فمن عرفهم وعرف حقهم جعلت له عند الجهل علماً، وعند الظلمة نوراً، اجيبنه قبل أن يدعوني، واعطينه قبل أن يسألني"(64).
وروى القمي أيضاً في (تفسيره) قال: "وحدثني أبي عن الحسن ابن محبوب، عن الحسين بن عمارة، عن ابن سيارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما طرح أخوة يوسف، يوف في الجب دخل عليه جبرئيل وهو في الجب فقال: يا غلام من طرحك في هذا الجب؟ فقال له يوسف: أخوتي، لمنزلتي من أبي حسدوني، لذلك في الجب طرحوني، قال: فتحب أن تخرج منها؟ فقال له يوسف: ذلك إلى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، قال: فإن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك: قل: اللهم إني أسألك فأن لك الحمد كله لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، صل على محمد وآل محمد وأجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث احتسب ومن حيث لا احتسب. فدعا ربه فجعل الله له من الجب فرجاً، ومن كيد المرأة مخرجاً، وآتاه ملك مصر من حيث لا يحتسب"(65).
وهذا الحديث الشريف رواه كثير من علمائنا الأعلام. فمنهم القمي كما قرأت حديثه، ومنهم المحدث الجليل محمد بن مسعود العياشي الذي عاش في أواخر القرن الثالث الهجري، رواه في (تفسيره ج2/ 170) وشيخنا الصدوق في كتاب (دلائل النبوة)، كما رواه عنه شيخنا الطبرسي في (مجمع البيان) ج3/ 217، ونقله المجلسي عنهم في (البحار) ج12/ 247. ورواه شيخنا الكليني في (الكافي)، كما نقله عنه المولى محمد محسن الفيض في (تفسيره الصافي) ج4/ 825، كما نقله عن كل من القمي والعياشي والطبرسي، ورواه العلامة السيد هاشم البحراني في تفسيره (البرهان) ج1/ 497. وكذلك السيد نعمة الله الجزائري في (النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين) ص133(66).
ومن أهل السنة حكاه الثعلبي في قصص الأنبياء المسمى بـ (عرائس التيجان) قال ما نصه:
"فلما كان في اليوم الرابع أتاه جبرئيل(عليه السلام) قال: يا غلام من طرحك هاهنا في هذا الجب؟ قال: أخوتي لأبي، قال: ولم؟ قال: حسدوني على منزلتي من أبي. قال: أتحب أن تخرج من هذا الجب؟ قال: نعم، قال: قل: يا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل مكسور، ويا حاضر كل ملأ، ويا شاهد كل نجوى، ويا قريباً غير بعيد، ويا مؤنس كل وحيد، ويا غالباً غير مغلوب، ويا عالم الغيوب، ويا حياً لا يموت، ويا محيي الموتى، لا إله إلا أنت سبحانك، أسألك يا من له الحمد، يا بديع السماوات والأرض، يا مالك الملك، ويا ذا الجلال والإكرام، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، وأن تجعل لي من أمري ومن ضيقي فرجاً ومخرجاً، ترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب. فقالها يوسف، فجعل الله له من الجب مخرجاً، ومن كيد أخوته فرجاً، وآتاه ملك مصر من حيث لا يحتسب"(67).

مما نظمه الشعراء في توسل الأنبياء بأهل البيت
نظم الشعراء قديماً وحديثاً بشائر الله لأنبيائه ورسله بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته، وتوسلهم إليه تعالى بعظيم شأنهم عنده لرفع البلاء عنهم، واستجابة الله تعالى لهم دعاءهم بكشف البلاء عنهم بسببهم صلوات الله عليهم.
فمن ذلك قول علاء الدين الحلي (المعروف بالشفهيني) من علماء وشعراء القرن الثامن الهجري، في بعض علوياته السبعة من قصائده العامرة. منها:

وأســأل عـــن الـكـلـمـات لـما أنها*** حــقــاً تــــلــقـــى آدم فــَـتـــقـــبـــتــلا
ثــم اجــتــبـــاه فــأودعــا في صلبه*** شـــرفـــاً لــه وتــكـــرمــــاً وتــبــجّلا
وتــقــلــبّــــا في الساجدين وأودعا*** في أطــهــــر الأرحــام ثـم تــنـــقــــلا
حــتــى اسـتــقر النور نوراً واحداً*** في شيبة الحمد بن هاشم يجتلى(68)
قُــســمــا لـحــكـم ارتضاه فكان ذا*** نعم الــوصـــي وذاك أشـرف مرسلا
فـعــــلي نفس مــحـمـد ووصــيـــه*** وامــيــنــه وســواه مــأمـــون فـــــلا
وشقيق نــبــعــته وخير من اقتفى*** مـــنـــهــاجــه وبــه اقــتــدى وله تلا
مــولــىً بــــــه قبل المهيمنُ آدماً*** لـــمــــا دعـــا وبـــه تـــوســّــــل أولا
وبه استقر الفلك فــي طــوفــانـه*** لــمــا دعــا نـــــوح بـــه وتــوســـــلا
وبه خبت نـــار الـخليل وأصبحت*** بــرداً وقـــد أذكـــت حــريــقــاً مشعلاً
وبــه دعــــا يعقوب حين أصابه*** من فقد يوسف ما شـجــاه وأثــقـــلا
وبـــه أماط الله ضّـــر نــبــيــــه*** أيــوب وهـــو الــمــســـتكين المبتلى
وبــه دعـــا داود حــين غشاهم*** جــالــوت مــقــتــحــماً يقود الجحفلا

ألــقاه دامــغـــة فــأردى شــلوه*** مــلـــقــــى وولــــى جــمـعـــه متجفلا
وبـه دعــا لما عليه تسور الـــــ*** ـخصمان محراب الـصــلاة وأدخــــلا
وقضى على أحديهما بالظلم في*** حكم النــعــــاج وكــــان حكماً فيصلا
فتجاوز الرحمن عنه تـــكــرمــاً*** وبــه ألان لـــه الــحــديـــد وســــهّلا
وبه سليمان دعا فتســــخــــرت*** ريــح الــرخــاء لأجــلــه ولـــــه علا
وله استقر الملك حين دعــا به*** عــمــر الـحــيـــــاة فعاش فيه مخولا
وبه توسـّــل آصــف لـــــما دعا*** بسرير بــلـــقـــيـــس فــجــاء معجلا
وبه دعا عيسى فأحيا مـــيــتـــاً*** مــن قــبــره وأهــال عــنـــه الجندلا
العالم العلم الرضي المرتـضى*** نور الــهــدى ســيف العلا، أخ العلا
من عنده علم الكتاب وحكـــمه*** ولـه تــأول مــتــقــنــاً ومـحــصـــــلا
وإذا علت شرفاً ومجداً هـاشـم*** كان الوصي بها المعم المخولا(69)

وقال الشيخ صالح العرندسي الحلي من علماء وشعراء القرن التاسع:

ولــولاهــم لــم يخــلـــق الله آدمـــاً*** ولا كان زيد في الأنام ولا عمرو
ولا سطحت أرض ولا رفعت ســماً*** ولا طلعت شمس ولا أشرق البدر
ونــوح بهم في الفلك لما دعا نــجا*** وغيض به طوفانه وقضـى الأمر
ولــولاهــم نـــار الخليل لما غــدت*** سلاماً وبرداً وانطفى ذلـك الجمر
ولــولاهــــم يعقوب ما زال حــزنه*** ولا كان عن أيوب ينكـشف الضر
ولآن لداود الـــحـــديـــد بـــــسرهم*** فقدر في سرد يــحــيـــر به الفكر
ولما سليمان البـسـاط بـــه ســرى*** أسليت له عين يفــيض له القطر
وســخــرت الـريح الـــرخاء بأمره*** فغدوتها شهر وروحــتــهــا شـهر
ولولاهم ما كان عيـــسى بن مريم*** لعازر من طي الـلـحود له نــشــر
سرى سرهم في الكائنات وفضلهم*** وكل نبي فيه من سرهم سر(70)

وقال الشيخ مغمس بن داغر الحلي من أعلام الشعراء في القرن التاسع في بعض قصائده:

عرج على المصطفى يا سائق النجب*** عــرج علــى خــير مبعوث وخير نبي
عرج على الـسيد المبعوث من مضر*** عــــــــــرج على الــصــادق الـمنـــــعوت في الكتب
عرج عــلـــى رحـمة الـباري ونعمته*** عــــرج علـى الأبطحي الطاهر النسب
رآه آدم نـــــــوراً بــــيـــن أربــــعــــة*** لألاؤها فوق ســاق العـرش من كثب
فــقــال: يـا رب مـــن هذا؟ فقـــيل له*** قول الــمحـب وما في القول من ريب
هـــم أولـــيــائــي وهــم ذرية لــكــما*** فــقــرَّ عــيــنــاً ونــفــســاً فـيهم وطب
أمــا وحــقــهــم لــولا مــكـــانـــــهــم*** مــنـــي لــمــا دارت الأفــلاك بـالقطب
كــلا ولا كــان من شـمس ولا قــمـر*** ولا شــهــاب ولا أفـــق ولا حـــجــــب
ولا ســمــاء ولا أرض ولا شــجــــر*** للناس يهمي عليه وأكف السحب(71)
ولا جــــنــان ولا نــار مــؤجـــــجـــة*** جــعــلــت أعــدائــهـم فيها من الحطب
وقــال لــلــمــلأ الأعــلـــى ألا أحــــد*** ينبي بأســمـــائــهـــم صــدقــاً بلا كذب
فــلــم يــجــيـــبــوا فــأنـــبــا آدم بهم*** لهــا بــعــلـــم من الجبار مكتسب(72)
فـقــال لـلملأ الأعلى أسجــدوا كـملاً*** لآدم وأطــيــعــوا واتـقـــــوا غـــضـبي
وصــيــر الله ذاك الــنــور ملــتــمعـاً*** فــي الوجــه مــنه بــوعـد منه مرتقب
وخـاف نــوح فــنــاجــى ربــه فــنجا*** بهم على دُسر الألــواح والــخـــشـــب
وفي الجحيم دعا الله الـخـــليل بـهـم*** فأخــمــدت بـعــد ذاك الحـــر والــلـهب
وقد دعا الله موسى إذ هوى صعقــاً*** بــحــقــهــم فــنــجــا مــن شـدة الكرب
فـــظــل منـتـقــلاً والله حــافــظـــــه ً*** عــلــى تــنــقــلــه مــن حـــادث النوب
حــتى تقسم في عبد الإله مــعــــــاً ً*** وفي أبي طالب مـــن عــبــد مــطــلــب
فــــأودع الله ذاك القـســـــم آمـنـة ً*** يــومــاً إلـــى أجل بالحمل مقترب(73)

إلى أن قال:
يـا مـن بـه أنــبــيــاء الله قد ختموا*** فـــــليس من بعده في العالمين نبي
إن كنت في درجات الوحي خاتمهم*** فــأنـــت أولـهـــم فــي أول الــرتـب
قــد بـشــرت بــك رسل الله في أمم*** خلت فما كنت فيما بينهم بغبي(74)

وقال الحجة التقي الشيخ حسين نجف من أعاظم العلماء في القرن الثالث عشر، في بعض قصائده:

كــل قـوم تــوسـلــت بـنـبــي*** وبه قــد تــوســلــت أنـبـيـــاها
وبه الرسل كلما اشتد أمــر*** دعــوا الله فـاســتـجاب دعاها
عنه سل آدماً بمن تاب عنه*** ربــه فــي خـطـيـئـة قــد أتاها
وبه قد نجت سفـيــنــة نـوحٍ*** حينما الموج قد طغى وطماها
وبه الله قال للـنــار كــونـي*** فـإذا بــرد زمـهــريــر لـظــاها
ولـقــد كـان بــردها بــسلام*** لم يمــس الـخـلـيــل قط لظاها
وعلي به تــوسّـــل عيـسـى*** عــنــد آيـاتــه الـتــي أبــداهـا
أخرت بعثة الـنــبــي زمـانـاً*** ذاك عن حكمة إلى أن أتاهـا
عــلـمـت أنهــا بدون عــلي*** لا تـرى قـــط من يجيب نداها
فـعـلي بـه الـــنـبـوة قـامـت*** واســتــقـامت وقام فيه بناها
أول الـســابـقـين عند نداها*** للهــدى بــل هــو الذي نادها

وقال أعلى الله درجته في قصيدة أخرى:

سفينة نوح فيك كانت نجاتها*** بيوم به الطوفان قد جاءه الأمر(75)
* * *

اكتشاف الحكومة السوفيتية لآثار سفينة نوح وتوسّله إلى الله بمحمد وأهل بيته
وقد شاء الله بقدرته وحكمته أن يظهر هذه البشائر ويحققها لعباده باكتشاف جديد في قرننا هذا، اكتشفته الحكومة السوفيتية، وأعلنته بعض مجلاتهم ومجلات وصحف بعض الدول الأخرى، من توسل نوح شيخ المرسلين –أثناء غرق قومه المكذبين ونجاة سفينته – بأهل البيت وأن يساعده لأجلهم ولأجل اسمائهم المباركة فيوجهه تعالى نحو الطريق المستقيم.
ننقله بالنص عن مجلة (البذرة) النجفية، العددان: الثاني والثالث، شوال وذي العقدة سنة 1385، السنة الأولى ص78-81 تحت عنوان: (أسماء مباركة توسل بها نوح) مترجم عن الأوردية.
"في تموز عام 1951 حينما كان جماعة من العلماء السوفيت المختصين بالآثار القديمة ينقبون في منطقة بوادي قاف، عثروا على قطع متناثرة من أخشاب قديمة متسوسة وبالية مما دعاهم إلى التنقيب والحفر أكثر وأعمق، فوقفوا على أخشاب أخرى متحجرة وكثيرة كانت بعيدة في أعماق الأرض.
ومن بين تلك الأخشاب التي توصلوا إليها نتيجة تنقيب خشبة على شكل مستطيل طولها (14) عقداً وعرضها (10) عقود سببت دهشتهم واستغرابهم، حيث لم تتغير ولم تتسّوس، ولم تتناثر كغيرها من الأخشاب الأخرى.
وفي أواخر سنة 1952 أكمل التحقيق حول هذه الآثار، فظهر أن اللوحة المشار إليها كانت ضمن سفينة نوح(عليه السلام) وأن الأخشاب الأخرى هي أخشاب جسم سفينة نوح(عليه السلام).
ومما يذكره المؤرخون أن سفينة نوح(عليه السلام) استوت على قمة جبل قاف.
وشهد أن هذه اللوحة قد نقشت عليها بعض الحروف التي تعود إلى أقدم لغة. وهنا ألفت الحكومة السوفيتية لجنة بعد الانتهاء من الحفر عام 1953 قوامها سبعة من علماء اللغات القديمة ومن أهم علماء الآثار، وهم:
سولى نوف: استاذ الألسن القديمة في جامعة موسكو.
ايفاهان خنيو: عالم الألسن القديمة في كلية لولوهان بالصين.
ميشانن لوفارنك: مدير الآثار القديمة.
تانمول كورف: استاذ اللغات في كلية كيفزو.
دي راكن: استاذ الآثار القديمة في معهد لينين.
ايم أحمد مولاد: مدير التنقيب والاكتشافات العام.
ميجر كولتوف: رئيس كلية ستالين.
وبعد ثمانية أشهر من دراسة تلك اللوحة والحروف المنقوشة عليها، اتفقوا على أن هذه اللوحة كانت مصنوعة من نفس الخشب الذي صنعت منه سفينة نوح(عليه السلام) وأن النبي نوحاً(عليه السلام) كان قد وضع هذه اللوحة في السفينة للحفظ والتبرك.
وكانت حروف هذه اللوحة باللغة السامانية أو السامية، وهي أم اللغات على ما حقق ذلك صاحب كتاب (إيليا) عن كثير من المحققين وهي لغة نوح وأبنائه، ونسبت إلى أبنه (سام).
وقد ترجمها العلماء الروس المختصون باللغات القديمة إلى اللغة الروسية، ثم ترجمها إلى الإنكليزية العالم البريطاني (اين ايف ماكس) أستاذ الألسن القديمة في جامعة (مانجستر). وهذا نصها مع تعريبها:
يا إلهي ويا معيني Omy God. My helper
برحمتك وكرمك ساعدني Keep my hands with merey
ولأجل هذه النفوس المقدسة(عليه السلام)nd with your holy bodies
محمد Mohamed
إيليا alia
شبر Shabba
شبير(76) Shabbir
فاطمة fatma
الذين جمعيهم عظماء ومكرمونThey are all biggest and honourales
العالم قائم لأجلهمThe world established for them
ساعدني لأجل أسمائهم Help me by their names
أنت فقط تستطيع أن توجهني نحو الطريق المستقيم(77) You can reform to Right
وأخيراً بقي هؤلاء العلماء في دهشة كبرى أمام عظمة هذه الأسماء الخمسة ومنزلة أصحابها عند الله تعالى حيث توسل بها نوح(عليه السلام).
واللغز الأهم الذي لم يستطع تفسيره أي واحد منهم هو عدم تفسخ هذه اللوحة رغم مرور آلاف السنين عليها.
وهذه اللوحة موجودة الآن في متحف الآثار القديمة في موسكو. [ترجم عن كتاب إيليا] من منشورات دار المعارف الإسلامية بلاهور باكستان، برقم 42.
محمد حسين النقوي

(ترجمة الدعاء من الروسية إلى الإنكليزية ومنها إلى الاوردية)

مصادر هذا الاكتشاف
لقد راجعت (محمد حسين النقوي) مترجم هذا المقال عن كتاب (إيليا) وطلبت منه رؤية الكتاب، فأبرزه لي، وإذا هو كتاب صغير الحجم، عدد صفحاته 45، وأسمه: إيليا مركز نجاة أديان العالم، واسم مؤلفه حكيم سيد محمود كيلاني، كان سابقاً من أهل الحديث من أهل السنة والجماعة، له تآليف عديدة، وقد عمل لفترة رئيساً لتحرير جريدة (أهل الحديث) ثم تشيع عن علم وبصيرة. أما تاريخ صدور الكتاب فهو 21 رمضان سنة 1381هـ.
يستند المؤلف المذكور في نقل هذا الاكتشاف العظيم إلى المصادر التالية(78):
مجلة روسية شهرية تصدر في موسكو، تجد أسمها في الكليشة الثالثة: ص120 (تفادينزوب) عددها تشرين الثاني سنة 1953.
مجلة (ويكلي ميرر) الأسبوعية Weekly Mirror اللندنية بعددها الصادر في 28 كانون الأول 1953.
مجلة (أستار) اللندنية Britania Star في عددها/ كانون الثاني 1954.
جريدة (سن لايت) Sunlight الصادرة في مانجستر 23 كانون الثاني 1954.
جريدة (ويكلي ميرر) اللندنية Weekly Mirror في 1/ شباط/ 1945.
جريدة (الهدى) القاهرية في 3 مارس 1954.
ملاحظة:
المصادر الأربعة الأخيرة نقلت ترجمة العالم البريطاني (إن أف ماكس) أستاذ الألسن القديمة في جامعة مانجستر.
ويصور في كتاب (إيليا) صورة كف كانت موضوعة على وسط اللوحة والكتابة مثبتة على نفس الكف وفوقها وتحتها(79).

تعليقنا على هذا الاكتشاف
هذا الاكتشاف العظيم جاء مؤيداً لما تقدم من الأخبار والأحاديث عن الصادق الأمين(صلى الله عليه و آله)، والتي كانت صريحة في بشارة الله لأنبيائه بنبيه وأهل بيته(عليه السلام) وتوسل الأنبياء بهم وأنهم خيرة خلق الله، وأن الله ما خلق الخلق إلا لأجلهم. ذلك أن بقاء هذه اللوحة سالمة من التفسخ رغم مرور آلاف السنين عليها، شيء خارق للعادة قطعاً، فبقاؤها (إذن) آية إلهية كبرى، أبقاها الله الذي هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء محيط، سالمة وأظهرها على أيدي أناسٍ لا يؤمنون إلا بالماديات والطبيعيات، لتكون تلك الآية حجة لله عليهم أولاً، وعلى كل من بلغته ثانياً، ولم يؤمن إيماناً قطعياً بالله ورسوله وأهل بيته وبفضلهم عند الله وتفضيله لهم على سائر خلقه، ورجحان التوسل والتقرب بهم إلى الله تعالى، وما أكثر آياته التي لا تحصى وما أتمها حجة على خلقه.
فوا عجباً كيف يُعصى الإله*** أم كيف يجحده الجاحد
ولله فــي كــل تــحــريـــكــة*** وفي كل تسكينة شاهد
وفـــي كـــل شـــيء لـه آية*** تــدل عــلــى أنه واحد
"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ" [فصلت/ 54-55].
أقرأ بتدبر وإمعان كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعض خطبه: "فأين تذهبون وأنى تؤفكون، والأعلام قائمة والآيات واضحة، والمنار منصوبة فأين يتاه بكم، بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم وهم أزمة الحق، وأعلام الدين وألسنة الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش. أيها الناس خذوها(80) من خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم أنه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلى منا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحق فيما تنكرون، واعذروا من لا حجة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر(81) وأترك فيكم الثقل الأصغر، وركزت فيكم راية الإيمان…الخ"(82).

دراسة تمهيدية لبشائر كتب العهدين بنبينا وأهل بيته
إن قيل: هل توجد البشائر بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته في كتب اليهود والنصارى المقدسة عندهم، الموجودة الآن بأيدهم أم لا؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال، نذكر لك أيها القارئ الكريم عدد كتبهم وأسماءها، وصورة موجزة عن بعض ما حوته هذه الكتب، وعن موضوع سندها، ثم نذكر لك نماذج من البشائر الموجودة فيها فنقول:
إن ما بأيدي اليهود والنصارى من الكتب المقدسة بزعمهم كثيرة، وكلها عندهم منسوبة إلى الوحي الإلهي والإلهام أما المنسوبة إلى موسى ومن بعده من كتبهم فتسمى بـ (العهد القديم)، والمنسوبة إلى عيسى ومن بعده تسمى بـ (العهد الجديد)، والمجموع يسمى بالعهدين، أو بـ (الكتاب المقدس).

عدد كتب العهدين بأسمائها
فالعهد القديم – وهو ما عند اليهود – عدد كتبه تسعة وثلاثون كتاباً، منها التوراة المنسوبة لموسى وهي مشتملة على خمسة أسفار: سفر التكوين (ويسمى سفر الخليقة أيضاً)
ومنها: ما هو منسوب إلى الوحي والإلهام إلى من بعد موسى من الأنبياء، وإلى ما قبل زمان المسيح، وهي كتب المؤرخين، اثنى عشر كتاباً، وهذه أسماؤها عندهم: كتاب يوشع، وكتاب قضاة بني إسرائيل، وكتاب راعوث، وكتاب صموئيل الأول، وصموئيل الثاني، وسفر الملوك الأول، والثاني، وسفر أخبار الأيام الأول، والثاني، والسفر الأول لعزرا، والثاني له، وسفر استيرنحيا.
ومنها: كتاب أيوب، وأحد لا غير.
ومنها: زبور داود المسمى عندهم بـ (مزامير داود)، واحد أيضاً.
ومنها: ثلاثة كتب لسليمان، وهي: الأمثال، والجامعة، وتسبيح التسابيح (ويقال له: نشيد الإنشاد).
ومنها: كتب النبوات، وهي سبعة عشر كتاباً: كتاب نبوة اشعيا، ونبوة أرميا، ومراثي أرميا، ونبوة حزقيال، ونبوة دانيال، ونبوة هوشع، ونبوة يوئيل، ونبوة عاموس، ورؤيا عوبديا، ونبوة يونان (وهو يونس بن متي)، ونبوة ميخا، ونبوة ناحوم، ونبوة حبقوق، ونبوة صفينا، ونبوة حجي، ونبوة زكريا، ونبوة ملاخي.
فهذه 39 كتاباً يزعمون أنها كتب إلهية مقدسة. والحال إن القرآن لم يذكر منها سوى توراة موسى وزبور داود.
وأما الذي عند النصارى من مقدسات الكتب من (العهد الجديد) فهي سبعة وعشرين كتاباً.
منها: الأناجيل الأربعة، (إنجيل متي، ومرقس، ولوقا، ويوحنا) جمعوا فيها بزعمهم هدي المسيح وبشائره.
ومنها: عدة رسائل، وهي 14 رسالة لبولس، كل رسالة لها أسم خاص باسم من أرسلها بولس إليهم، ويقال للمجموع: عدة رسائل.
ومنها: رسالة يعقوب، ورسالتان لبطرس، وثلاث رسائل ليوحنا ورسالة ليهوذا، ورؤيا يوحنا المسماة بـ (المكاشفات والمشاهدات).
فهذه 27 كتاباً ولم يذكر القرآن شيئاً من هذه الكتب المقدسة عند النصارى أصلاً. نعم، ذكر القرآن كتاباً سماوياً واحداً أنزله الله على عيسى بن مريم، سماه (الإنجيل) وهو مفقود قطعاً(83).
والنصارى وإن كانوا لا يعرفونه ولا يعترفون به ظاهراً، إلا أن في بعض كتبهم المقدسة التي مّر ذكرها لقطات تتضمن الاعتراف بأنه كان للمسيح كتاب أسمه الإنجيل، وأن جماعة يحاولون تغييره وتبديله جاء هذا مذكوراً بصراحة في (عدة رسائل) لبولس(84) كما أجمع مؤرخو النصارى على أنه كان في القرون الأولى للمسيح أناجيل كثيرة أخرى كتبت في القرنين الأولين من الميلاد أنهاها بعضهم إلى مائة ونيف من الأناجيل، ومن ضمنها الأناجيل الأربعة، ولكن رجال الكنيسة قد اختاروا منها الأناجيل الأربعة فقط ورفضوا الأخرى وتركوها.

ترجيح إنجيل برنابا على سائر الأناجيل
ومن جملة الأناجيل المتروكة عندهم (إنجيل برنابا). وبرنابا هو أحد حواري المسيح وتلاميذه المقربين كما تذكر هذا كتب النصارى نفسها، وأنه كان رجلاً صالحاً ممتلئاً إيماناً ومن الدعاة إلى دين المسيح(85) وإنجيله الذي جمع فيه هدي المسيح وبشائره سليم من الكفر والتناقض والخرافات الموجودة في كتب العهدين، وهو أرقى من الأناجيل الأربعة في العلم الإلهي والثناء على الخالق وفي علوم الأخلاق والآداب والفضائل، وهو يوافق في غالب قصصه في المسيح عيسى بن مريم ما قصه القرآن به، كما أنه يوافق القرآن في ما تضمنه من التوحيد لله، وأن عيسى عبد مخلوق لله، وعدم صلب المسيح وأنه قد شبه لهم، وما تضمنه من البشائر بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، الصريحة باسمه الشريف. وسننقل لك عنه بعض تلك البشائر.
وهذا الإنجيل كان سراً مكتوماً عند ذوي السلطة الدينية من النصارى، وكان خروجه من زوايا الخمول والتحجب إلى عالم الظهور والتبرز على نهج يشبه الاعجاز. وقد فصل بيانه مترجمه عن الإنكليزية إلى اللغة العربية، الدكتور خليل سعادة في مقدمة له على الإنجيل المزبور(86). وكان ظهوره قبل قرنين ونصف تقريباً.
والنسخة الوحيدة المعروفة الآن في العالم إنما هي نسخة إيطالية بالخط الإيطالي في مكتبة (بلاط فينا). وهي تعد من أنفس الذخائر والآثار التاريخية القديمة، ويقول خليل سعادة:-
أول من عثر على النسخة الإيطالية ممن لم يعف التاريخ أثرهم ولم تدرس الأيام ذكرهم هو (كريمرطولند) أحد مستشاري ملك بروسيا، وكان مقيماً وقتئذ في (امستردام) فأخذها سنة 1709م من مكتبة أحد مشاهير ووجهاء المدينة المذكورة، وأن الوجيه المذكور كان يحسب النسخة المنوه عنها ثمينة جداً فأقترضها (كريمرطولند) ثم أهداها بعد ذلك بأربع سنين إلى (البرنس أيوجين سافوي) الذي كان على كثرة حروبه ومعاركه ووفرة مشاغله السياسية شديد الولع بالعلوم والآثار التاريخية، ثم انتقلت النسخة المذكورة سنة 1738م مع سائر مكتبة البرنس المنوه عنه إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا حيث لا تزال هناك حتى الآن.
وقد ترجم هذه النسخة من اللغة الإيطالية إلى الإنكليزية العالم المحقق (لونسدال راغ) نائب مطران الكنيسة الإنكليزية في (فنيس) وعقيلته (لورا راغ)، وإصدارها مع الأصل الإيطالي.
وقد أذنا للدكتور خليل سعادة بمصر في ترجمة هذا الإنجيل إلى اللغة العربية عن ترجمتهما الإنكليزية(87) وترجمه إلى الفارسية أيضاً الحبر الفاضل سردار حيدر قلي بن نور محمد خان كابلى بإيران وطبعته شركة سعادت في كرمانشاه سنة 1311هـ شمسية.

بعض ما حوته كتب العهدين
والآن نعود إلى ذكر بعض ما حوته كتب اليهود والنصارى الموجودة الآن بأيديهم والتي يعتبرونها كتباً إلهية مستمدة من الوحي والإلهام، فنقول:
هذه الكتب التي ذكرت لك أسماءها، وخصوصاً منها ما يسمونه بـ (توراة موسى) و(الأناجيل الأربعة) وإن اعتبروها كتباً مقدسة ولكن الحقيقة انه لا يصح الاستناد إليها في أي موضوع من المواضيع الدينية والتاريخية وغيرها، ولا سيما ما تفردت بنقله مما يخالف الحق المتفق عليه، وما يخالف الأدلة الإسلامية، والتاريخ الثابت الصحيح.
ذلك انه قد ثبت بالأدلة القطعية تحريف الكتب المتقدمة وتبديلها وعدم بقائها كما أنزلت من عند الله على موسى وعيسى… فقد تلاعبت بها أيدي العابثين فغيرت وبدلت وقلبت الكثير من عبائرها قلب المجن ظهراً لبطن، وأسقطت الكثير مما أنزله الله على موسى وعيسى خصوصاً ما أنزل فيها من البشائر بنبينا(صلى الله عليه و آله)، كما أضافت إليها أشياء كثيرة مما ينافي قداسة الأنبياء، بل مما ينافي كونهم مؤمنين (والعياذ بالله).
….بل تجد فيها أكثر من ذلك، تجد نسبة عدم الإيمان إلى موسى وهارون. وأن هارون صنع لبني إسرائيل عجلاً يعبدونه من دون الله، وأن الله غضب عليهم لذلك، وأراد ان ينتقم منهم، ولكن موسى قال للرب: أن غفرت خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت (أي امحني من ديوان النبوة) وأن الرب ندم على الشر الذي قال انه يفعله بشعبه(88).
وتجد فيها نسبة الزنا والقتل والاحتيال إلى داود(عليه السلام) (89)، ونسبة الميل لعباده الأوثان إلى سليمان واتخاذه بيوتاً لها وإعراضه وميل قلبه عن الله(90)، ونسبة المعاصي وشرب الخمر الكثير إلى عيسى وغيره من الأنبياء(91)، مع أن الخمر محرم في كتبهم…
هذا إلى غير ذلك مما تقشعر منه الأبدان وتشمئز منه النفوس، بل تجد في كتبهم نسبة التجسيم والجهل والكذب والغش والاحتيال إلى الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً(92).
… ومضافاً إلى ما فيها من التناقض الصريح في نفسها، ومناقضة بعضها مع البعض الآخر، وغير ذلك مما تنادي بصراحة من أنها مفتراة على الله ورسله لاشتمالها على أنواع الخرافات والكفر والتناقض، التي لا يعقل أن تكون صادرة من إنسان عاقل مفكر، فكيف بالله واهب العقول والألباب والتفكير:
"فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" [البقرة/ 80].
وما أشرنا إليه مما اشتملت عليه هذه الكتب ظاهر لكل من تصفحها، وأمعن النظر في غضونها، وهي موجودة في اغلب المكتبات العامة، فراجعها لتعلم صدقنا في ما أشرنا إليه.
هذا وقد ألف علماء المسلمين في هذا الموضوع مؤلفات كثيرة مطبوعة ومنتشرة. منها كتاب (الفارق بين المخلوق والخالق) لمؤلفه عبد الرحمن الباﭼـه ﭼـي، وبهامشه (الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة) و(هداية الحيارى من اليهود والنصارى) ط، مطبعة التقدم بمصر سنة 1322.
وكذلك (إظهار الحق) لمّلا رحمة الله الهندي العثماني (جزءان)، المطبعة العامرة، سنة 1305.
و(الرحلة المدرسية) للعلامة المحقق شيخنا الشيخ محمد جواد البلاغي في ثلاثة أجزاء، المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف. و(الهدى إلى دين المصطفى) للعلامة البلاغي أيضاً، جزءان.
و(ماذا في كتب النصارى) للسيد محمد مهدي الحسيني الشيرازي مطبعة الآداب في النجف.
وأخيراً صدر في الأسواق، الجزء الأول من كتاب (البشارات والمقارنات بين القرآن والعهدين)، لمؤلفه العلامة البارع الأستاذ محمد الصادقي الطهراني. وهو كتاب قيم جليل، يحتوي على دروس مقارنة بين الكتب السماوية الثلاثة: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وفي أصول الدين وفروعه، والنبوات والأنبياء، والبشارات الموجودة في كتب الأنبياء، بحق الرسول الأعظم محمد(صلى الله عليه و آله) بصورة التساؤل والمناظرة.
ومجموع هذه الكتب الإسلامية قد ذكرت ما في كتب العهدين من أنواع الخرافات والكفر والتناقض بضبط أسمائها وأسماء المنتسبة إليهم وبتعيين أرقام إصحاحاتها وآياتها عندهم، واثبات بطلان ما فيها من أنواع الأباطيل بالأدلة القطعية المجمع عليها عند عقلاء العالم، "أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [البقرة/ 76].

سند التوراة والإنجيل في الميزان
على أنه ليس لليهود ولا للنصارى سند متصل الإسناد، يثبت أنها نفس الكتب المنزلة على موسى وعيسى، وقد اعترفوا هم أنفسهم بذلك واعتذروا بأعذار واهية.
وجاء في كتاب (القاموس المقدس) تأليف: مستر هاكس الأمريكي، ومدارك أخر، كما في (تفسير الميزان) للعلامة الطباطبائي ج3/ 340 بالنسبة إلى توراة موسى:
ان بخت نصر (نبوخذ نصر) ملك بابل استأصل جميع بني إسرائيل سنة خمسمائة وست وثمانين قبل المسيح فقتلهم وخرب ديارهم وخرب بيت الله المقدس، وأزال كل علامة دينية وجعل الهيكل تلاً من تراب وفقدت عند ذلك التوراة والتابوت الذي كانت تجعل فيه، وأخرج البقية الباقية من بني إسرائيل أسرى إلى بابل، وبعد خمسين سنة أخرجوا من الأسر.
وبعد سنة أربعمائة وسبعة وخمسين قبل المسيح جمع لهم شخص يسمى بـ (عزرا) العهد العتيق بزعمه، وما جمعه هو التوراة الدائرة اليوم المقطوعة الإسناد بموسى، إلا بواحد هو عزرا المجهول الهوية عندنا من كل الجهات، إذ لا نعرفه أولاً، ولا نعرف كيفية إطلاعه وتعمقه ثانياً، ولا نعرف مقدار أمانته ثالثاً، ولا من أين أخذ ما جمعه من أسفار التوراة رابعاً، ولا ندري بالإسناد إلى أي مستند صحح الأغلاط الواقعة أو الدائرة عندهم خامساً، وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن الاعتماد عليه بتاتاً، ولا على ما جمعه من التوراة.
وأما الأناجيل، فمع قطع النظر عن عدم اتصال السند(93) لو فرض كونها نفس الأناجيل التي ألفها مؤلفها فليست هي الإنجيل الواحد المذكور في القرآن، الذي انزل على عيسى، لأنها كتب ألفت وجمعت بعد عيسى، بل بعض مؤلفي تلك الكتب لم يدرك زمان عسى فكيف يمكن الاعتماد عليها؟
نعم يمكن ان يكن فيها بعض ما في الإنجيل المنزل على عيسى، وكذلك الحال في التوراة أيضاً ففيها بعض ما انزل على موسى.
إذا عرفت ذلك كله فاعلم أن من المواضيع المهمة التي لعبت فيها أيدي العابثين هي موضوع بشائر موسى وعيسى في التوراة والإنجيل بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، لعبت بها الأيدي الخائنة والعابثة بعد موسى، ومن بعد عيسى. ولعبت بها الأيدي أيضاً عند ترجمتها من لغة إلى أخرى من العبرية والسريانية مثلاً إلى اللغة اليونانية، ومنها إلى الكلدانية، ومنها إلى العربية، حيث إن عادة أهل الكتاب سلفاً وخلفاً أنهم يترجمون غالباً أسماء الأعلام فيوردون بدلها معانيها حسب أهوائهم وآرائهم، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد.
ولكن مع ذلك كله، وغير ذلك من الخبط والخلط والتحريف والتبديل، حيث ان بشائر موسى وعيسى بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) حقيقة ثابتة قد أكداها على الناس في وقتهما وصدعا بها في كل مناسبة مع تلاميذهما وحواريهما، لذا ما استطاعت يد التحريف إزالتها بالمرة، بل بقي من تلك البشائر حتى الآن الشيء الكثير الذي يصلح أن يكون حجة عليهم بعد حجة القرآن المجيد على كافة العباد.
وإليك بعد هذه الدراسة التمهيدية نماذج من بشائر كتب العهدين (القديم والجديد) نذكرها مقرونة بإيضاح موجز إتماماً للفائدة وإقامة للحجة.
ثم نذكر نماذج من بشائر إنجيل برنابا ليتضح لنا الفرق بين الحق والباطل، وبين المستقيم والمعوج.
كما نختم تلك البشائر ببشارة إدريس النبي(عليه السلام) في كتابه، بالخمسة الطيبة الطاهرة باسمائهم، وكونهم علة الإيجاد، إن شاء الله تعالى.

نماذج من بشائر العهد القديم بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته
البشارة الأولى
جاء في سفر التكوين، الإصحاح السابع عشر، ص20 من الترجمة المطبوعة في اولنمشدر شركة طرفندن معارف عمومية(94) من خطاب الله لإبراهيم(عليه السلام) ما نصه في العدد..
19. فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابناً، وتدعو أسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده.
20. أما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه واثمره وأكثره كثيراً جداً، اثنا عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة. (أو أجعله لشعب كبير، كما في النسخ القديمة).
إيضاح وتعليق
الخطاب هنا من الله لإبراهيم(عليه السلام) ، وقوله: وأجعله أمة كبيرة أو لشعب كبير يشير إلى نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) لأنه لم يكن في نسل إسماعيل من كان أمة كبيرة ولشعب كبير غيره(صلى الله عليه و آله)، إذ بعد إبراهيم ما كان نبياً لشعب كبير وأمة كبيرة غير موسى وعيسى وهما من نسل إسحاق بالاتفاق، ونبينا محمد(صلى الله عليه و آله) من نسل إسماعيل بالاتفاق أيضاً، فتكون هذه البشارة به دون غيره، وهي واضحة القرينة، وجاءت هذه البشارة من الله لإبراهيم صريحة في (إنجيل برنابا) في الفصل 43 من عدد 13-19، وفي الفصل 96 من عدد 8-9 أيضاً. وسنذكرها في (البشائر الصريحة).
ويؤيدها قول الله تعالى في القرآن المجيد حاكياً دعاء إبراهيم وإسماعيل في حقه(صلى الله عليه و آله) وحق ذريته الطاهرة: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [البقرة/ 128-130] (95).
والمراد من الرسول في قوله تعالى: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ" هو نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) بإجماع المفسرين بلا خلاف. ومن هنا كان(صلى الله عليه و آله) يقول: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى(96)، وقد أشار بقوله(صلى الله عليه و آله): "أنا دعوة أبي إبراهيم إلى قوله: "وأبعث فيهم رسولاً منهم" وبقوله: وبشارة عيسى، إلى قوله: "ومبشراً برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد" وإبراهيم دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله من ذريته – الذين هم بمكة – رسولاً إلا نبينا محمداً(صلى الله عليه و آله).
وقوله – في سفر التكوين -: (اثنا عشر رئيساً يلد) بشارة واضحة بالأئمة الاثنى عشر من أهل بيت نبينا(صلى الله عليه و آله) وهم من نسل إسماعيل، ولم يكن من نسله اثنى عشر رئيساً معروفين عند عامة الناس غير أئمتنا عليهم السلام. إذ أن الأنبياء كما بشروا بنبينا، بشروا أيضاً بأهل بيته كما مر عليك.
البشارة الثانية:
وجاء في سفر التثنية، الإصحاح الثالث والثلاثين، ص280، العدد الأول وما بعده:
وهذه هي البركة التي بارك فيها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته.
فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه شريعة لهم.
إيضاح وتعليق
المراد من مجيئه من سيناء: إعطاؤه التوراة لموسى من طور سيناء، وهو جبل معروف بسيناء –وعليه كلم الله موسى -. واشراقه لهم من سعير (أو ساعير على ما في أكثر النسخ): إعطاؤه الإنجيل لعيسى. وساعير هو الجبل الذي بالشام، كان فيه عيسى.
وتلألؤه من جبل فاران: إنزاله القرآن على نبينا، لأن (فاران) جبل من جبال مكة، كما جاء هذا في بيان حال إسماعيل من سفر التكوين، الإصحاح الحادي والعشرون، ص25 عدد (20) و(21) من أن: إسماعيل نما وسكن برية فاران. ومن المتفق عليه بين المسلمين والكتابين أن نشأة إسماعيل وترعرعه كان بمكة، فتكون هذه قرينة واضحة على أن المراد من تلألؤه من جبل فاران هو إنزاله القرآن على نبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، إذ لم يبعث نبي ولم ينزل كتاب مقدس في مكة على غيره.
وقوله: (وعن يمينه شريعة لهم) هي شريعة الإسلام الخالدة. والجدير بالذكر أن هذه البشارة جاءت من موسى قبل موته، كما في النص المذكور فتكون بشارة منه عند حضور أجله بعيسى وبنبينا من بعده، وعبروا عن هذه البشارة بالبركة التي بارك فيها موسى لبني إسرائيل، وما أدري ما بالهم يحيدون عنها.
البشارة الثالثة
وجاء في (مزامير داود)، المزمور الخامس والأربعون، ص73، ما نصه في العدد الأول وما بعده:
افاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك(97)، لساني قلم كاتب ماهر.
أنت أبرع جمالاً من بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك بارك الله (أي فيك) إلى الأبد.
تقلد سيفك على فخذك، أيها الجبار جلالك وبهاؤك.
وبجلالك اقتحم اركب، من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف(98).
نبلك المسنونة في أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون.
كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب(99) استقامة قضيب ملكك.
أحببت البر وأبغضت الآثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفاقك… إلى أن قال في الآية.
16. عوضاً عن آبائك يكون بنوك تقيمهم رؤساء في كل الأرض.
17. أذكر أسمك في كل دور فدور، ومن أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد.
إيضاح وتعليق
من المسلم به عند الكتابيين (يهود ونصارى) أن داود(عليه السلام) يبشر في هذا المزمور بنبي يكون ظهوره بعد زمانه، والحال انه لم يظهر (حتى الآن) نبي عند اليهود موصوف بالصفات المذكورة.
ويدعي علماء النصارى أن هذا النبي هو عيسى، ولا برهان لهم على هذه الدعوى، كما أن الصفات المذكورة في هذا المزمور غير منطبقة عليه تماماً ولا مجتمعة فيه. ويدعي المسلمون سلفاً وخلفاً أن هذا النبي المبشر به هو محمد(صلى الله عليه و آله)، إذ أن هذه الصفات كلها وجدت مجتمعة فيه(صلى الله عليه و آله) على أكمل وجه، وهي كونه:
أبرع جمالاً من بني البشر. وهذا ثابت في التاريخ لنبينا فقد كان أجمل أهل زمانه خلقاً، كما أنه أحسنهم خُلقاً. وفيه يقول حسان بن ثابت:
وأحسن منك لم تر قط عيني*** وأجمل منك لم تلد النساء
خُـلـقــت مـبـرئاً من كل عيب*** كأنــك قد خُلقت كما تشاء
كون النعمة منسكبة على شفتيه، ذلك بما آتاه الله من الفصاحة والبلاغة وبما جاء به من القرآن المجيد الذي أعجز فصحاء الأمم وبلغاءها.
كونه مباركاً إلى آخر الأبد.
كونه متقلداً بالسيف.
كونه قوياً يركب ويقتحم.
كونه ذا حق ودعة وبّر
كون هداية يمينه بالعجب.
كون نبله مسنونة في أعداء الله.
سقوط الشعوب تحته، أي خضوع الشعوب له.
استقامة حكمه.
كونه محباً للبر، مبغضاً للإثم.
كونه أفضل من رفقائه من الأنبياء السابقين عليه.
إقامة أبنائه رؤساء في كل الأرض بدل آبائهم، وهو صريح في نصوصه على إمامة أهل بيته الأثني عشر، كما أن عيسى لم يكن له أبناء بالإجماع ليقيمهم رؤساء وينص على خلافتهم.
كون اسمه يذكر في كل دور فدور، وهو صريح في الإعلان باسمه ورسالته على المآذن والمنابر في كل جيل كما هو الحال.
وكون الشعوب تحمده إلى آخر الأبد. وهو كناية عن أنه خاتم النبيين وصريح في أن الشعوب تحمده دائماً وأبداً.
صلى الإله ومن يحّف بعرشه*** والطيبون على المبارك أحمدا
البشارة الرابعة
وجاء في كتاب دانيال، الإصحاح الثاني، ص1081، عدد 44 ما نصه: (يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً، وملكها لا يترك لشعب آخر، وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد).
إيضاح وتعليق
يبشر النبي دانيال بالمملكة التي يقيمها إله السماوات وانها لن تنقرض أبداً، وهي مملكة الإسلام وشريعته الخالدة، وهي التي لن تنقرض حتى تقوم القيامة "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" [الرعد/ 18].
وقوله: (وملكها لا يترك لشعب آخر) إشارة إلى نبينا الذي لا نبي بعده ولا أمة بعد أمته، وفي هذا القول إشارة إلى بقاء حكم الإسلام وظهوره على الدين كله، كما صرحت بذلك الآية(100)، لذا أخبر بفناء الممالك وثبوت هذه المملكة الحقة إلى الأبد، وإلى قيام المصلح العام الذي يفني كل الممالك ويقيم تلك المملكة الإلهية الحقة وهو الحجة المهدي الثاني عشر من خلفائه صلوات الله عليهم.
البشارة الخامسة
وجاء في كتاب دانيال أيضاً، في الإصحاح السابع منه، بعد ذكر خراب ممالك الأرض، في العدد 13، ص1091، ما نصه:
(كنت أرى في رؤيا الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض).
وجاء في آخر الكتاب، الإصحاح الثاني عشر منه، ما لفظه: (طوبى لمن ينتظر).
إيضاح وتعليق
نرى في هذه التعابير ذكر المملكة الأبدية، وأنها تكون لابن الإنسان، والبشارة لمن ينتظرها.
والمقصود من ابن الإنسان إما نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وإما سمّيه ولده المهدي الذي يعيد مملكة الإسلام الحقة، ويملأ كل الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، فتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة بعد أن يعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً أبدياً لن يزول ولن ينقرض إلى يوم القيامة.
وهذا نظير ما جاء في الكتاب والسنة من قيام المصلح العظيم ومن معه من المؤمنين بعد نبي الإسلام لإقامة دولة الحق. قال تعالى في القرآن المجيد: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ" [الأنبياء/ 106].
وجاء مضمون الآية القرآنية في مزامير داود، المزمور السابع والثلاثون، حيث يبشر بهلاك الأشرار ونجاة الأبرار وأنهم يرثون الأرض إلى الأبد، وهذا نّص عبارته في ص728:
(الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد)- 28.
وفي نص 729:
(أما الأشرار فيبادون جميعاً عقب الأشرار ينقطع) – 38.
(أما خلاص الصـديقين فمن قبل الرب حصـنهم في زمان الضيق)–39.
(ويعينهم الرب وينجيهم وينقذهم من الأشرار ويخلصهم لأنهم احتموا به) – 40.
البشارة السادسة
ونظير هذه البشائر ما جاء في كتاب (نبوة حجي) الإصحاح الثاني، ص1148:
(لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة –6. وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت مجداً قال رب الجنود –7. لي الفضة ولي الذهب يقول رب الجنود –8. مجد هذا البيت الأخير أعظم من مجد الأول قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام يقول رب الجنود –9).
إيضاح وتعليق
المراد من عبارة: هذا البيت، وهذا المكان… هو الكرة الأرضية بمجموعها. واسم أو لقب (مشتهى الأمم) مترجم عن الأصل العبري الذي هو (حمدوت) (101) ومعناه: الذي تحمده الأمم كثيراً وهو معنى محمد وأحمد. فتكون هذه البشارة صريحة بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وان الأرض تكون بشريعته مليئة بالمجد.
وإنما تشتهيه كل الأمم وتحمده، لأن الأنبياء السابقين عليه بعثةً، بشروا أممهم به، وبأنه أفضلهم، وأن شريعته الخاتمة أكمل من شرائعهم.
وعبارة (مجد هذا البيت الأخير أعظم من مجد الأول) تكون بشارة ثانية بظهور سمّيه المهدي الذي تشتهيه وتنتظره كل الأمم ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وعندها يعم السلام والأمان الأرض بأسرها كما تواترت بذلك الأخبار.

نماذج من بشائر العهد الجديد بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته
البشارة الأولى
جاء في إنجيل متي، الإصحاح الرابع والعشرون، ص39:
11- ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين.
12- ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين.
13-ولكن الذي يصير إلى المنتهى فهذا يخلص.
14-ويكرز(102) ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى.

إيضاح وتعليق
ينبئ هذا الإنجيل لمتي على لسان عيسى - في هذه العبارات الصريحة – عن قيام دجالين كذابين كثيرين يّدعون النبوة والوحي والإلهام كذبا" وزوراً، وأنهم يضلّون بدعواهم هذه كثيراً من الناس وهذا ما وقع بالفعل، ودليله ما جاء به الكذابون من بعد عيسى – باسم الوحي والإلهام – من كتب العهد الجديد وكل كتاب منها أدخل فيه منتحله ما أدخل من الكفر والتضليل والخرافات والمتناقضات ونسبه إلى من نسبه من أنبياء الله حسب ما دعاه إليه شيطانه، وما دلّه عليه هواه ، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ" [الأنعام/ 113-114].
نعم، هكذا قد أضلوا (بما اقترفوا وافتعلوا) كثيراً من الناس، ولكثرة صدور الآثم من قبلهم باسم الدين بردت محبة الكثيرين من عامة الناس للدين والتدين وأصبحوا في جاهلية عمياء، مرتدين ومترددين.
ولكن هذا الإنجيل يبشر أخيراً بمجيء من يخلص العالم من ذلك الضلال وأنه يصير إلى المنتهى.
ونرى أن هذه البشارة هي بشارة بالمنقذ الأعظم نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين من الله لعباده، وهو الذي صار بنبوته إلى المنتهى إذ لا نبي بعده.
وقوله: (ويكرز ببشارة الملكوت) أي أن هذا المخلص يبشر بإقامة دولة الحق في جميع الأرض. وفي هذا إشارة واضحة إلى بشائر نبينا بقيام سمّيه وكنّيه وخليفته المهدي من أهل بيته في آخر الزمان، وأنه هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، بتجديد شريعة جده واقامة أحكامها في كل المسكونة كما تواتر هذا عنه(صلى الله عليه و آله).
ولعل المهدي هو المقصود من عبارة هذا الإنجيل: (ثم يأتي المنتهى).
ومما تجدر الإشارة إليه أن نظير ما أنبأ به إنجيل متي من قيام أنبياء كذبة – على حد تعبيره – وما بشر به من إتيان المخلص، الذي هو نبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، قد جاء في إنجيل برنابا أيضاً على لسان عيسى في الفصل 72، ص110 حيث قال:
(أما من خصوصي فإني قد أتيت لأهيئ الطريق لرسول الله الذي سيأتي بخلاص للعالم – 10. ولكن احذروا أن تغشوا لأنه سيأتي أنبياء كذبة كثيرون يأخذون كلامي وينجسون إنجيلي-11)…الخ ما سيأتي في البشائر الصريحة بنبينا من إنجيل برنابا.
البشارة الثانية
وجاء في إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع عشر، ص160، من الطبعة المذكورة:
(15- ان كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. 16- وأنا أطلب من الأب(103) فيعطيكم (معزياً) آخراً ليمكث معكم إلى الأبد. 17- روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم… 26- وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم….. 29- وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون).
البشارة الثالثة
وجاء في آخر الإصحاح الخامس عشر من (يوحنا) أيضاً ص161:
(26- ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب، روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي. 27- وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الأبتداء).
البشارة الرابعة
وجاء في (يوحنا) أيضاً، الإصحاح السادس عشر، ص162:
(7- لكني أقول لكم: انه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن ان ذهبت ارسله إليكم. 8- ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيئته….. 12- ان لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. 13- وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. 14- وذاك يمجدني).
إيضاح وتعليق
يبشر هذا الإنجيل على لسان عيسى في هذه الفقرات – على ما فيها من التحريف والاضطراب وسوء الترجمة – برسول آخر يرسله الله إليهم من بعده، ويصفه بصفات نراها منطبقة تمام الانطباق على نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأنه لم يأت بعد عيسى حتى الآن رسول انطبقت عليه كل هذه الصفات سواه. وهذه الصفات هي:-
انه (يمكث معهم إلى الأبد) أي تبقى شريعته قائمة في العالم إلى قيام الساعة فلا يأتي بعده نبي ولا رسول. فكانت دعوى نبينا انه خاتم النبيين ولا نبي بعده صادقة كما أخبر عيسى، حيث تم على مبعثه الشريف حتى الآن أربعة عشر قرناً تاماً ولم يبعث رسول من الله سواه، والحال ان أنبياء بني إسرائيل كانت تترى قبل عيسى.
وحيث ان الأرض لا يمكن أن تخلوا من حجة لله أقام نبينا(صلى الله عليه و آله) على أمته وحفظ شريعته من بعده خلفاء وأئمة هم مثال له، وهم أهل بيته وأخبر أن الأرض لا تخلوا من أحدهم، فهو(صلى الله عليه و آله) إذاً ماكث مع الناس إلى الأبد ببقاء شريعته ووجود حفظتها من بعده، أئمة الهدى من أهل بيته واحداً بعد واحد (كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة) على حد تعبيره(104).
انه (روح القدس، وروح الحق، والذي يرشدهم إلى جميع الحق): وهذا ظاهر الانطباق على نبينا. لأن ما جاء به عن الله عز وجل من العقائد والعبادات والأخلاق وسائر الآداب يتفق تمام الاتفاق مع الحق الصريح والعقل السليم والفطرة السليمة. كما شهد بذلك عقلاء العالم. وكان(صلى الله عليه و آله) أول المتحلين بالحق، الممثلين له، العاملين به.
كما تشهد بذلك سيرته الثابتة، وبذلك حضى بروح التقديس من الخالق المتعال، وأستحق أن يطلق عليه أنه (روح القدس) و(روح الحق).
أما قول الإنجيل –على حد تعبيره -: (الذي لا يستطيع العالم أن يتقبله) فالمراد من ذلك غالب الناس الذين هم عن الحق أبعد وإلى الباطل أقرب وأميل، ولا سيما اليهود والنصارى، حيث وجدوا أن لغة خاتم الأنبياء عربية ليست عبرانية ولا سريانية، وهو من نسل إسماعيل، ولم يكن من بني إسرائيل بل كان غريباً عنهم شعباً وقبيلة ولغة وبلاداً، وقد جاء بدين يخالف ما هم عليه من تحريف دينهم السابق على أيدي أسلافهم. وقد جرت العادة باتّباع طريقة الآباء والأسلاف خصوصاً في أمر الدين، فيشق على النفوس ترك المألوف وان كان باطلاً ويعسر عليها الانخراط في دين جديد وان كان حقاً، ولا سيما إذا كان الدين الجديد خلاف الشهوات الحيوانية. فلذا قال على حد تعبيره: (لا يستطيع العالم أن يقبله) والمراد من عدم الاستطاعة هو ما يلاقونه من الصعوبة على أنفسهم الأمارة بالسوء إذا قبلوه وصدقوا به.
وقوله في الإنجيل: (وأما أنتم فتعرفونه) المراد من المخاطبين بكلمة (أنتم): تلاميذه وخواصه من الحواريين الذين آمنوا برسالة عيسى وصدقوا بنبوته، فهم طبعاً يؤمنون بالرسول الذي يأتي بعده ويعرفونه من تأكيداته عليهم ووصـفه شـفاهاً لهم، وهم القليل: "وَقَلِيـلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ" [سبأ/ 14].
انه يعلمهم كل شيء ويذكرهم بكل ما قاله عيسى لهم. وهذا أيضاً ينطبق على نبينا وعلى ما جاء به من القرآن الذي فيه تبيان كل شيء، والشريعة الشاملة لكل ما يحتاجه الإنسان مما فيه سعادته وخيره في الدارين، وذكرهم بكل ما قاله عيسى لهم من أنه عبد الله ورسوله، وما دعا إليه من عبادة الله وحده لا شريك له.
وقوله: (وقلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون) تأكيد من عيسى على أمته بالإيمان بهذا الرسول إذا بعث بالرسالة من بعده.
وانه (ينبثق من عند الله): وهو كذلك، وقد أقام على رسالته من عند الله أنواع المعاجز الخارقة للعادة، ومنها معجزته الخالدة: القرآن المجيد.
وانه (يشهد لعيسى): أي برسالته وعبوديته وتبرئته مما روماه به المبطلون كاليهود وغيرهم. وقد شهد له بذلك كله في القرآن المجيد، وفي الأحاديث الثابتة الكثيرة.
وانه (خير لهم ان ينطلق عيسى، لأنه إن لم ينطلق لا يأتيهم هذا الرسول الذي مجيئه خير لهم من بقاء عيسى بين ظهرانيهم). وهذا معناه أنه أفضل منه، وشريعته أكمل وأشمل من شريعته فلذا يكون مجيؤه خيراً لهم.
وانه (متى جاء يبكت العالم على خطيئته) أي يوبخه على إفساده في العقائد والعبادات والأخلاق. وبالفعل قام نبينا عند بعثته في وجه العالم كله، مشمراً عن ساق الجد، حاسراً عن ساعد الاجتهاد لإزالة عقائدهم الباطلة وعباداتهم الفاسدة وأخلاقهم الذميمة، داعياً إلى عبادة الله وحده، متمماً لمكارم الأخلاق، آمراً بكل حسن، ناهياً على كل قبيح، موبخاً العالم على كل خطيئة.
وانه (لا يتكلم من نفسه بل ما يسمع به) وهذا مفاد قوله تعالى في نبينا: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى(4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم/4-6]، وقوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [يونس/ 16].
انه يخبرهم بأمور آتية قبل وقوعها. وهذا ما أثبته التاريخ الثابت الصريح المتفق عليه لنبينا من أنه أخبر بأمور وحوادث كثيرة قبل وقوعها، ثم وقعت كما أخبر.
انه يمجد عيسى ويمدحه. ونبينا مجد عيسى ومدحه بما هو أهله من المدح ونزهه عن مغالاة الآفكين، كما مدح أمه وأثنى عليها في القرآن وفي الحديث.
قال تعالى: "مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" [المائدة/ 76].
وقال(صلى الله عليه و آله) في كتابه إلى النجاشي ملك الحبشة – بعد الحمد لله - : "وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه…."(105).
هذه عشر صفات مما جاء في هذا الإنجيل من الصفات الكيرة للرسول الذي يأتي من بعد عيسى، وقد رأينا انطباقها تماماً على نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) دون غيره.
ولكن يا ترى ما أسم هذا الرسول المبشر به بهذه الصفات وغيرها؟ وهل ذكر أسمه عيسى أم لا؟.
يصرح القرآن – وهو حجة الله على جميع العباد، ومعجزة الرسول التي تحدى بها جميع المخلوقين إلى يوم القيامة – بأن عيسى بشر باسمه الصريح وأن اسمه (أحمد)، وأما الأناجيل التي بين أيدينا فتعبر عنه بتعابير مختلفة. فتارة تعبر عنه بلفظ (المعزي) كما في الترجمة التي نقلنا عنها، وتارة بلفظ (المخلص)، وأحياناً بلفظ (الفار قليط) أو (البير قليط) وهذه لفظة يونانية ومعناه بالعربية: رفيع المقام، سام، جليل….. وهي معان تقرب من معنى (محمد) و(احمد).
وبالقطع واليقين ان عيسى كان يتكلم باللغة العبرية، ونص كلامه مفقود قطعاً، فلعله نطق باسم (محمد) أو (احمد) ولكن المترجمين نقلوا الاسم بالمعنى لا بالنص، كما هي عادتهم في نقل اسماء الأعلام ولا سيما المتأخرين منهم. ولذا ترى النسخ والتراجم مختلفة.
والخلاصة أن هذه العبائر من إنجيل يوحنا على ما فيها من التحريف والاضطراب وسوء الترجمة – تثبت المطلوب من البشائر بنبينا ولله الحمد.
البشارة الخامسة
وجاء في كتاب رؤيا يوحنا اللاهوتي، المسمى بـ (المكاشفات والمشاهدات) في الإصحاح الثاني، ص376:
26- ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطاناً على الأمم.
27- فيرعاهم بقضيب من حديد كما تكسر آنية من خزف، كما أخذت أنا أيضاً من عند أبي.
28- وأعطيه كوكب الصبح.
29- من له اذْن ليسمع ما يقوله الروح للكنائس.
إيضاح وتعليق
المراد من الغالب الذي يعطيه الله سلطاناً على الأمم ويرعاهم بقضيب من حديد – أي السيف – هو نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) الذي أيده الله بقوته وأمده بنصر من عنده، وأعطاه سلطاناً كما قال تعالى في القرآن المجيد: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(2)لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(3)وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا" [الفتح/ 1-4].
والمراد من إعطائه (كوكب الصبح) إعطاؤه القرآن، أو القرآن والعترة الطاهرة التي قامت بنصره وحفظ شريعته. قال تعالى: "يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا" [النساء/ 174]. وقال تعالى: "فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" [التغابن/ 9] (106).
إلى هنا نكتفي من ذكر البشائر الأخرى الكثيرة في الأناجيل الأربعة، وفي سائر كتب العهد الجديد التي تنطبق على نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) حذراً من الإطالة.

ترقب أهل الكتاب للرسول المُبشر به في كتبهم
ومما لا ريب فيه (تاريخياً) أن اليهود والنصارى من بعد عيسى وإلى أن يبعث نبينا كانوا ينتظرون مجيء هذا الرسول المُبشر به في كتبهم.
ولذا لما بعث نبينا(صلى الله عليه و آله) وأعلن دعوته اعترف به كثير من رؤسائهم وملوكهم وعلمائهم، وصرحوا بأنهم كانوا ينتظرون رسولاً يبعث من بعد عيسى، وطبقوا تلك البشائر عليه نذكر بعضهم روماً للاختصار.
فمنهم: النجاشي ملك الحبشة. فانه لما وصل إليه كتاب نبينا(صلى الله عليه و آله) يدعوه إلى الإسلام قال: "أشهد بالله أنه النبي الذي ينتظره أهل الكتاب"، وكتب إلى النبي(صلى الله عليه و آله) جواب كتابه جاء فيه: "أشهد أنك صادق ومصدق. وقد بايعتك وبايعت ابن عمك(107). وأسلمت على يديه لله رب العالمين"(108).
فالنجاشي الذي كان قبل الإسلام نصرانياً أسلم حين تبين له الحق وأعترف أنه هو النبي الذي ينتظره أهل الكتاب.
وكتب المقوقس -ملك القبط في مصر – جواب كتاب النبي(صلى الله عليه و آله) له يقول:
(بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط. سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعوا إليه، وقد علمت أن نبينا قد بقي وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك) (109).
وجاء الجارود بن العلا(110) في قومه إلى رسول الله(صلى الله عليه و آله) فقال: والله لقد جئت بالحق، ونطقت بالصدق، والذي بعثك بالحق نبياً لقد وجدت وصفك في الإنجيل، وبشر بك ابن البتول، فطول التحية لك والشكر لمن أكرمك، لا أثر بعد عين، ولا شك بعد يقين، مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، ثم آمن قومه. وهذا الجارود كان من علماء النصارى وقد أقّر بأنه قد بشّر به ابن البتول أي عيسى عليه السلام(111).
فظهر لنا جلياً أن الكتابيين، ولا سيما المسيحيين منهم كانوا منتظرين لخروج نبي بشر به عيسى، وأن هذا المنتظر يومئذ هو نبينا الذي رسله الله إلى كافة الناس.
"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [الأعراف/ 159] (112).
البشائر الصريحة بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) في إنجيل برنابا وهي 12 بشارة
أولاً – جاء في الفصل (39) عند ذكر خلق آدم، ص58:
14- فلما انتصب آدم على قدميه رأى في الهواء كتابة تتألق كالشمس نصها: (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
15- ففتح حينئذ آدم فاه وقال: أشكرك أيها الرب إلهي لأنك تفضلت فخلقتني.
16- ولكن أضرع إليك أن تنبئني ما معنى هذه الكلمات، محمد رسول الله.
17- فأجاب الله: مرحباً بك يا عبدي آدم.
18- وإني أقول لك: إنك أول إنسان خُلقت.
19- وهذا الذي رأيته إنما هو أبنك الذي سيأتي إلى العالم بعد الآن بسنين عديدة.
20- وسيكون رسولي الذي لأجله خلقت كل الأشياء.
21- الذي متى جاء سيعطى نوراً للعالم.
22- الذي كانت نفسه موضوعة في بهاء سماوي ستين ألف سنة قبل أن أخلق شيئاً.
23- فضرع آدم إلى الله قائلاٍ: يا رب هبني هذه الكتابة على أظفار أصابع يدي.
24- فمنح الإنسان الأول تلك الكتابة على إبهاميه على ظفر إبهام اليد اليمنى ما نصه (لا إله إلا الله).
25- وعلى ظفر إبهام اليد اليسرى ما نصه (محمد رسول الله).
26- فقبل الإنسان الأول ذلك اليوم بحنو أبوي هذه الكلمات.
27- ومسح عينيه، وقال: بورك ذلك اليوم الذي ستأتي فيه إلى العالم(113).
ثانياً – وجاء في الفصل (41) في تمام قصة آدم وخروجه مع حواء من الجنة ص63:
30- فلما ألتفت آدم رأى مكتوباً فوق الباب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
31- فبكى عند ذلك وقال: أيها الابن عسى الله أن يريد أن تأتي سريعاً وتخلصنا من هذا الشقاء.

ثالثاً – وجاء في الفصل (42) ص64:
13- أجاب يسوع(114): إن الآيات التي يفعلها الله على يدي تظهر أني أتكلم بما يريد الله.
14- ولست أحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه.
15- لأني لست أهلاً أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله الذي تسمونه مسيا.
16- الذي خلق قبلي وسيأتي بعدي.
17- وسيأتي بكلام الحق ولا يكون لدينه نهاية.
رابعاً – وجاء في الفصل (43) ص67:
13- الحق أقول لكم: إن كل نبي متى جاء فإنه إنما يحمل لامّةٍ واحدة فقط علامة رحمة الله.
14- ولذلك لم يتجاوز كلامهم الشعب الذي ارسلوا إليه.
15- ولكن رسول الله متى جاء يعطيه الله ما هو بمثابة خاتم يده.
16- فيحمل خلاصاً ورحمة لأمم الأرض الذين يقبلون تعليمه.
17- وسيأتي بقوة على الظالمين.
18- ويبيد عبادة الأصنام بحيث يخزي الشيطان.
19- لانه هكذا وعد الله إبراهيم قائلاً: "انظر فأني بنسلك أبارك كل قبائل الأرض وكما حطمت يا إبراهيم الأصنام تحطيماً هكذا سيفعل نسلك". [وفي آخر هذا الفصل يعين أن نسله يكون من ولده إسماعيل لا إسحاق].
خامساً – وجاء في الفصل (44) ص69:
19- لذلك أقول لكم: ان رسول الله بهاء يسر كل ما صنع الله تقريباً.
20- لانه مزدان بروح الفهم والمشورة.
21- روح الحكمة والقوة.
22- روح الخوف والمحبة.
23- روح التبصر والاعتدال.
24- مزدان بروح المحبة والرحمة.
25- روح العدل والتقوى.
26- روح اللطف والصبر التي أخذ منها من الله ثلاثة أصناف ما أعطى لسائر خلقه.
27- ما أسعد الزمن الذي سيأتي فيه إلى العالم.
28- صدقوني أني رأيته وقدمت له الاحترام كما رآه كل نبي.
29- لأن الله يعطيهم روحه نبوة.
30- ولما رأيته امتلأت عزاً قائلاً "يا محمد ليكن الله معك وليجعلني أهلاً أن أحل سير حذائك".
31- لأني إذا نلت هذا صرت نبياً عظيماً وقدوس الله.

سادساً – وجاء في الفصل (72) ص110:
10- أما من خصوصي فأني أتيت لأهيئ الطريق لرسول الله الذي سيأتي بخلاص للعالم.
11- ولكن احذروا أن تغشوا لانه سيأتي أنبياء كذبة كثيرون يأخذون كلامي وينجسون إنجيلي.
12- حينئذ قال (اندراوس): يا معلم اذْكر لنا علامة لنعرفه.
13- أجاب يسوع: انه لا يأتي في زمانكم، بل يأتي بعدكم بعدة سنين حينما يبطل إنجيلي، ولا يكاد يوجد ثلاثون مؤمناً.
14- في ذلك الوقت يرحم الله العالم فيرسل رسوله الذي تستقر على رأسه غمامة بيضاء(115)، يعرفه أحد مختاري الله(116) وهو سيظهره للعالم.
15- وسيأتي بقوة عظيمة على الفجار ويبيد عبادة الأصنام.
16- واني أسر بذلك لأنه بواسطته سيعلن ويمجد الله ويظهر صدقي.
17- وسينتقم من الذين سيقولون أني أكبر من إنسان….
22- وسيجيء بحق أجلى من سائر الأنبياء وسيوبخ من لا يحسن السلوك في العالم.
سابعاً – وجاء في الفصل (96) ص146:
1- ولما انتهت الصلاة قال الكاهن(117) بصوت عال: قف يا يسوع لأنه يجب علينا أن نعرف من أنت تسكيناً لامّتنا. 2- أجاب يسوع: أنا يسوع بن مريم من نسل داود، بشر مائت ويخاف الله وأطلب أن لا يعطى الإكرام والمجد إلا لله. 3- أجاب الكاهن: انه مكتوب في كتاب موسى أن إلهنا سيرسل لنا مسيا الذي سيأتي ليخبرنا بما يريد الله وسيأتي للعالم برحمة الله. 4- لذلك أرجـوك ان تقول لنـا الحق هل أنت مسـيا الله الذي ننتظره. 5- أجاب يسوع: حقاً أن الله وعد هكذا ولكني لست هو لأنه خلق قبلي وسيأتي بعدي. 6- أجاب الكاهن: إنّنا نعتقد من كلامك وآياتك على كل حال أنك نبي الله وقدوس الله. 7- لذلك أرجوك باسم اليهودية كلها وإسرائيل أن تفيدنا حباً في الله بأية كيفية سيأتي مسيا. 8- أجاب يسوع: لعمر الله الذي تقف بحضرته نفسي(118) أني لست مسيا الذي تنتظره كل قبائل الأرض كما وعد الله أبانا إبراهيم قائلاً: بنسلك أبارك كل قبائل الأرض. 9- ولكن عندما يأخذني الله من العالم سيثير الشيطان مرة أخرى هذه الفتنة الملعونة بأن يحمل عادم التقوى على الاعتقاد بأني الله، وابن الله. 10- فيتنجـس بسـبب هذا كلامي وتعليمي حتى لا يكاد يبقى ثلاثون مؤمناً. 11- حينئذ يرحم الله العالم ويرسل رسوله الذي خلقت كل الأشياء لأجله….. 15- وسيكون من يؤمن بكلامه مباركاً.
ثامناً – وجاء في الفصل (97) ص149:
13- فقال حينئذ الكاهن: ماذا يسمى مسيا، وما هي العلامة التي تعلن مجيئه. 14- أجاب يسوع: ان اسم مسيا عجيب لأن الله نفسه سماه لما خلق نفسه(119) ووضعها في بهاء سماوي. 15- قال الله: اصْبر يا محمد لأني لأجلك أريد أن أخلق الجنة والعالم وجماً غفيراً من الخلائق التي أهبها لك حتى أن من يباركك يكون مباركاً، ومن يلعنك يكون ملعوناً. 16- ومتى أرسلتك إلى العالم أجعلك رسولي للخلاص، وتكون كلمتك صادقة حتى أن السماء والأرض تهنان ولكن إيمانك لا يهن أبداً. 17- أن أسمه المبارك محمد(صلى الله عليه و آله). 18- حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله أرسل رسولك، يا محمد تعال سريعاً لخلاص العالم.
تاسعاً – وجاء في الفصل (112) ص170:
15- لأن الله سيصعدني من الأرض، وسيغير منظر الخائن، حتى يظنه كل أحد إياي. 16- ومع ذلك فإنه لما يموت شر ميتة أمكث في ذلك العار زمناً طويلاً في العالم. 17- ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس، تزال عني هذه الوصمة.
18- وسيفعل الله هذا لأني أعترف بحقيقة مسيا الذي سيعطيني لهذا الجزاء أي أعرف أني حي وأني بريء من وصمة تلك الميتة.
عاشراً – وجاء في الفصل (124) ص188:
8- الحق أقول لكم: لو لم يمح الحق من كتاب موسى لما أعطى الله داود أبانا الكتاب الثاني. 9- ولو لم يفسد كتاب داود لم يعهد الله بإنجيله إليّ، لأن الرب إلهنا غير متغير ولقد نطق رسالة واحدة لكل البشر. 10- فمتى جاء رسول الله يجيء ليطهر كل ما أفسد الفجار من كتابي.
حادي عشر – وجاء في الفصل (163) ص254:
7- أجاب التلاميذ: يا معلم، من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم. 8- أجاب يسوع بابتهاج قلب: إنه محمد رسول الله. 9- ومتى جاء إلى العالم فسيكون ذريعة للأعمال الصالحة بين البشر، بالرحمة الغزيرة التي يأتي بها. 10- كما يجعل المطر الأرض تعطي ثمراً بعد انقطاع المطر زمناً طويلاً. 11- فهو غمامة بيضاء ملأى برحمة الله وهي رحمة ينثرها الله رذاذاً على المؤمنين كالغيث.
ثاني عشر – وجاء في الفصل (220) ص318:
19- فلما كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئاً في العالم، أراد الله أن يهزأ(120) الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي متّ على الصليب لكي لا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة. 20- وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله.

بشارة إدريس النبي(عليه السلام) بالأشباح الخمسة
يقول إدريس النبي(عليه السلام) في كتابه(121)حاكياً عن آدم(عليه السلام): …. إنه لما خلقني ربي بيده ونفخ من روحه جلست ناظراً إلى عرش ربي – فإذا بأنوار خمسة في غاية العز والجلال، والبهاء والكمال، - وقد أغرقتني وأولهتني بوارق أنوارهم!
قلت: رب! من هؤلاء؟
قال: هم أشرف خلائقي، وأبواب رحمتي، والوسائط بيني وبين خلقي.
"إني لِهو يَوه انا لِبرين وارخَ لا الشّماي ولا آل آرعا ولا البرس ولا الكيهن ولا الشمس ولا السَعر" (الأصل السرياني) أي لولاهم لما خلقتك،ولا السماء ولا الأرض، ولا الجنة ولا النار ولا الشمس ولا القمر.
قلت: يا رب! ما أسماؤهم؟ قال: أنظر إلى العرش حيث الأنوار القادسة فنظرت وإذا كتائب من نور.
بارَ قليطا – ايليا – طيطة – شبر – شبير – هَليلوه لِت آلهَ شُوق منّي "محمد(صلى الله عليه و آله) " انوىّ دَالة لكلّه عالم" (الأصل السرياني).
يعني: هم "محمد(صلى الله عليه و آله) " علي – فاطمة – حسن – حسين – هللوني وسبحوني يا خلائقي فلا إله إلا أنا ومحمد(صلى الله عليه و آله) رسولي".
"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا" [مريم/ 57-58] (122).
هذا آخر ما تيسر لنا ذكره من بحوث الصفة الرابعة من صفات نبينا في الآية المبحوث فيها "الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ".


1- راجع إذا شئت الجزء الخامس عشر من (البحار) للمجلسي باب 2 البشائر بمولده ونبوته من الرسل والأنبياء والأوصياء وغيرهم من سائر الخلق ص174 – 248. وقد ذكر شيخنا المجلسي في هذا الباب بعض الآيات القرآنية المبشرة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي سبعة عشر آية مع تفسـيرها، ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة في البشائر وهي (60) حديثاً، وذكر في ضمنها من بشر وآمن به صلى الله عليه وآله وسلم قبل بعثته كتبع الأول وكعب بن لؤي بن غالب وقس بن ساعدة الأيادي وبحيراء الراهب وسيف بن ذي يزن وغيرهم، كما ذكر أيضاً بعض من بشر به، وطبق البشائر عليه صلى الله عليه وآله وسلم في الجزء المذكور الباب الثاني (تاريخ ولادته وما يتعلق به).
وراجع كتاب (المناقب) لمحمد بن علي المعروف بابن شهراشوب المتوفى سنة 588هـ الجزء الأول باب ذكر سيدنا رسول الله (ص)، وفي أول هذا الباب فصل في البشائر بنبوته ص13 – 23، وشيخنا الصدوق في (كمال الدين) 1/265 – 307، وهكذا تجد البشائر بنبوته متواترة منتشرة في كتب التفسير والحديث والتاريخ لسائر المسلمين.
2- روضة الكافي ص101 ط النجف، ونقل عنه المولى محسن الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي عند تفسير الآية 3/617.
3- عقيدة التثليث عند النصارى هي أولاً يدعي ويقول جمهورهم من الملكانية واليعقوبية والنسطورية ثلاثة أقانيم جوهر واحد الأب والابن والروح القدس، ويقولون أيضاً الأب إله والابن إله وروح القدس إله، وهذه الثلاثة إله واحد، ويقولون أيضاً: الابن ليس هو الأب.
ويلزمهم من مجموع هذه الدعاوى الباطلة والأقوال المتناقضة أن تكون ثلاثة آلهة، في حين هم ينكرون أنهم يقولون إن الآلهة ثلاثة بل الكل إله واحد، والحال هذا القول – أي الآلهة الثلاثة – يلزمهم حتماً، وهو معلوم البطلان ببداهة العقل، بل مما يستنكف العقل عن تعقله، إذ أن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة، فكانوا بهذا القول المتناقض قد أشركوا بالله تعالى وكفروا به.
ولذا ذكر بعض الدعاة من النصارى أن مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذهب الأسلاف التي لا تقبل الحل بحسب الموازين العلمية.
ويجب على هذا الداعي أن يطالب بالدليل على كل دعوى تقرع سمعه، سواء كانت من دعاوى الأسلاف أو من دعاوى الإخلاف، وإلا يرجع عن تلك الدعوى ويبرأ منها بعد علمه وإقراره أنها لا تقبل الحل بحسب الموازين العلمية، وقد رد الله تعالى عليهم هذه الدعوى وتوعدهم على عدم الانتهاء عنها بالعذاب الأليم بقوله عز من قائل: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة المائدة/ 74].
هذا أولاً في عقيدتهم التثليثية، وثانياً اتخذ كثير من جماهير النصارى المسيح إلهاً وأمه إلهة والله ثالث الثلاثة، وقد أشار القرآن المجيد إلى هذا المعنى بقوله حاكياً خطابه لعيسى في يوم القيامة: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [سورة المائدة/117].
واتخاذ النصارى عيسى إلهاً معلوم مصرح به عندهم، حتى أنهم كتبوا على كتبهم المقدسة بزعمهم هذه العبارة (كتاب العهد الجديد لربنا ومخلصنا يسوع المسيح)، فيسوع المسيح عندهم رب وإله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وأما اتخاذهم أمه إلهة لأنهم يعبدونها ويخضعون لها بصلاة ذات دعاء وثناء واستغاثة، وصيام ينسب إليها ويسمى باسمها، وكل ذلك يقرن بالخضوع والخشوع لذكرها وصورها وتماثيلها، ويصرحون بوجوب العبادة لها، ولكنهم لا يطلقون كلمة (إله) عليها بل يسمونها (والدة الإله).
راجع تحقيق ذلك من طرقهم في تفسير المنار 7/263.
4- مجمع البيان 5/280، وقد نص على صحة الحديث وقال بعد ذكره: أورده البخاري في الصحيح ونقله أيضاً محمد دروزة في التفسير الحديث 8/217.
5- مجمع البيان 5/280، وتفسير الفخر الرازي 8/144.
6- قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أن اليهود كانوا يستفتحون – أي يستنصرون – على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب لم= =يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون به، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن أبي البراء وداود بن سلمة: يا معشر اليهود اتقوا الله واسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد يهد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم. فأنزل الله "وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" الآية. ذكر هذا الحديث شيخنا الطبرسي في مجمع البيان 1/158، والسيد الطباطبائي في الميزان 1/226. والسيوطي في الدر المنثور 1/88، وقال: اخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس.
وروى السيوطي في سبب نزول الآية روايات عديدة يؤيد بعضها بعضاً، ومنها ما في الدر المنثور 1/88: اخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال: كانت يهود بني قريضة والنضير من قبل إن يبعث محمد (ص) يستفتحون الله ويدعون على الذين كفروا ويقولون: اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلا نصرتنا عليهم فينصرون، فلما جاءهم ما عرفوا – يريد محمداً(صلى الله علي و آله) – ولم يشكوا فيه كفروا به.
7- امالي الصدوق ص279، واختصرها الفيض الكاشاني في الصافي 3/617.
8- الصخاب صيغة مبالغة، من (الصخب) بالتحريك، وهو شدة الصوت، من تصاخب القوم تصايحوا وتضاربوا، والصخب الصيحة واضطراب الأصوات عند المخاصمة. وفي الحديث "إياك أن تكون مصاخباً". ومترين من ران أي تغلب، والمراد أن نبينا لا يتغلب عليه. الفحش وقول الخناء، والحنا مرادف للفحش.
9- راجع مصادر هذا الحديث الشريف في كتاب احقاق الحق 5/132-243.
10- سورة الفتح/ 24. وراجع البحار ج23 باب (الاضطرار إلى الحجة) وباب آخر في اتصال الوصية ص1-65.
11- سنذكر بعض النصوص النبوية على أسماء خلفائه وألقابهم الشريفة فيما بعد أن شاء الله تعالى.
12- راجع قول ابن الجوزي، وقد ذكرناه في آخر بحوث الصفة الأولى والثانية في الذيل.
13- سورة الأنفال/ 25. والآية الكريمة في تعبيرها عامة في كل ما دعا إليه الرسول(صلى الله علي و آله) مما به الحياة السعيدة في الدارين ومما يلائم الفطرة السليمة من علم نافع وعمل صالح، ومن جملة ما دعا إليه(صلى الله علي و آله) وحث الأمة عليه ولاية علي(عليه السلام) وأهل بيته من بعده.
ويروي لنا بعض المفسرين، والمحدثين من الشيعة وأهل السنة عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام أن الآية الكريمة نزلت في ولاية علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ونكتفي من ذلك بروايتين:
أحدهما: يرويها شيخنا الكليني في روضة الكافي ص208 بسنده عن أبي الربيع الشامي قال. سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ"؟ قال: أنزلت في ولاية علي عليه السلام. ونقلها عنه صاحب تفسير الميزان 9/59.
الثانية: رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه في المناقب وصححها بإسناده مرفوعاً إلى الإمام الباقر عليه السلام إن هذه الآية قد نزلت في ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (انظر مناقب مرتضوي للعلامة محمد صالح الكشفي الترمذي ص56).
14- هذا الحديث الشريف من الأحاديث الشهيرة المستفيضة المروية من طرق الشيعة وأهل السنة، وإليك بعض مصادره من طرق أهل السنة، من رواه مسنداً منهم ومن أرسله إرسال المسلمات:
حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم الاصفهاني المتوفى سنة 420، 1/86. اخرجه بسنده عن ابن عباس لكنه ذكر بدل قوله "بأهل بيتي من بعدي" الأئمة من بعدي، وذكر بدل قوله "فهمي وعلمي" فهماً وعلماً.
كنز العمال لعلي المتقي الهندي الحنفي، أخرجه بسنده عن ابن عباس برقم 3819، ج 6/ 207.
المعجم الكبير للطبراني الشافعي المتوفى سنة 310 (المصدر السابق).
منتخب كنز العمال للهندي الحنفي المطبوع بهامش مسند أحمد ابن حنبل 5/94.
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 2/450 نقله عن الحلية بلفظ صاحب الحلية.
فرائد السمطين للعلامة الحمويني المتوفى سنة 722، أخرجه بسنده عن ابن عباس بلفظ صاحب الحلية في الباب 5 ص41.
ينابيع المودة للشيخ الحنفي في الباب 43 ص126، روى الحديث عن الحمويني بلفظ صاحب الحلية لكنه ذكر بدل قوله (بالأئمة من بعدي) بالأئمة من ولده من بعده. وذكره أيضاً في باب 59 ص313.
مفتاح النجا للعلامة البدخشي ص60 مخطوط، وقد أخرجه عن الطبراني في الكبير والرافعي في مسنده (انظر إحقاق الحق 4/112).
مسند الرافعي (كنز العمال 6/ 217 ومفتاح النجا 60).
تاريخ بغداد للحافظ الخطيب البغدادي 4/410.
15- بعض مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنة، وله عندهم فيما وقفنا عليه طريقان: طريق زياد بن مطرف الصحابي، وطريق من جهة أهل البيت عن الحسين عليه السلام.
كنز العمال الهندي الحنفي ج 6/ 155 برقم 2578، وقد أخرجه بسنده عن زياد بن مطرف الصحابي.
منتخب كنز العمال له أيضاً ج 5/32.
الإصابة لابن حجر العسقلاني بترجمة زياد بن مطرف 1/541، وقد:
أخرجه عن مطين.
والبارودي.
وابن جرير.
وابن شاهين.
وابن مندة. وعلق على الحديث ابن حجر العسقلاني بقوله: في إسناده يحيى بن يعلى وهو واه. وأجاب على تعليقه هذا سيدنا السيد عبد الحسين شرف الدين قدس الله روحه في المراجعات ص56 بأن: هذا غريب من مثل العسقلاني، فأن يحيى بن يعلى المحاربي ثقة بالاتفاق، وقد أخرج له البخاري في عمرة الحديبية من صحيحه وأخرج له مسلم في الحدود من صحيحه أيضاً، وأرسل الذهبي في الميزان توثيقه إرسال المسلمات، وعده الإمام العسقلاني وغيره ممن احتج به الشيخان وغيرهما.
منتخب ذيل المذيل لمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 بسنده عن زياد بن مطرف (إحقاق الحق ج4/ 107).
الكوكب الدري للسيد محمد صالح الحنفي ص111 بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من أحب أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويدخل الجنة التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب وذريته الطاهرين أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده، فأنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة" (مقام أمير المؤمنين للشريف العسكري ص61-62).
المناقب للحافظ أخطب خوارزم الحنفي المتوفى سنة 568 ص34، وقد خرجه بسنده عن أبي جعفر محمد الباقر عن أبيه علي ابن الحسين سيد العابدين عن أبيه الحسين بن علي الشهيد قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه يقول: " من أحب أن يحيا حياتي" الحديث، كما نقله محمد صالح الحنفي فيما تقدم إلا أن فيه زيادة "وأهل بيته الطاهرين" بعد كلمة "وذريته".
ينابيع المودة للشيخ سليمان الحنفي باب 43، خرج الحديث كما تقدم عن الخوارزمي الحنفي.
وأخرجه أيضاً عن زياد بن مطرف نقلاً عن الإصابة لابن حجر العسقلاني ص126-127.
وأخرجه أخطب خوارزم الحنفي في مقتل الحسين ج1/3.
16- بعض مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنة:
مستدرك الصحيحن للحافظ النيسابوري المتوفى سنة 405 ج3/128، أخرجه عن زيد بن أرقم وقال: هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (أي البخاري ومسلم). كنز العمال للهندي الحنفي ج6/155 برقم 2577 بسنده عن زيد بن أرقم أيضاً، وقد نقله عن مستدرك الحاكم وعن حلية الأولياء.
وعن المعجم الكبير للطبراني الشافعي المتوفى سنة 310.
منتخب الكنز له أيضاً 5/32.
حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني 1/86، وقد أخرجه عن حذيفة بهذا النص: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقصبة الياقوتة التي خلقها الله بيده (يريد القدرة الإلهية) ثم قال لها كوني فكانت فليتول علي ابن أبي طالب من بعدي".
ثم رواه بسند آخر عن زيد بن أرقم.
ورواه ثالثاً عن السدي عن زيد بن أرقم أيضاً.
ورواه عن ابن عباس، ورواه 4/176 عن حذيفة.
ونقله عنه ابن أبي الحديد 2/449، وعن:
كتابي مسند أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241.
وكتاب فضائل علي بن أبي طالب له أيضاً (المعروف بالمناقب).
كفاية الطالب لفقيه الحرمين العلامة الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 ص27 الباب التاسع، وقد رواه بسنده عن حذيفة بلفظ أبي نعيم المتقدم.
ميزان الاعتدال للحافظ الدمشقي 1/151 (إحقاق الحق 4/106).
لسان الميزان لابن حجر العسقلاني 2/34 (المصدر السابق).
الكواكب الدرية للعلامة عبد الرؤف المناوي 1/44 بلفظ أبي نعيم (المصدر السابق).
مفتاح النجا للعلامة البدخشي ص60 مخطوط بلفظ أبي نعيم (المصدر السابق).
ينابيع المودة للشيخ سليمان الحنفي باب 43 عن زيد بن أرقم 126.
وعن أبي سعيد الخدري بتغيير في بعض ألفاظ الحديث (المصدر السابق)، وقد أخرجه عن أحمد في مسنده وأبي نعيم في حليته.
فرائد السمطين للحمويني الشافعي باب 5 ج1/43 عن زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم.
17- روى هذا الحديث السيد علي بن شهاب الهمداني في كتابه مودة القربى في المودة 10 عن زيد بن حارثة، ونقله عنه الشيخ سليمان الحنفي في ينابيع المودة ص258.
18- روى الشيخ الجليل أبو الفتح الكراجكي في كتاب كنز الفوائد بسنده عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما تنبأ نبي قط إلا بمعرفة حقنا وتفضيلنا على سوانا (البحار 18/ 299).
19- راجع ما ورد في تفسيرها من طرق الشيعة البحار ج36 الباب 39 في سائر الآيات النازلة في أمير المؤمنين (ع) ص154-157 وراجعه أيضاً ج15/247 فأن فيه عن الجارود بن المنذر العبدي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للجارود: يا جارود ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله عز وجل إلي أن سل من رسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ فقلت: على ما بعثتم؟ قالوا: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما. ثم أوحى إلي أن ألتفت عن يمين العرش، فألتفت فإذا علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والمهـدي في ضحضاح من نور يصلون، فقال الرب: هؤلاء الحجج لأوليائي وهذا المنتقم من أعدائي. قال الجارود: فقال سلمان: يا جارود هؤلاء المذكورون في التوراة والإنجيل والزبور – الحديث.
روى المجلسي هذا الحديث عن كتاب (مقتضب الأثرى في النص على الأئمة الاثني عشر) لمؤلفه أحمد بن محمد بن عياش، وفي الذيل للناشر عّين رقم الصفحة 37-43 من المقتضب. قال: أخرجه أيضاً الكراجكي في كنز الفوائد ص256-258، ونقله المجلسي أيضاً عن الكراجكي في باب المعراج ج 18/ 293.
قول: وهو حديث طويل يتضمن بشارة قس بن ساعدة الايادي ونقلنا لك آخر الحديث الذي فيه تفسير النبي (ص) للآية الكريمة (واسأل من أرسلنا).
وراجع البحار أيضاً 38/ 41-62 الباب 58 1ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في الكتب السماوية وما بشر السابقون به وبأولاده المعصومين عليهم السلام، حيث ذكر في هذا الباب ثلاثة عشر بشارة بنبينا وأهل بيته مما رواه الفريقان، ومنها ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/ 288-289 من قصة الراهب وإسلامه على يد أمير المؤمنين وما أخرج له من الكتاب الذي فيه بشارة الله تعالى لعيسى وأمته بنبينا ووصيه علي أمير المؤمنين وصفاته، وأن علياً لما قرأ ذلك الكتاب بكى وقال(عليه السلام) الحمد لله الذي لم كن عنده منسياً، الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار – الخ.
20- الآلهة الموهومة المطاعة بغير أذن الله تعالى كثيرة:
منها – رؤساء الضلال ، قال تعالى أمراً باجتناب عبادتهم: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" [سورة النحل/36].
ومنها – الأحبار والرهبان بالنسبة إلى اليهود والنصارى، قال تعالى "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" [سورة التوبة/31].
ومنها – الشيطان الذي عهد الله لبني آدم كافة النهي عن عبادته (أي أطاعته)، قال تعالى "أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" [سورة ياسين/60].
ومنها – هوى النفس الأمارة بالسوء ، قال تعالى "أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا" [سورة الفرقان/43]. وصلوات الله على الحسين حيث يقول معبرا عن اكثر الناس: " الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون".
وصدق الله حيث قال: "وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" [سورة الحج/11].
21- سورة المائدة/ 54. راجع تفسير الآية والتحقيق حولها الميزان في تفسير القران 5/ 419 – 440.
22- دلائل الصدق 2/109.
23- تقدمت برقم 14.
24- راجع تفسير العياشي 1/41، والبحار 11/95 نقلاً عن الكافي للكليني، والميزان 1/149 نقلاً عن الكليني أيضاً، وعيون أخبار الرضا 1/306، ومعاني الأخبار ص42 (كما في البحار 11/193)، وتفسير التبيان 1/169، ومجمع البيان 1/89، وكشف اليقين (البحار 11/175)، وقصص الأنبياء للراوندي (المصدر السابق 181).
هذا وقد ذكر شيخنا المجلسي في البحار ج11 مصادر أخرى من مصادرنا في تفسير الكلمات في الآية بتوسل آدم عند توبته بالخمسة الأطهار، كما ذكر بعض المصادر لذلك فيه أيضاً 44/245.
25- ينابيع المودة، الباب 23، ص97 وص 238.
26- الغدير ج7/300، أرجح المطالب للشيخ عبيد الله الحنفي ص320.
27- نزهة المجالس ج2/186.
28- إحقاق الحق ج2/77.
29- الدر المنثور ج1/60.
30- الدر المنثور ج 1 / 60.
31- إحقاق الحق ج3/78.
32- الدر المنثور ج 1 / 60.
33- المصدر نفسه.
34- كنز العمال ج1/ 234.
35- ينابيع المودة، الباب 24، ص97 وص238.
36- إحقاق الحق ج9/102.
37- إحقاق الحق ج9/102.
38- إحقاق الحق ج9/102.
39- إحقاق الحق ج9/102.
40- ينابيع المودة ص97. وروى هذا الحديث شيخنا الصدوق في (معاني الأخبار) ص42، وفي كتابه (الخصال) في أبواب الخمسة، كما في (البحار) ج1/ 177، ورواه الصدوق أيضاً في (كمال الدين) ج2/ 28، ورواه السيد نعمة الله الجزائري في كتابه (النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين) ص91. وتمام الحديث: "قال المفضل: فقلت: يا بن رسول الله فأخبرني عن قول الله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) [الزخرف/29]، قال يعني الإمامة وجعلها الله في عقب الحسين إلى يوم القيامة".
41- ينابيع المودة، الباب 56، ص238.
42- ذكر هذا الحديث شيخنا المجلسي في (البحار) ج35/ 19 نقلاً عن كتاب (الروضة)، وكذلك في (روضة الواعظين) وفيه: "أبو الطفيل عامر بن واثلة"، ولعله هو الأصح.
43- إحقاق الحق، ج5/ 11.
44- هذه الحقائق أثبتتها الأخبار والأحاديث المتواترة من طرق الفريقين، كما قرأت في الأحاديث الماضية. وسنقرأ الأحاديث الصريحة في ذلك، والمؤيدة بالاكتشافات لآثار سفينة نوح – كما سيجيء قريباً – كما أن العقل لا يمنع ولا ينكر هذه الحقائق الثابتة لهم صلوات الله عليهم.
45- فرائد السمطين ج1/25، وأرجح المطالب ص461.
وهذا الحديث الشريف معروف بحديث الأشباح، وهو من الأحاديث الشهيرة عند الفريقين (السنة والشيعة) وقد نص علمائنا على صحته لرواية الثقاة له، وإليك ما علق عليه شيخنا المفيد المتوفى سنة 413 هـ في رسائله المعروفة بـ (رسائل الشيخ المفيد) حيث قال في 44 ما نصه: (والصحيح في حديث الأشباح الرواية التي جاءت عن الثقاة بأن آدم عليه السلام رأى على العرش أشباحاً يلمع نورها، فسأل الله عنها آدم الله إليه أنها أشباح رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وأعلمه أن لولا الأشباح التي يراها ما خلقه ولا خلق سماءً ولا أرضاً. والوجه فيما أظهره الله من الأشباح والصور لآدم عليه السلام ليدلّه على تعظيمهم وتبجيلهم، وجعل ذلك إجلالاً لهم ومقدمة لما يفرضه من طاعتهم، ودليلاً على أن مصالح الدين والدنيا لا تتم إلا بهم. ولم يكونوا في تلك الحال صوراً مجيبة ولا أرواحاً ناطقة، لكنها كانت صوراً على مثل صورهم في البشرية يدل على ما يكونون عليه في المستقبل من الهيئة والنور، والذي جعله عليهم دليلاً على نور الدين بهم وضياء الحق بحججهم. وقد روى ان أسماءهم كانت مكتوبة إذ ذاك على العرش، وأن آدم لما تاب إلى الله وناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه ومحلهم عنده فأجابه. وهذا غير منكر في العقول ولا مضاد للشرع المنقول. وقد رواه الثقاة المأمونون، وسلم لروايته طائفة الحق، فلا طريق إلى إنكاره والله ولي التوفيق).
46- غاية المرام، الباب الأول ص7.
47- غاية المرام للسيد هاشم البحراني، الباب 107، ص393.
48- لسان الميزان، ج3/ 346.
49- ينابيع المودة، باب 56، ص259.
50- المصدر السابق.
51- نزهة المجالس، ج2/ 180.
52- المناقب ص227.
53- وليد الكعبة، الكتاب الثامن من منشورات مكتبة أهل البيت العامة ببغداد، ص74. وقد وردت القافية في المصدر مفتوحة بلا ألف.
54- عيون أخبار الرضا، ج1/ 306.
55- ص42.
56- بحار الأنوار، ج11/164.
57- المجلس 43 ص151.
58- المجلس 39، ص131.
59- ورواه الطبرسي في (الاحتجاج) ج1/54، وصاحب كتاب (جامع الأخبار) ص8، ونقله عنهم المجلسي في (البحار) ج16/ 366.
60- في (عيون أخبار الرضا) ج2/ 55، أن الله أوحى إلى إبراهيم أن يتختم بهذا الخاتم.
61- تفسير القمي ج2/ 73. ورواه السيد الجزائري في (قصص الأنبياء) ص82.
62- المراد من الذكر لله هو ذكره سبحانه عندما أحل وحرم، راجع (البحار) ج93/ 151، باب ذكر الله تعالى. قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ" [الأعراف/202].
63- هنا سقط، حيث نقل هذا الحديث المجلسي في (البحار) ج16/ 361 نقلاً عن (معاني الأخبار) لشيخنا الصدوق ص20 وفيه: [إن مثل أهل بيته فيمن خلقت].
64- تفسير القمي ج1/ 242-243.
65- المصدر السابق ج1/ 354.
66- كما روى أيضاً في ص144 توسل يوسف إلى الله – وهو في السجن – بمحمد وأهل بيته (ع) عن قصص الراوندي بإسناده عن الشيخ الصدوق، عن أبيه، عن الصفار، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنه قال: ولما كان يوسف في السجن، دخل عليه جبرئيل فقال: أن الله ابتلاك وابتلى أباك، وان الله ينجيك م هذا السجن، فأسأل الله بحق محمد وأهل بيته أن يخلصك مما أنت فيه. فقال يوسف: اللهم إني أسألك بحق محمد وأهل بيته إلا عجلت فرجي وارحتني مما أنا فيه. قال جبرئيل(عليه السلام): فأبشر أيها الصديق فأن الله يخرجك من السجن إلى ثلاثة أيام ويمّلكك مصر وأهلها…" الحديث.
67- عرائس التيجان ص157 ط بمبي و ص67 ط مصر.
68- سيوافيك حديث النور هذا في الفصل السابع من بحث خاتمة الآية.
69- راجع ترجمة الشاعر وشعره في (الغدير) ج6/ 336 إلى آخر الجزء.
70- راجع ترجمة الشاعر وشعره في (الغدير) ج7/ 3-23.
71- همى الماء: سال لا يثنيه شيء. الواكف: المطر المنهل.
72- أشار شاعرنا في هذا البيت والذي قبله إلى ما ورد في تفسير قوله تعالى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا …إلى قوله: قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ " [البقرة/ 32، 33، 34].
73- سنوافيك أيها المطالع الكريم بحديث النور، وتقسيمه من عبد المطلب إلى: عبد الله، وأبي طالب، وإلى أمنة بنت وهب، وفاطمة بنت أسد، في الفصل السابع من بحوث الآية.
74- الغبي: المجهول المستور، راجع ترجمة الشاعر وشعره في (الغدير) ج7 ص24-32.
75- نقلنا هذه الأبيات من كتاب (من كنت مولاه) ج8/ 145 للأستاذ العلامة الشيخ عبد المنعم الكاظمي رحمه الله.
76- إليا: اسم علي أمير المؤمنين (ع)، سماه الله تعالى به في التوراة، على ما رواه شيخنا الصدوق في (الامالي) في المجلس 35، ص115، وعلى ما رواه شيخنا الكليني في (فروع الكافي) ج4/ 183 ونقله عنه شيخنا المجلسي في (البحار) ج38/ 62، وشيخنا المفيد في (الإرشاد) في ذكر وقعة خيبر.
وشبر وشبير: هما الحسن والحسين حيث تواترت الأخبار عن نبينا الصادق الأمين من طرق علماء المسلمين من الشيعة وأهل السنة أنه (ص) سمى أبناء علي حسناً وحسيناً ومحسناً بأسماء أبناء هارون: شبر وشبير ومشبر. وفي بعض الأحاديث تصريح بأنه (ص) سماهم بذلك بوحي خاص من الله على لسان جبرئيل. وإليك الإشارة إلى بعض المصادر من طرق أهل السنة التي ذكرت تسمية النبي لأبناء علي بأسماء أبناء هارون: روى ذلك البخاري صاحب الصحيح في كتابه (الأدب المفرد) ص120، بسنده عن هانىء بن هانىء، عن علي (ع) في حديث يقول في آخره: (ثم قال (ص): إني سميتهم بأسماء ولد هارون، شبر وشبير ومشبر) فضائل الخمسة ج3/169.
ورواه احمد بن حنبل في (مسنده) ج1/ 98.
ورواه الحاكم في (مستدرك الصحيحين) ج3/165، وعلق عليه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ورواه الحافظ الذهبي في (تلخيص المستدرك) ونص على صحته أيضاً.
ورواه البيهقي في (سننه) ج6/ 165، وج7/ 63. أنظر (فضائل الخمسة ج3/170).
ورواه ابن الأثير في (اسد الغابة) ج2/10، وج4/368 بذيل (الإصابة) في ترجمة الحسن(عليه السلام).
ورواه ابن عبد البر في (الاستيعاب) ج1/ 368 بذيل (الإصابة) في ترجمة الحسن(عليه السلام).
ورواه المتقي الهندي الحنفي في (كنز العمال) ج6/ 221، عن جمع من أئمة الحديث. وروى حديثاً آخر عن الطبراني وابن عساكر عن علي(عليه السلام) قال: أما حسن وحسين ومحسن فإنما سماهم رسول الله(صلى الله علي و آله).
وروى ابن حجر في (الصواعق المحرقة) ص115، قال: اخرج البغوي، وعبد الغني في (الإيضاح) عن سلمان: أن النبي(صلى الله علي و آله) قال: سمى هارون أبنيه شبر وشبيراً، وإني سميت أبني، الحسن والحسين بما سمى به هارون أبنيه.
ورواه المتقي أيضاً في (كنز العمال) عنهما، وعن ابن عساكر.
وروى محب الدين الطبري الشافعي في (ذخائر العقبى) ص120، تحت عنوان (ذكر أن تسميتهما الحسن والحسين كانت بأمر الله تعالى)، قال: "وعن أسماء بنت عميس قالت: قبلت فاطمة بالحسن فجاء النبي(صلى الله علي و آله) فقال: يا أسماء هلمي أبني فدفعته إليه في خرقة صفراء، فألقاها عنه قائلاً: ألم أعهد إليكن أن لا تلفوا مولوداً بخرقة صفراء؟ فلففته بخرقة بيضاء، فأخذه وأذن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم قال لعلي: أي شيء سميت أبني؟ قال: ما كنت لأسبقك بذلك، فقال: ولا أنا أسابق ربي، فهبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد: إن ربك يقرؤك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى، لكن لا نبي بعدك، فسم ابنك هذا باسم ولد هارون فقال: وما كان اسم ابن هارون يا جبرئيل؟ قال: شبر! فقال(ص : إن لساني عربي، فقال: سمه الحسن، ففعل(ص، فلما كان بعد حول، ولد الحسين فجاء نبي الله(صلى الله علي و آله) …" وذكرت مثل الأول وساقت قصة التسمية مثل الأول، وأن جبرئيل عليه السلام أمره أن يسميه باسم ولد هارون، شبير، فقال النبي(صلى الله علي و آله) مثل الأول: فقال: سمه حسيناً.
77- وترجم أحد الأخوان هذه العبارات على النحو التالي:
(يا إلهي ومعيني. أدم يدي برحمتك، وبالأجسام المقدسة عندك: محمد، شبر، إيليا، فاطمة، شبير، انهم جميعاً أعظم وأكثر احتراماً وان العالم قد خلق من أجلهم. ساعدني بجاه أسمائهم، ووجهني إلى الصراط المستقيم).
78- ترجم هذه المصادر عن الاوردية محمد حسن النقوي، وهو ابن السيد مصطفى النقوي، الذي كان مديراً فنياً في مشروع الماء والكهرباء في النجف الأشرف سابقاً.
79- ونشرت هذا الاكتشاف – عن مجلة (البذرة) – الجمعية الخيرية بكربلاء في نشرة خاصة، ونقله عن تلك النشرة العلامة الشيخ عبد المنعم الكاظمي في تأليفه القيم (من كنت مولاه) ج8 ص146، كما نقله عن تلك النشرة أيضاً الأستاذ الجليل أحمد أمين في سفره الممتع (التكامل في الإسلام) ج7 ص46، جزى الله الجميع عن أهل البيت خير الجزاء.
80- أي خذوا هذه القضية عنه(صلى الله علي و آله) وهي (أنه يموت الميت من أهل البيت وهو في الحقيقة غير ميت) لبقاء روحه ساطعة النور في عالم الظهور، كذا قال الشيخ محمد عبده وغيره.
81- عمل أمير المؤمنين(عليه السلام) بالثقل الأكبر وهو القرآن، وترك الثقل الأصغر وهو ولداه، ويقال عترته قدوة للناس، كذا قال الشيخ محمد عبده وغيره من شراح النهج.
82- النهج ج1 ص152 من الخطبة 83. (المراجعات ص44).
83- اقرأ – في كتاب (البشارات والمقارنات) ج1 ص9 – للعلامة البارع الدكتور الشيخ محمد الصادقي،المناظرات (حول إنجيل المسيح) التي دارت بينه وبين مدير المكتبة الإنجيلية بطهران (شارع قوام السلطنة) وذلك في بعض مراجعاته إلى تلك المكتبة، وكان المدير من علماء الإنجيل، فإنها بحق مناظرات قيمة وظريفة، وحلوة حسب تعبير المؤلف عنها، وقد عنون تلك المناظرات بعناوين كثيرة منها: هل يوجد هناك إنجيل المسيح؟ مدخل المناظرات، نبي بلا كتاب…الخ.
84- منها رسالته إلى أهل غلاطية، الإصحاح الأول ص281، آية 6: (إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر – 7. ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدوا أن يحولوا إنجيل المسيح) أي: يغيرونه.
85- راجع كتاب (أعمال الرسل) للوقا، الإصحاح الحادي عشر من عدد 21، إلى 30، ص192.
86- راجع المقدمة لإنجيل برنابا، ط مطبعة محمد علي صبيح وأولاده بالأزهر سنة 1958م.
87- ترجم خليل سعادة إنجيل برنابا إلى العربية سنة 1325هـ وطبع يومئذ بمطبعة المنار.
88- راجع الإصحاح (32) من سفر الخروج من أوله إلى آخره خمساً وثلاثين آية، من ص117 حتى ص119، ط معارف عمومية.
89- راجع صموئيل الثاني، الإصحاح (11) من الآية الثانية وما بعدها ص420.
90- راجع سفر الملوك الأول، الإصحاح (11) الآيات الأولى منه، ص467.
91- راجع إنجيل لوقا، الإصحاح السابع، آية 33-36، ص95 والإصحاح (22) منه آية 14-18، ص125. وراجع إنجيل يوحنا الإصحاح الثاني، الآيات الأولى منه، ص134. وراجع سفر التكوين الإصحاح (19) من آية 30 إلى 38، ص23… تجده يصرح بأن لوطاً شرب الخمر في ليلتين متواليتين، وفي كل ليلة يزني بواحدة من ابنتيه، وولدتا منه معاً، وكانت منهما ذرية باقية…الخ. تقدس أنبياء الله مما ينسبه إليهم المرجفون والدجالون.
92- راجع سفر التكوين، الإصحاح الثالث، ص3 من عدد 1- حتى عدد 34، وغيره من إصحاحاتهم.
93- فصل عدم اتصال سندها إلى أربابها من مصادرهم العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج3/ ص341-345 فراجع.
94- كلما نقلنا وننقل من كتب العهدين في كتابنا هذا، إنما ننقله عن هذه الطبعة التي أشرنا إليها.
95- راجع تفسير الآيات وتحقيق المراد من الأمة المسلمة لله، في (تفسير الميزان) للسيد محمد حسين الطباطبائي ج1/299.
96- (مفاتيح الغيب للفخر الرازي ج1/ 493، و(مجمع البيان) ج1/ 210، و(تفسير الميزان) ج1/ 289، و(تفسير ابن كثير) ج1/ 184. ورواه من عدة طرق، ورواه السيد محمد= =رشيد رضا عن احمد بن حنبل في تفسير (المنار) ج1/ 472. وهو من الأحاديث الشهيرة، ورواه السيوطي في (الدر المنثور) ج1/ 139.
97- لفظة الملك هنا كناية عن الله عز وجل.
98- في بعض النسخ: (وتهدي بالعجب يمينك) ولعله هو الأصح.
99- المراد من القضيب هو العصا.
100- وهي قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" [التوبة/ 33].
101- كما نص على ذلك محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار) ج9/ 298.
102- يكرز كلمة سريانية معناه ينادي بالبشارة.
103- تكررت كلمة (الأب) كثيراً في كتب العهد الجديد، وخاصة في الأناجيل الأربعة، وتطلقها غالباً على الله، بزعم أنه هو الأب، وعيسى هو الابن، "قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا" [الكهف/ 5-6].
هذا وينهى إنجيل متي أن يدعى أحد على وجه الأرض أباً، لأن الأب واحد، وهو بزعمه في السماوات، تعالى الله عن المكان والمسكن، كما يشدد هذا الإنجيل النكير ويتوعد بالويل من يعلي نفسه ويسميها أبا من الكتبة والفريسيين. وإليك نص عبارته في الإصحاح الثالث والعشرين ص38:
ولا تدعوا لكم أباً على الأرض، لأن أباكم واحد، الذي في السماوات.
ولا تدعوا معلمين، لأن معلمكم واحد وهو المسيح.
وأكبركم يكون خادماً لكم.
فمن يرفع نفسه يتضع.
ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تغفلون ملكوت السماوات قدام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون…الخ.
فالمسيحيون خالفوا إنجيلهم هذا، ولم يهتموا بهذا التهديد، فأطلقوا كلمة (الأب) على رؤسائهم كما هو الرسم الجاري عندهم قديماً وحديثاً، كقولهم: الأب فلان، والبابا فلان، والأباء اليسوعيون، ودار الكتب البابوية، والقصر البابوي…الخ.
كما دعوا معلمهم المسيح رباً وإلهاً، واتخذوا كبراءهم الذين هم خدام (حسب نص الإنجيل) أرباباً يطاعون في كل ما يأمرون وأن خالفت أوامرهم الأناجيل وتهديداتها. وصدق الله إذ قـال حاكياً عنهم وراداً عليهم: "وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" [التوبة/ 30-31].
104- حديث للنبي(صلى الله علي و آله) قاله لعلي(عليه السلام) جاء في آخره: "ومثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم، كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة". رواه الحمويني الشافعي في (فرائد السمطين) ج2/ باب 46، بسنده المتصل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ورواه الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) باب 44/ ص130. ورواه السيد أبو محمد البصري في (انتهاء الإفهام) ص206. كما في: (إحقاق الحق) ج4/ص482. كما رواه شيخنا الصدوق في (الآمالي) المجلس 45، ص162.
105- (مكاتيب الرسول) لعلي بن حسين الأحمدي، ج1 ص121، وقد نقله عن أكثر من عشرين مصدراً تاريخياً بصحائف مرقمة، كما أثبت للكتاب صورة فوتوغرافية اكتشفت حديثاً، نقلها عن كتاب (مجموعة الوثائق) للبروفسور الهندي ص45، وإن له بحثاً حول هذا الاكتشاف.
106- وسيأتيك التحقيق حول المراد من النور الذي انزل، في بحث قوله تعالى: "فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ".
107- هو جعفر بن أبي طالب (ع) الذي جعله النبي (ص) أميراً على المهاجرين إلى الحبشة، وهو من عظماء أهل البيت ومن أجلة الصحابة ومن السابقين إلى الإسلام وممن أبلى في سبيله بلاء حسنا.
108- راجع كتاب النبي (ص) إلى النجاشي له، وإسلامه في كتاب (مكاتيب الرسول) لمؤلفه علي بن حسين الأحمدي ج1 ص121-132، وفيه تصوير فوتوغرافي لكتاب النبي (ص) إلى النجاشي.
109- راجع ما دار بين الرسول (ص) والمقوقس، وما مدح به النبي، وما أهدى إليه. المصدر السابق ص97-104.
110- نقل شيخنا المجلسي في (البحار ج15/241) عن كتاب (مقتضب الأثر في النص على الأئمة الاثنى عشر) لأحمد بن محمد بن عياش أنه: الجارود بن المنذر العبدي (أي من عبد القيس) قال: وكان نصرانياً فأسلم عام الحديبية، وحسن إسلامه، وكان قارئاً للكتب عالماً بتأويلها بصيراً في الفلسفة والطب، وروى عنه نفسه كيفية وفوده على رسول الله مع قومه من رجال عبد القيس، وإسلامه، وإسلام قومه في قصة مطولة جاء في آخرها أنه قال: فأنصرفت بقومي وقلت:
أتيتك يا بن آمنة الرسولا*** لكي بك أهتدي النهج السبيلا
فقلت وكان قولك قول الحق*** وصدق ما بدا لك أن تقولا
وبصرت العمى من عبد قيس*** وكل كان من عمهٍ ضليلا
111- تفسير المنار ج9 ص281.
112- وهي الآية التالية للآية المبحوث فيها.
113- روي عن الإمام الرضا (ع) أنه قال: (كان نقش خاتم آدم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، هبط به معه من الجنة) قصص الأنبياء للسيد نعمة الله الجزائري ص21,
114- يسوع، هو عيسى.
115- يؤيد هذا ما رواه شيخنا الصدوق في (كمال الدين) ج1 ص294 بسنده مرفوعاً: أنه لما بلغ رسول الله(صلى الله علي و آله) إرادة أبي طالب أن يخرج إلى الشام في عير قريش فجاء رسول الله وتشبث بالزمام فقال: يا عم على من تخلفني، لا على أم، ولا على أب، وقد كانت أمه توفيت فرق له أبو طالب ورحمه وأخرجه معه، وكانوا إذا ساروا تسير على رأس رسول الله(صلى الله علي و آله) غمامة – وفي بعض النصوص غمامة بيضاء – تظله من الشمس، فمرا في طريقهم برجل (راهب) يقال له بحيرا فلما رأى الغمامة تسير معهم، نزل من صومعته واتخذ لقريش طعاماً وبعث إليهم يسألهم أن يأتوه، وقد كانوا نزلوا تحت شجرة فبعث إليهم يدعوهم إلى طعامه، فقالوا له: يا بحيرا والله ما كنا نعهد هذا منك، قال: قد أحببت أن تأتوني، فأتوه وخلفوا رسول الله(صلى الله علي و آله) في الرحل فنظر بحيرا إلى الغمامة قائمة فقال لهم: بقي منكم أحد لم يأتني؟ فقالوا: ما بقى منا إلا غلام حدث خلفناه في الرحل فقال: لا ينبغي أن يتأخر عن طعامي أحد منكم، فبعثوا إلى رسول الله(صلى الله علي و آله) فلما أقبل قبلت الغمامة. فلما نظر إليه بحيرا قال: من هذا الغلام قالـوا: ابن هذا وأشاروا إلى أبي طالب، فقال له بحيرا: هذا أبنك قال أبو طالب: هذا ابن أخي قال: ما فعل أبوه قال: توفي وهو حمل فقال بحيرا لأبي طالب: رد هذا الغلام إلى بلاده فانه ان علمت منه (به خ ل) اليهود ما أعلم منه قتلوه، فإن لهذا شأناً من الشأن هذا نبي هذه الأمة، هو نبي السيف. ونقله عن الصدوق شيخنا المجلسي في البحار ج15 ص200 وفيه أن الراهب أسمه: (بحيراء) بالمد.
ومضمون هذا الحديث شهير في التاريخ من طرق الفريقين، ومن المعلوم ان من معاجز النبي(صلى الله علي و آله) أنه كانت تظله سحابة بيضاء فتسير لمسيره وتركد لركوده.
"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ" [ الرعد/ 39].
116- لعل المراد بقوله: (يعرفه أحد مختاري الله) هو علي أمير المؤمنين الذي سماه رسول الله(صلى الله علي و آله) المختار لان الله تعالى اختاره [راجع المناقب المرتضوية 119 ط بمبي فيما نقله عنه صاحب كتاب (إحقاق الحق) ج5 ص7].
وعلي أمير المؤمنين هو الذي عرف رسول الله(صلى الله علي و آله) معرفةً لم يبلغها أحد من الناس ومن هنا قال(صلى الله علي و آله): "يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا".
رواه الحافظ رجب البرسي في كتابه (مشارق أنوار اليقين) ص135، ونص على صحته، واستشهد به الأستاذ الكبير أحمد أمين في سفره القيم (التكامل في الإسلام) ج2/ 92، ورواه فضيلة الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (إمامة علي والعقل) ص97. ورواه الشيخ سليمان الحلبي في كتابه المختصر ص38، وصاحب منتخب البصائر ص125 على ما في فهرس كتاب المختصر ص6.
117- الظاهر أن الكاهن هو رئيس من رؤساء اليهود.
118- هذا قسم، وهو كقول نبينا: "والذي نفسي بيده".
119- يؤيد هذا ما جاء في خطبة الزهراء(عليها السلام) الكبيرة حيث قالت: وأشهد إن أبي محمداً عبده ورسوله اختاره قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علماً من الله بمآل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع الأمور…الخ.
120- عبارة (يهزأ) في هذا المقام غير صحيحة، ولعل المراد أن الله (يمتحن) الناس به كما في قوله تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" [العنكبوت/ 1-4].
121- نقلنا هذه البشارة من كتاب (البشارات والمقارنات) لمؤلفه الدكتور البارع الشيخ محمد الصادقي ج1 ص463، وينقلها الصادقي عن كتاب إدريس النبي(عليه السلام) المطبوع في لندن باللغة السريانية سنة 1895م في ص514-515 وقد نقلها باللغة العربية إلا نصين ذكرهما بالسريانية كما في الأصل وعربهما. هذا وقد اتصلت شخصياً بالشيخ الصادقي وسألته عن المصدر المذكور فقال: إني نقلت عنه بواسطة كتاب (أنيس الأعلام) ج2 لمولى محمد صادق فخر الإسلام، وهو ينقل عن كتاب إدريس النبي(عليه السلام) المطبوع في لندن باللغة السريانية وإنه عين الصحيفة المنقولة عنها هذه البشارة.
وأن فخر الإسلام كان من كبار علماء المسيحية ولكنه استبصر وأسلم وحسن إسلامه، وأخذ يؤلف في الرد على المسيحيين ومنها كتاب (أنيس الأعلام) وقد ذكر هو في مقدمة الكتاب سبب إسلامه وكيفيته بصورة مفصلة.
ويقول الشيخ الصادقي: إني ذكرت أن من مصادر كتابي (البشارات والمقارنات) كتاب (أنيس الأعلام).
122- قال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان ج3 ص519: "واذكر في الكتاب" أي القرآن "إدريس" هو جد أب نوح(عليه السلام)، واسمه في التوراة اخنوخ، وقيل: أنه سمي إدريس لكثرة درسه الكتب، وهو أول من خط بالقلم. وكان خياطاً وأول من خاط الثياب، وقيل: ان الله تعالى علمه النجوم، والحساب وعلم الهيئة، وكان ذلك معجزة له. "إنه كان صديقاً" أي كثير التصديق في أمور الدين، وقيل: صادقاً مبالغاً في الصدق فيما يخبر عن الله تعالى "نبياً" أي علياً رفيع الشأن برسالات الله تعالى "ورفعناه مكاناً علياً" أي عالياً رفيعاً، وقيل: أنه رفع إلى السماء السادسة، عن ابن عباس والضحاك، وقال مجاهد: رفع إدريس كما رفع عيسى وه حي لم يمت، وقال آخرون: أنه قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة، وروي ذلك عن أبي جعفر(عليه السلام) وقيل: ان معناه ورفعنا محله ومرتبته بالرسالة كقوله تعالى: "ورفعنا لك ذكرك" ولم يرد به رفعة المكان عن الحسن، والجبائي، وأبي مسلم. ونقل هذا عن الطبرسي شيخنا في البحار ج11/ 210 باب 9 بالنص المذكور.



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 08:04 AM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الفصل الرابع

الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الصفة الخامسة والسادسة التي وصف الله بهما نبيه(صلى الله عليه و آله) في الآية قوله تعالى: (يأمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ). يجوز أن تكون هاتان الصفتان والصفات الثلاث التي بعدهما موصوفا بها في التوراة والإنجيل، فيكون الكلام متصلا بما قبله، ويجوز أن تكون ابتداءً من قول الله تعالى مدحا للنبي(صلى الله عليه و آله) بأنه (يأمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ...الخ.

معنى المعروف والمنكر
المعروف: هو اسم جامع لكل عقيدة وفعل وقول يعرف حسنه بالعقل والشرع، وهو توحيد الله وطاعته، ومنها الإحسان إلى خلقه.
والمنكر: ضده. أي هو اسم جامع لكل عقيدة وفعل وقول يعرف قبحه بالعقل والشرع، وهو أنواع: الشرك بالله وعصيانه، ومنه الإساءة إلى خلقه.
فالمعروف صفة شريفة معروفة بالعقل والشرع، وهي الحق. والمنكر صفة رديئة منكرة بالعقل والشرع، وهي الباطل. فلا شئ من المعروف بمنكر، ولا شئ من المنكر بمعروف.

المثل الأعلى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مما لا ريب فيه أن جميع الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم واقتدى بهديهم وهداهم من المصلحين قد قاموا بهذا الواجب المقدس تجاه أممهم: آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وهذا سبيلهم ومنهاجهم. وفي طليعتهم المفضل عليهم في ذلك وغير ذلك، هو نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) الذي جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من جهات:
من حيث أن دينه هو دين الإسلام – بكتابه وبسنته – هو الدين الوحيد الذي نفخ في جثمانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل ما يسعه من روح الحياة، لأنه الدين الخالد وشريعته الغراء اشمل واجمع من الشرائع السابقة للأمر بكل أنواع المعروف والنهي عن جميع أنواع المنكر كانا ويكونان حتى قيام الساعة وذلك باعتبار أنها شريعة الأبد.
أن نبينا قد طبق على نفسه المقدسة التحلي التام بكل معروف جاء به عن الله واجبا ومندوبا، عزيمة ورخصة، والتخلي عن كل منكر، محرما أو مكروها وبلغ في ذلك – منذ نشأته الأولى حتى النهاية – الذروة العالية التي فاق بها العالمين والتي استحق من اجلها أن يخاطبه الله العظيم بقوله العظيم (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم/ 5] وبقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران/160]. قال شيخنا الطبرسي: "وفي هذه الآية دلالة على تخصيص نبينا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، ومن عجيب أمره(صلى الله عليه و آله) انه كان أجمع الناس لدواعي الترفع، ثم كان أدناهم إلى التواضع، وذلك انه كان أوسط الناس نسبا وأوفرهم حسبا، وأسخاهم وأشجعهم وأزكاهم وأفصحهم .. وهذه كلها من دواعي الترفع. ثم كان من تواضعه انه كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ويركب الحمار، ويعلف الناضح ويجيب دعوة المملوك، ويجلس في الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يدعو إلى الله من غير زأر(1) ولا كهر ولا زجر. ولقد احسن من مدحه في قوله:
فما حملت من ناقة فوق ظهرها*** ابر وأوحي ذمة من محمد(2)
انه(صلى الله عليه و آله) قد قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -مع الشفقة والرافة والرحمة- بكل عزيمة وهمة وثبات وصبر ونشاط ومضاء في حين كانت الأرض مليئة من مشرقها إلى مغربها بالخرافات والسخافات واختلاف الديانات والاتجاهات. وكلها باطلة ومنكرة، فكان قيامه بالدعوة إلى الله ودينه في وجه العالم كله مشمرا عن ساق الجد، حاسرا عن ساعد الاجتهاد، لتهذيب عقائدهم الباطلة وأخلاقهم الفاسدة، وتكميل عقولهم الناقصة، وتكبير نفوسهم الصغيرة متحملا منهم في سبيل هدايتهم أنواع الأذى حتى قال(صلى الله عليه و آله) في الثابت الصحيح: "ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت به" وبلغ من همته العظيمة أن قال قولا لا يزال يرن صداه في أذان عظماء الرجال وأبطال العالم "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك دعوتي هذه ما تركت"(3).
إن الجهود العظيمة التي بذلها الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله) في هذا السبيل لا يدانيها أي جهد مهما عد عظيما في أنظار الناس اللهم إلا إذا تذكرنا المواقف الجريئة، والتضحيات الجسيمة، والأعباء الثقيلة التي تحملها أهل بيته، الأئمة المعصومون لإحياء دين الرسول، ونشر أحكامه، وبث فضائله... وهي بحق، قدوة طيبة لكل المؤمنين والمصلحين في هذه الأمة.
فلذلك وغير ذلك وصف الله رسوله بهاتين الصفتين(يأمر هُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ) لظهورهما فيه وفي شريعته الشاملة وقيامه بهما على اكمل وجه.
وينبغي لكل مسلم مؤمن أن يقتدي بنبيه ويتأسى به في هاتين الصفتين، بان يكون آمراً بالمعروف ناهيا عن المنكر قدر استطاعته. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب/ 22]. خصوصاً في هذا الزمان الذي عاد فيه الناس إلى جاهليتهم الأولى ففشى فيهم المنكر بكل أنواعه وقل المعروف بكل أشكاله .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في المجتمع
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرعان مهمان من فروع الدين وركنان أساسيان من أركانه، وهما فريضتان واجبتان بإجماع المسلمين أجمعين. بل هما من أهم الفرائض والواجبات التي تسعد بها الأمم وتبلغ أعلى مرتبة من الرقي والكمال حتى جاء في الحديث عن الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال :"أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم وتعمر الأرض، وينتصف من الاعداء، ويستقيم الأمر، فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم، فان اتعظوا والى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم، (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الشورى/ 43]، هنالك(4) فجاهدوا بأيديكم وابغضوا بقلوبكم، غير طالبين سلطانا ولا باغين مالا، ولا مريدين بالظلم ظفرا (5) حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته.
(قال): وأوحى الله تعالى إلى شعيب النبي(عليه السلام) أني معذب من قومك مائة ألف، أربعين ألفاً من شرارهم، وستين ألفاً من خيارهم فقال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار ؟ فأوحى الله تعالى إليه: داهنوا أهل المعاصي(6)، ولم يغضبوا بغضبي"(7).
وإذا أمعنت النظر وأمعنت التدبير في هذا الحديث الوارد عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) رأيت أن عليه مسحة من أنوار النبوة، وعبقة من ارج الرسالة، حديث يؤيد مضامينه العقل والوجدان، ويدل على صدقه الكتاب والسنة الثابتة عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله) الذي قال: "لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر. فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء"(8). وقال(صلى الله عليه و آله): "إذا رأوا الناس منكرا فلم يغيروه عمهم الله بالعقاب"(9).
ومن تأمل في الأخبار والآثار، واطلع على التواريخ والسير، وقصص الأمم السالفة وما حدث لهم من العقوبات، وضم ذلك إلى التجربة المشاهدة في عصره، من ابتلاء الناس ببعض البلايا السماوية والأرضية، من الطاعون والوباء والقحط والغلاء، وحبس المياه والأمطار، وتسلط الظالمين والأشرار، ووقوع القتل والغارات، وحدوث الصواعق والزلزال، وأمثال ذلك من أنواع الأهوال، يعلم أنها كلها عقوبات مسبوقة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن تركهما يؤدي حتما إلى تفسخ الأخلاق وتكالب الناس بعضهم على بعض، بل هو علة العلل في تدهور الأمم وسقوطها في الدنيا، عدا ما هنالك من عذاب أخروي لتاركي هذه الفريضة المهمة.
ومن هنا قال رسول الله(صلى الله عليه و آله) منذرا أمته: "كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر ؟ فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم، وشر من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف: فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك ؟ قال: نعم، وشر من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا"(10).
وفي رواية: " وعند ذلك يبتلى الناس بفتنه، يصير الحليم فيها حيران"(11).
ويقول أمير المؤمنين في وصيته للحسن والحسين بعد ما ضربه ابن ملجم المرادي بسيفه "لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم"(12). ونظير هذا ما ورد أيضاً عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) انه قال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم"(13) فهل للمؤمن المسلم عذر بعد هذا في التهاون بهذه الفريضة والتقاعس عن القيام بها؟
لا عذر له: بل المؤمن حقا هو الذي يغضب عند انتهاك حرمات الله، ويضحي بما لديه في سبيل إعلاء كلمة الله. وطوبى لنفوس اتعظت بنصائح أهل البيت العصمة فاتخذت منها منارا للعروج إلى حيث الطمأنينة والخلود، والكمال المنشود.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان كفائيان
ولكي نكون على بصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بهذا الواجب المقدس، نذكر بعض أحكامه وشرائطه فنقول:
أن وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يختص بصنف من الناس دون صنف آخر(14). بل كما يجب على العلماء مثلا عند اجتماع الشرائط التي سنذكرها، كذلك يجب على سائر الناس، وكما يجب على العادل الورع، كذلك يجب حتى على الفاسق العاصي، وهكذا يجب على الراعي والرعية، والأغنياء والفقراء، والرجال والنساء … كل بحسبه.
قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): »كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته«(15). نعم وجوبه على هذه الطبقات إنما هو على نحو الوجوب الكفائي بمعنى: أن قام به من تحصل الكفاية بهم سقط الوجوب عن الآخرين وان لم يقم به واحد آثم الجميع واستحقوا العقاب. وإذا رأى جماعة منكرا من شخص وقام بالإنكار أحدهم، فإن كان بإنكاره كفاية في الارتداع عن المنكر فبها ونعمت، وإذا ظن الآخر أن لمشاركته آثرا في الارتداع عن المنكر وتأييد وانتصارا للسابق بالإنكار وجب عليه أيضاً لان الغرض إيقاع المعروف وارتفاع المنكر، من شخص كان أو من شخصين أو من أشخاص.
هذا والواجب إنما هو الأمر بالمعروف الواجب والنهي عن المنكر المحرم، وأما الأمر بالمستحب والنهي عن المكروه فمستحب، ويكون القائم به مستحقا للثواب، وإذا تركه لم يكن عليه آثم وعقاب .

شرائط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ويشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور:
معرفة المعروف والمنكر، تفصيلا أو إجمالاً، ليأمن من الغلط ن ولئلا يأمر بمنكر وينهي عن معروف من حيث لا يدري، كما هو شان بعض عوام الناس، تراهم ربما يأمر ون بأشياء بل يحثون عليها وهي بالحقيقة منكرة ومحرمة، أو لا ينبغي الإتيان بها، وبالعكس ربما ينهون عن أشياء، بل يشددون النكير عليها وهي في الحقيقة غير منكرة لا يمنعها العقل، والشرع يقرها ويبيحها أو يأمر بها ويوجبها، ولكنهم في آرائهم انهم أمروا بمعروف ونهوا عن منكر… والحال أن الدين لا يؤخذ بالرأي، بل أما بالاجتهاد والدليل، أو بالتقليد للمجتهد الجامع للشرائط والمبين للأحكام.
فالآمر أو الناهي يشترط أن يكون عارفا على بصيرة بما يأمر به أو ينهي عنه، وان لم تكن له الإحاطة بكل أنواع المعروف والمنكر، لكنه حينما يأمر بشيء، يجب أن يعلم انه معروف وحينما ينكر شيئا يجب أن يعلم انه منكر، وإلا فإن ضرره بأوامره ونواهيه سيكون اكثر من نفعه. قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف/109].
احتمال تأثير الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر في الشخص المأمور بالمعروف أو المنهي عن المنكر. فإذا لم يحتمل ذلك، بان علم أن الشخص الفاعل لا يبالي بالأمر والنهي ولا يكترث بهما، ولا يتقبل نصح الناصح له، فانه يسقط الوجوب عن الأمر أو الناهي حينئذ لعدم تقبل المأمور للأمر والنهي واستفادته بهما.
نعم، يجوز للآمر من باب إلقاء الحجة على المأمور، ومن باب الدعوة إلى الدين أن يأمره وينهاه ويعّرفه فائدة المعروف الذي تركه وأضرار المنكر الذي عمله من طريق الرفق واللين وإظهار الشفقة، والمحبة، وله على ذلك الأجر العظيم، ولكنه لا يجب عليه ولا يعاقب على تركه، على ما هو المشهور بين الفقهاء.
وفي هؤلاء الذين لا يتقبلون الأوامر والنواهي يقول عز من قائل: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أولئك الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا) [النساء/61-64].
أن يكون المأمور والمنهي مصرا على ترك المعروف وارتكاب المنكر. فحينئذ يجب أمره ونهيه على ما فعل وأصر عليه، أما إذا كانت هناك أمارة على إقلاعه وعدم إصراره على ترك المعروف وارتكاب المنكر لظهور آثار الندم عليه مثلاً، أو الانصراف عما خالف به فانه لا يجب. لان الإنسان في الحياة معرض للأخطاء، تصدر عنه الزلات وتظهر منه العثرات، لأن الكمال لله وحده، والعصمة للأصفياء من عباده وحدهم لا يشاركهم فيها مشارك، ولا ينازعهم فيها منازع. أما الباقون من الناس فهم يذنبون ويسيئون ويخطئون، وخيرهم اقلهم زللا وأهونهم خطا وخطلاً، وأولئك النبلاء الذين تعّد هفواتهم، وتحصر زلاتهم، كما قال الشاعر:
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها*** كفى المرء نبلاً أن تعد معائبه
فإذا صدر منكر من إنسان مؤمن واظهر الندم على ذلك أو اعتذر إلى من أساء إليه واعتدى عليه، فينبغي للإنسان الآخر أن يقبل عذره ويعفو عنه، ويعفو عنه، لا أن يبقى مؤنبا له ساخطا عليه، يحاول الانتقام منه، كما هو شأن الكثير من الناس ،وقد قيل ما من مسيء من اعتذر والمثل المشهور يقول: (والعذر عند كرام الناس مقبول).
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): »اقبل عذر أخيك، وان لم يكن له عذر فالتمس له عذراً«(16) وقال الشاعر:
إذا اعتذر الصديق إليك يوما*** من التقصير عذر أخ مقر
فصُنه عن جفائك وأعف عنه*** فان الصفح شيمة كل حّر
بل حتى لو علمت بكذب من يعتذر إليك، فالأولى لك أن تقبل عذره إبقاء للمودة، قال أمير المؤمنين(عليه السلام): »لا يعتذر إليك أحد إلا قبلت عذره، وان علمت انه كاذب«(17) بل قال رسول الله(صلى الله عليه و آله) في وصيته لعلي(عليه السلام): »يا علي من لم يقبل العذر من متنصل صادقا كان أو كاذبا لم ينل شفاعتي«(18).
وروي أن موسى بن جعفر الكاظم? احضر ولده يوماً فقال لهم: »يا بني أني موصيكم بوصية، من حفظها انتفع بها: إذا أتاكم آت فاسمع أحدكم في الأذن اليمنى مكروها ثم تحول إلى الأذن اليسرى فاعتذر وقال: لم اقل شيئاً، فاقبلوا عذره«(19).
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت/35-36].
أن لا يلزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرر في النفس أو العرض أو المال على الأمر أو على غيره من المسلمين. أما إذا لزم الضرر عليه أو على غيره من المسلمين لم يجب، إذ لا ضرر ولا ضرار في الدين، ولقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة/ 196].
نعم، إلا إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من باب الجهاد والدفاع بالسيف للكافرين والباغين والمبتدعين، وهذا مشروط بإذن الإمام ونائبه المطاع الجامع للشرائط. وهو أعلى درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): »من رأى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد اجر وهو افضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونور في قلبه اليقين«(20).

لا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمن لا يتقيد بهما
هذه شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي يجب عند توفرها القيام به، وإلا فلا يجب وهي كما تراها شرائط منطقية يؤيدها العقل ويدل عليها كل من الكتاب والسنة النبوية وأقوال أهل بيت العصمة(عليهم السلام).
أما ما يقال على أفواه بعض الناس، بل وما وجدناه في بعض الكتب أيضاً من أن الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر يشترط أن يكون مؤتمرا بما يؤمر به من المعروف ومنتهيا عما ينهى عنه من المنكر وإلا يسقط عنه الأمر والنهي، فهو غير صحيح. وذلك لإطلاق الأدلة وعدم تقييدها بهذا الشرط، ولأن الواجب على فاعل المنكر المشاهد فعله غيره أمران: تركه المنكر في نفسه، وإنكاره المنكر على الغير. ومعلوم انه لا يسقط – بترك أحد الواجبين – الواجب الآخر، وإذا تركهما معا كان معرضا نفسه للعقابين: ارتكابه المنكر بنفسه، وتركه النهي عنه .
ثم لو اشترط هذا الشرط المزعوم لاقتضى عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كثير من الناس لعدم توفر هذا الشرط فيهم، وهو معلوم البطلان.

توبيخ من لا يأتمر بما يأمر به، ولا ينتهي عما ينهي عنه
فان قيل: إذا ما معنى الإنكار والتوبيخ من الله سبحانه بقوله: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [البقرة/ 45].
قلنا: لم يوبخهم الله وينكر عليهم أمرهم بالبر وقولهم به، وإنما وبخهم وأنكر عليهم نسيانهم أنفسهم من البر، مع انهم يأمرون به ويعرفونه لأنهم يتلون الكتاب، لذلك استحقوا هذا التوبيخ، حيث أن ترك البر الواجب ممن يأمر به ويعرفه اقبح ممن لا يأمر به ولا يعرفه أو يجهل حسنه ودليله، وهذا واضح عند كل عاقل، لذا قال تعالى في ذيل الآية مخاطبا لهم: (أفلا تعقلون).
وعلى هذا يحمل كل ما ورد في هذا الباب من التوبيخ و الإنكار في الكتاب والسنة بآيات عديدة، وأحاديث كثيرة… أما الآيات فمنها قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف/ 2-4].
فالله تعالى ينكر بهاتين الآيتين على هؤلاء، الإنكار الشديد، ويمقتهم المقت الكبير لمخالفة أفعالهم أقوالهم، ذلك لأن الله يريد من المؤمن أن يكون صادقا مستقيما على طريق الحق وان يكون باطنه كظاهره وأن يطابق فعله قوله، وإلا يكون منافقا غي مؤمن إيماناً صادقاً حقيقياً.
فإنكاره ومقته لهم من حيث نفاقهم وعدم فعلهم المعروف لا من حيث قولهم به.
وهكذا قوله تعالى منددا بالمنافقين، مخاطبا رسول(صلى الله عليه و آله) يُعلمه بمخالفة أفعالهم لأقوالهم: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) [النساء/ 82].
ينبئ الله تعالى رسوله(صلى الله عليه و آله) بهذه الآية أن المنافقين يظهرون منتهى الطاعة لك، بحيث يخلص جوابهم كله للنبي بكلمة (طاعة) كأن لم يقولوا سواها لشدة تظاهرهم بمدلولها، ولكنهم إذا خرجوا من مجلسه(صلى الله عليه و آله) راح جماعة منهم يبيتون، أي انهم يدبرون في خفية كالذي يدبر في ظلام الليل، راحوا يبيتون غير الذي قال لهم، وغير ما اظهروا من الطاعة، وبينما هم في تبييتهم يظنون انهم في خفية، إذا النص القرآني يفاجئهم بأن الله رقيب عليهم يكتب ما يبيتون في الظلام.
ومنها قوله تعالى : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) [البقرة/ 206]. وهذا هو المنافق الذي يتحدث فيصور لك نفسه انه خلاصة من الخير والإخلاص، شديد الرغبة في إفاضة البر والسعادة على الناس، لذا يعجبك حديثه عن الخير البر والصلاح، وتعجبك ذلاقة لسانه وتعجبك نبرة صوته (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) أي يستشهد الله ويحلف به أن أقواله موافقة لما في قلبه (وَهُوَ) في الحقيقة (أَلَدُّ الْخِصَامِ) أي اشد الخصوم خصومة، فهو الذي يتناقض ظاهره وباطنه، ويتنافر مظهره ومخبره، وهو الذي يتقن الكذب والتمويه، ويتفنن في التأثير والخداع ليكسب رضا الأكثرية من الناس.
وقد قال(صلى الله عليه و آله): »آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد اخلف، وإذا أؤتمن خان«(21). وعن هؤلاء وأمثالهم حّدث النبي(صلى الله عليه و آله) واخبر عنهم في حديث الإسراء(22) حيث قال(صلى الله عليه و آله): »رأيت ليلة أسري بي قوما تقرض شفاههم بمقاريض من نار وكلما قرضت وفت، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا (أو قال: خطباء من أمتك) تقرض شفاههم لأنهم يقولون ما لا يفعلون، أو قال: لأنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم«.
فكل هذا التوبيخ والإنكار، والوعيد بعذاب النار في حديث الإسراء، إنما استحقه هؤلاء، لأنهم لا يأتمرون بما يأمرون به من المعروف، ولا ينتهون عما ينهون عنه من المنكر... فهم منافقون، و (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء/ 146-147].
ولقد أجاد الشاعر أبو الأسود الدئلي حيث يقول:
وإذا جريت مع السفيه كما جرى*** فكلاكما في جريه مذموم
وإذا عتبت على السفيه ولمته*** في مثل ما تأتي فأنت ملوم
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله*** عار عليك إذا فعلت عظيم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها*** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى*** بالعلم منك وينفع التعليم
تصف الدواء وأنت أولى بالدوا*** وتعالج المرضى وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا*** أبدا وآنت من الرشاد عديم
قال بعض الأكابر قدس سره: "إن من اعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها و أتقنها وأشدها، خصوصا بالنسبة إلى رؤساء الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه ومندوبه، وينزع رداء المنكر محرمه ومكروهة، ويستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة وينزهها عن الأخلاق الذميمة. فان ذلك منه سبب تام لفعل الناس المعروف ونزعهم المنكر، خصوصا إذا اكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغبة والرهبة. فإن لكل مقام مقال، ولكل داء دواء، وطب النفوس والعقول اشد من طب الأبدان بمراتب كثيرة... وحينئذ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(23).

تأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على علماء الدين:
ويتأكد وجوب المر بالمعروف والنهي عن المنكر على علماء الدين، وغيرهم من المثقفين بالثقافة الدينية، من كتاب ومؤلفين وخطباء ومتكلمين، لقوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران/ 105] حيث دلت هذه الآية الشريفة على وجوب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ينتدب لهذا الأمر ويقوم به طائفة يدعوها الله في القران (أُمَّةٌ) تعظيما لها وتكثيراً، وصرحت الآية بانحصار الفلاح فيمن قام بهذا الأمر، فقال تعالى في ذيل الآية: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) أي المفلحون في دعوتهم، لأنهم يدعون إلى الخير… والمفلحون في حياتهم لأنهم ينفقونها في أداء فريضة جامعة مكتوبة عليهم… والمفلحون في أخراهم بما قدموا بين أيديهم من حسنات.
يقول نبينا الصادق الأمين(صلى الله عليه و آله) لعلي أمير المؤمنين(عليه السلام) لما بعثه إلى اليمن: »والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت«(24).
وقال له يوم خيبر أيضاً : »يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم«(25). وقال(صلى الله عليه و آله): »من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله وكتابه«(26). وقال(صلى الله عليه و آله) حين سئل عن خير الناس: »أمرهم بالمعروف، أنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله وأرضاهم له«(3)… إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على ما لمن قام بهذا الواجب من المنزلة السامية والأجر العظيم والفلاح والنجاح دنيا وآخره.
والعقل بتأكد وجوب القيام بهذا الأمر من الدعوة إلى الخير والمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من كانت له الأهلية واللياقة حفظاً للنظام، وسداً لأبواب الفساد، وهو وإن كان تكليفا ليس بالهين ولا باليسير إذا نظرنا إلى طبيعته وإلى اصطدامه بشهوات الناس وبنزواتهم، وفيهم الجبار المتكبر، وفيهم الحاكم المتسلط، وفيهم الهابط بتفسخه وسوء أخلاقه الذي يكره الصعود وفيهم الكارة الذي لا يهوى الدعوة إلى الخير، ولكنه تكليف محبب إلى النفوس المؤمنة بالله العارفة به وبدينه، التي لا تعتز إلا بالله ولا تخشى إلا إياه، انهم يشعرون أنفسهم أن عليهم في الحياة وظيفة، وان نفوسهم لا تعيش لذاتها المحدودة إنما تعيش لوظيفة أكبر ولمحيط أوسع لأفق أعلى من واقع الأرض وحدود الحية في الدنيا ويعلمون أن هذا التكليف هو السبيل الوحيد لضمان وحدة الأمة الدينية، وتوحيد مفاهيمها للدين، ومفاهيمها للحياة، وان الأمة ستظل إذا لم تجد بينها هؤلاء الدعاة الهداة لذا اخذوا على عاتقهم القيام بهذا الواجب المقدس ولكنهم – ويا للأسف – قليلون (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ) [سبأ/ 13].

تأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للنفس والأهل
وكما يتأكد وجوب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على علماء الدين كذلك يتأكد هذا الوجوب في حق المكلف بالنسبة إلى نفسه وأهله من نسائه وأبنائه وبناته وسائر متعلقيه من أرحامه وأقربائه قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم/ 7] هكذا يهيب القرآن بالذين آمنوا فيوجه الخطاب إليهم خاصة دون غيرهم من سائر الناس(27) فيأمرهم ليؤدوا واجبهم في بيوتهم من التربية الإسلامية والتوجيه والتذكير بعد أن يؤدوا واجبهم بالنسبة إلى أنفسهم فيقول سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) أي احفظوا واحرسوا وامنعوا أنفسكم وأهليكم من النار وذلك بأن تصبروا على طاعة الله، وعن معصيته، وعن اتباع الشهوات المحرمة وان تدعوا أهاليكم إلى الطاعة وتعلموهم الفرائض وتحثوهم على أفعال الخير، وتنهوهم عن القبائح والمعاصي، وإلا يكون مصيركم ومصيرهم إلى النار.
إن تبعة المؤمن في نفسه وأهله تبعه ثقيلة ورهيبة، فالنار هناك وهو متعرض لها هو وأهله، فعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظر المخالفين هناك وهي نار فظيعة (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) أي حطب تلك النار الناس والحجارة وهي حجارة الكبريت كما عن ابن عباس(28) التي تزيد في قوة النار وتكون اشد حرا إذا أوقد عليها، فما اشدها عذابا وكل ما بها وما يلابسها فظيع رهيب (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ) تتناسب طبيعتهم مع طبيعة العذاب الذي هم به موكلون وهم الزبانية التسعة عشر وأعوانهم من الملائكة(29) وقد وصفهم الله سبحانه بقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وفي هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار معصومون لا يخالفون الله في أوامره ونواهيه فإذا جاءهم الأمر من الله بإدخال العصاة إلى النار وتعذيبهم بها فهم يمتثلون ويفعلون ما به يؤمرون لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والانتقام من أعدائه ، إذا من الذي يخلصهم بعد ذلك من تلك النار ؟ (وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار/ 20].
والذي يهون الخطب علينا ما رواه شيخنا الكليني في فروع الكافي (4) بسنده عن أبى عبد الله الصادق(عليه السلام) أنه قال: لما نزلت هذه الآية (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) جلس رجل من المسلمين يبكي قال: أنا عجزت عن نفسي كلفت بأهلي فقال رسول الله(صلى الله عليه و آله): حسبك تأمرهم بما تأمر به نفسك وتنهاهم عما تنهى عنه نفسك.
وروى أيضاً عن أبي بصير انه سأل الصادق عن قوله عز وجل: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) قال: قلت: كيف أقيهم؟ قال(عليه السلام): »تأمرهم بما أمر الله وتنهاهم عما نهاهم الله فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك«.
أما إذا لم يأمرهم بما أمر الله، ولم ينههم عما نهاهم الله، ولم يوجههم التوجيه الصحيح – كما هو شأن الكثير من الناس – فهو هالك كما انهم هالكون، وقد أجاد العلامة السيد صادق الهندي رحمه الله حيث قال:
شبابنا من طيشه*** في كل واد قد سلك
إن لم نوجه سيره*** أهلكنــا كما هلك
وله تغمده الله برحمته أيضاً بالنسبة إلى سفور المرأة قال:
يد التبشير قد مدت إلينا*** برفع حجاب ربات الحجال
وما رفعت حجاب الصون إلا*** وأرخته على عقل الرجال

تنبؤ الأحاديث عن المتبرجات في آخر الزمان :
وهناك أحاديث واردة عن النبي(صلى الله عليه و آله) وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) موبخة للنساء المتبرجات ومنبئة عن أحوال النساء المسلمات في عصرنا هذا وعما يرتكبنه من الأعمال المحرمة وعن سلب الحياء عنهن وكذلك عن سلب الغيرة عن الرجال. روي عن النبي(صلى الله عليه و آله) في كتاب حياة الحيوان للعلامة الدميري في فصل الباء (باب البخت) أن رسول الله(صلى الله عليه و آله) قال: (سيأتي في آخر الزمان رجال من أمتي نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف(30) ألا فالعنوهن فإنهن ملعونات ولا يجدن ريح الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام) وذكر هذا الحديث الإمام احمد بن حنبل – إمام الحنابلة – في مسنده(31) ومراد النبي(صلى الله عليه و آله) من هذا التشبيه هو أما كي الشعر وتجعيده، أو جمعه في مقدم الرأس الذي تداول في عصرنا هذا وهو الأظهر .
وقوله: كاسيات عاريات، أما يريد إنهن كاسيات ولكن عاريات لظهور الرأس والوجه والصدر والظهر واليدين والساقين الخ. وأما انه يشير إلى لباسهن أنواع النايلونات الشفافة التي تريك الجسم كما هو كأنه عار عنه، وأما انه يشير إلى ضيق الملابس التي تحكي الأعضاء تماماً كما هي، وكل هذه الوجوه ظاهرة في زماننا هذا ولعل النبي يشير إليها جميعا في هذا الحديث الشريف. وقوله: ألا فالعنوهن فإنهن ملعونات الخ. لأنهن متجاهرات بالفسق ومصرات عليه وقد قال الله تعالى : (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [السجدة/ 21].
… وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنه قال: (يظهر في آخر الزمان واقتراب الساعة نسوة كاشفات عاريات متبرجات من الدين خارجات في الفتن(32) داخلات مائلات إلى الشهوات مسرعات إلى اللذات مستحلات المحرمات في جهنم خالدات(33) هكذا ينبئ أمير المؤمنين باب مدينة علم الرسول(صلى الله عليه و آله) عن أوضاع نساء هذا العصر كأنه ينظر إليه و إلى ما يجري فيه من الاستهتار والخلاعة والمجون والرعونة.
فـ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) واهتدوا بهدي نبيكم العظيم الموصوف بقول الله سبحانه(يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ).

1- من غير زئير من زئير الأسد أي صات واخرج الصوت من صدره. والكهر: استقبالك الإنسان بوجه عابس، تهاونا به.
2- مجمع البيان، ج1/527.
3- حديث شهير متفق عليه، قال لعمه أبى طالب (ع).
4- أي حين لم يتعظوا ولم يرجعوا إلى الحق بواسطة الإنكار بالقلب والوعظ باللسان وقد استمروا على البغي، فهنالك الجهاد بالأبدان أي بالإنكار باليد، وهي المرتبة الثالثة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أوضح هذه المراتب الثلاث آية الله سيدنا السيد محسن الحكيم في رسالته العملية ( منهاج الصالحين ) ج1/279، مسالة (6) حيث قال: للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب: -
الأول- الإنكار بالقلب بمعنى إظهار كراهة المنكر أو ترك المعروف أما بإظهار الانزعاج من الفاعل أو الإعراض والصد عنه، أو ترك الكلام معه أو نحو ذلك من فعل أو ترك يدل على كراهة ما وقع منه.
الثاني- الإنكار باللسان والقول. بان يعظه وينصحه ويذكر له ما اعد الله سبحانه للعاصيين من العقاب الأليم والعذاب في الجحيم، أو يذكر له ما أعده الله تعالى للمطيعين من الثواب الجسيم والفوز في جنات النعيم .
الثالث- الإنكار باليد، بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية. ولكل واحدة من هذه المراتب مراتب أخف واشد. والمشهور: الترتيب بين هذه المراتب، فان كان إظهار الإنكار القلبي كافيا في الزجر اقتصر عليه، وإلا أنكر باللسان، فان لم يكف ذلك أنكره بيده. بل المشهور الترتيب بين مراتب كل واحدة، فلا ينتقل إلى الأشد في كل مرتبة إلا إذا لم يكف الأخف. وهو الأحوط.
5- أي غير متوسلين إلى الظفر عليهم بالظلم بل بالعدل.
6- أي: تركوا نصيحتهم، ولم يتعرضوا لهم، ولم يمنعوهم من قبائحهم.
7- فروع الكافي، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ج5 /65، رقم (1) وقد أخذنا من الحديث محل الشاهد، وتركنا قسما من أوله.
8- التكامل في الإسلام ج4/172، ( والبحار ) ج100 /94.
9- التبيان لشيخنا الطوسي ج4 /41.
10- فروع الكافي، ج5/59، الحديث رقم 14.
11- جامع السعادات ج2/236.
12- نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج2/83.
13- فروع الكافي، ج5 /56.
14- منهاج الصالحين، ج1/278.
15- حديث متفق عليه، وممن رواه البخاري ومسلم في ( صحيحهما ).
16- ( كيف تكسب الأصدقاء في نظر أهل البيت ) للأستاذ السيد محمد الحيدري ص 59.
17- المصدر السابق.
18- مكارم الأخلاق للطبرسي، ص501 .( والبحار ) ج77/47.
19- الفصول المهمة، لابن صباغ المالكي، ص220. وقوله ( من حفظها ) أي: حافظ عليها وعمل بها.
20- جامع السعادات ج2/239، منشورات جامعة النجف الدينية. وقد صحح الحديث على (المستدرك) كتاب الأمر بالمعروف الباب الثالث، وعلى (الوسائل) من الكتاب المذكور والباب، ونقله شيخنا المجلسي في (البحار) ج100 /91 عن كتاب (مشكاة الأنوار).
21- حديث شهير أعلنه النبي(صلى الله عليه و آله) لأصحابه مرارا عديدة، وجاء في ضمن وصيته(صلى الله عليه و آله) لعلي(عليه السلام)، كما في كتاب (مكارم الأخلاق) للطبرسي ص 507، ونقله سيد قطب في تفسيره (في ظلال القران ) ج28/78 عن صحيحي البخاري، ومسلم، وسنن الترمذي، والنسائي عن أبي هريرة واظهر مصاديق هذا الحديث هو رواية أبو هريرة نفسه، راجع ترجمته في كتاب ( شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي ) للشيخ محمود أبو رية المصري.
22- حديث الإسراء، هذا ، من الأحاديث الشهيرة المروية من طرق الفريقين.
23- منهاج الصالحين، ص 280، الطبعة الثالثة عشرة.
24- قال احمد زيني دحلان في (السيرة الدحلانية) في هامش (السيرة الحلبية) ج2/384:
بعث رسول الله (ص) علي ابن أبي طالب إلى اليمن في شهر رمضان سنة عشر، وعقد له لواء وعممه بيده، وقال له: امض ولا تلتفت. فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، ما اصنع ؟ قال: إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك وادعهم إلى قول (لا إله إلا الله) فان قالوا: نعم. فمرهم بالصلاة، فان أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك "والله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت" قال: وجاء في بعض الروايات انه (ص) بعث عليا إلى اليمن في رمضان سنة عشر، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، فكتب بذلك إليه (ص) فخر ساجدا لله ثم جلس، فقال: السلام على همدان، وتتابع أهل اليمن على الإسلام. وذكر هذا الحديث الشريف أهل السير والتواريخ من الخاصة والعامة. راجع: ( أعيان الشيعة ) للسيد محسن الأمين، ج2/401، حيث ذكر إرسال النبي (ص) عليا إلى اليمن كمن مصادر عديدة، وإن ذلك كان مرتين، في سنة ثمان من الهجرة، وفي العاشر منها. وذكر الحديث شيخنا الكليني في ( فروع الكافي ) ج5/28، بسنده عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن، وقال لي: يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه ( أي إلى الإسلام )، وايم الله لأن يهدي على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت … الخ.
25- رواه البخاري في (صحيحه) باب فضائل الصحابة، في مناقب علي بن أبي طالب، ص385، بإسناده عن سهل بن سعد (رض): ان رسول الله (ص) قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها (أي يتجادلون ويختصمون فيمن سيعطى الراية غدا) قال: فلما اصبح الناس غدوا على رسول الله (ص) وكلهم يرجوا ان يعطاها فقال (ص): أين علي بن أبي طالب فقيل: هو يا رسول الله، انه يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فآتي به، فبصق رسول الله (ص) في عينيه ودعا له فبرئ، حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية .
فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال (ص): أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، واخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه (فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم).
26- (3) حديث شريف مشهور.
27- سنذكر بحثا مفصلا حول اختصاص الخطاب للمؤمنين دون غيرهم من سائر الناس في سلسلة حلقاتنا (إتباع أهل البيت في الإسلام) إن شاء الله تعالى.
28- مفاتيح الغيب للفخر الرازي المجلد الثامن ص 174.
29- مجمع البيان لشيخنا الطبرسي المجلد الخامس ص318 (والمصدر السابق).
30- الأسنمة جمع سنام، والبخت الإبل، والعجاف التي ذهب سمنها.
31- أجوبة المسائل الدينية الدورة الخامسة العدد الرابع ص 104.
32- قوله (ع)(في الفتن داخلات)إشارة إلى دخولهن في الأحزاب والجمعيات كما وقع هذا الأمر في قرننا هذا.
33- المرأة في المجتمع الإسلامي ط مطبعة الأزهر بغداد بقلم محمد تقي المدرسي، نقلا عن وسائل الشيعة ج3 ص 59.



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 08:08 AM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الفصل الخامس

تحليل الطيبات وتحريم الخبائث
الصفة السابعة والثامنة التي وصف الله بهما
نبيه(صلى الله عليه و آله) في الآية قوله تعالى:
(وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ)

معنى الطيبات والخبائث
يستفاد من مجموع أقوال المفسرين في تعريف الطيبات والخبائث ان الطيبات هي كل ما تستطيبه النفس، ويستحسنه العقل، ويأمر به الشرع ويبيحه ولا يمنع منه، من الآكل والشرب والنكاح والكلام والمال وغير ذلك.
والخبائث بضدها وهي كل ما تستقذره النفس، ويستقبحه العقل، وينهى عنه الشرع ويحذر منه من الأمور المذكورة، واليك أقوال بعض المفسرين في تعريف الطيبات والخبائث.
قال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان(1) في تفسير قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (2): الطيب هو الخالص من شائب ينغص، وهو على ثلاثة أقسام، الطيب المستلذ، والطيب الجائز (أي في الشرع الشريف)، والطيب الطاهر (أي غير النجس والمتنجس)، والأصل (أي في اللغة) هو المستلذ، إلا انه وصف به الطاهر، والجائز، تشبيها، إذ ما يزجر عنه العقل أو الشرع كالذي تكرهه النفس وتنصرف عنه (إلى أن قال): واصل الباب الطيب خلاف الخبيث.
وقال الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب)(3) في قوله تعالى (وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ): الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع لان تناولها يفيد اللذة والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على ان الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل(4).
والخبائث كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان سبباً للألم والأصل في المضار الحرمة، إلا لدليل منفصل(5).
وقال السيد محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار): الطيب ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة وتستفيد منه التغذية النافعة، ومن الأموال ما اخذ بحق وتراض في المعاملة. والخبيث من الأطعمة ما تمجّه الطباع السليمة وتستقذره ذوقاً كالميتة، والدم المسفوح، أو تصد عنه العقول الراجحة لضرره في البدن كالخنزير ـ الذي تتولد من أكله الدودة الوحيدة- أو لضرره في الدين كالذي يذبح للتقرب به إلى غير الله على سبيل العبادة (إلى ان قال) والخبيث من الأموال ما يؤخذ بغير الحق كالربا، والرشوة، والغلو، والسرقة، والخيانة، والغصب، والسحت(6).
وترى إن هذه التعريفات للطيبات والخبائث كلها تلتقي إلى معنى واحد وهو ما استفدناه وقدمناه.


نسبة التحليل والتحريم إلى النبي(صلى الله عليه و آله)
ومن المعلوم أن الذي احل الطيبات وأباحها، وحرم الخبائث وحذر منها، إنما هو الله عز وجل، إذ هو المشرع لعباده لا غير، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [البقرة/ 173-174].
وإنما وصف رسوله الأعظم(صلى الله عليه و آله) بهاتين الصفتين، وكذلك الصفة الثالثة، ونسب التحليل والتحريم ووضع الاصر له(صلى الله عليه و آله) باعتبار انه المبلغ لهذا التشريع الإلهي الذي جاء به عن الله من طريق الوحي المنزل عليه، والموضح بسنته الغراء مصاديق الطيبات والخبائث ومصاديق وضع الإصر بتفصيل كامل شامل.
(وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى(4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم/ 4-6].

اختصاص الإسلام باستيعاب تحليل الطيبات وتحريم الخبائث
وتحليل الطيبات وتحريم الخبائث، هما في الجملة من الفطريات التي أجمعت عليها الأديان الإلهية، قال تعالى: (يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف/ 32-33].
إلا أن الدين الذي جاء به نبينا(صلى الله عليه و آله) هو الدين الوحيد الذي أحصى جميع ما تتعلق به حياة الإنسان من الشؤون والأعمال، ثم قسمها إلى طيبات فاحلها، والى خبائث فحرمها، ولا يعادله في تفصيل القوانين المشرعة السابقة أي شريعة دينية، أو قانون اجتماعي.
فالإسلام المحمدي اختص باستيعاب تحليل الطيبات وتحريم الخبائث، كما اختص بكمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان ذلك من جهات…

1- الإسلام احل ما كان محرماً على اليهود من الطيبات
أباح لنا الإسلام بعض الطيبات التي حرمها الله سبحانه وتعالى سابقاً على اليهود - من أمة موسى(عليه السلام) في نفس شريعته المنزلة عليه- عقوبة لهم في الدنيا بسبب ظلمهم، كما هو صريح قوله تعالى:(فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء/ 161-162].
وقد جاءت قبل هاتين الآيتين - من سورة النساء - آيات عديدة استعرض الله فيها فضائع أعمال اليهود، وقبائح أعمالهم، وفساد عقائدهم من اتخاذهم العجل وعبادتهم له (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ) وقولهم: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) واعتدائهم في السبت، ونقضهم الميثاق الغليظ الذي أخذه الله منهم، و(قَتْلَهُمْ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ) وغير ذلك من أنواع الكفر والظلم الذي اقترفوه على عهد نبيهم موسى، وهو بين ظهرانيهم … كما استعرض جل وعلا - بالمناسبة - بعض جرائمهم من بعد موسى، من كفرهم (وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) وقولهم: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) بعد هذا قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) أي بسبب ظلمهم السابق أيام نبيهم وقبله (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) وهو إعراضهم المتكرر في أنفسهم ومنعهم الغير عن سبيل الله، أي عن دينه (وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) أي بغير استحقاق ولا استيجاب، وهو ما كانوا يأخذونه من طريق الرشوة، وما كانوا يأخذونه من أثمان الكتب التي يكتبونها بأيديهم ويقولون: هذا من عند الله، وما أشبه ذلك من المآكل الخبيثة، عاقبهم الله على جميع ذلك في الدنيا بتحريم ما حرم عليهم من بعض الطيبات، بعد ما كانت في السابق حلالاً لهم وفي الآخرة هيأ للكافرين منهم، الذين جحدوا الله أو الرسل عذاباً أليماً، أي مؤلماً موجعاً.
فجزاهم الله بمظالمهم جزاءين: جزاءً دنيوياً عاماً لهم وللمؤمنين منهم وهو تحريم بعض الطيبات عليهم وجزاءً أخروياً خاصاً بالكافرين منهم وهو العذاب الأليم. ولكن المؤمنين منهم لما صبروا على طاعة الله وامتنعوا من تلك الطيبات امتثالاً لأمره أتاهم الله في الآخرة أجراً عظيماً كما تنبئ عنه ذيل الآية التالية في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا).
ويقول بعض المفسرين(7) ان الطيبات التي حرمها الله عليهم هي ما ذكرها الله وبينها في سورة الأنعام بقوله تعالى:(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) [الأنعام/ 147]، وتوقف بعضهم فلم يجزم بتعيين ما حرم عليهم من الطيبات التي أجملها الله في آية النساء.
وعلى كل، آية سورة الأنعام بينت لنا بعض الطيبات التي حرمها الله في شريعة موسى على اليهود بقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) أي كل حيوان قدمه غير مشقوقة بل لها ظفر واحد كالابل، والنعام والإوز والبط وغيرها كما روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما (وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) أي حرمنا عليهم كذلك شحم البقر والغنم إلا ما حملت ظهورهما من الشحم وهو الشحم المختلط باللحم، أو الشحم الملتف بالأمعاء وهو الحوايا، أو ما اختلط منه بعظم كالذنب وغيره من سائر العظام، وكان ذلك عقوبة لهم على البغي والعدوان لذا قال: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أي إنا صادقون في حكاية ما حرمنا على اليهود، وصادقون في السبب الذي من اجله حرمناه عليهم وهو بغيهم وظلمهم.
وهذه الطيبات التي حرمت في شريعة موسى على اليهود نسخت في شريعة نبينا (صلى الله عليه و آله) وأحلت له، ولامته ولا مانع من أكلها إلى يوم القيامة، كما أحلت له ولامته الأسماك وصيدها بعدما كان محرما على اليهود في يوم السبت.
وقد جاء في حديث محاجة النبي(صلى الله عليه و آله) مع بعض اليهود قوله(صلى الله عليه و آله): (وان الله عز وجل جعل كتابي المهيمن على كتبهم الناسخ لها ولقد جئت بتحليل ما حرموا وبتحريم بعض ما احلوا)، من ذلك أن موسى جاء بتحريم صيد الحيتان يوم السبت، حتى إن الله قال لمن اعتدى منهم في صيدها يوم السبت: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [البقرة/ 66] فكانوا، ولقد جئت بتحليل صيدها حتى صار صيدها حلالاً، قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ) [المائدة/ 97]، وجئت بتحليل الشحوم كلها وكنتم لا تأكلونها(8).
(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة/ 128].

2- لا رهبانية في الإسلام(9):
وأبطل الإسلام الرهبانية التي كانت سائدة عند النصارى من أمة عيسى – التي ذكرها الله تعالى بقوله: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد/ 28].
ومعنى الآية (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا) أي ثم اتبعنا -على آثار الرسل السابقين من ذرية نوح وإبراهيم - رسلاً آخرين إلى قوم آخرين فكانت الرسالة ممتدة واحدة على اثر واحدة (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) بعدهم فأرسلناه رسولاً (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ) أي أنزلناه عليه (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) في دينه وهم الحواريون واتباعهم الذين احسنوا اتباعه (رَأْفَةً وَرَحْمَةً) أي جعلنا في قلوبهم الرأفة والرحمة وذلك بالأوامر والنواهي، والترغيب والتهديد والتشويق ووعد الثواب ومن ذلك حصلت في قلوبهم الرأفة والرحمة (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ).
ويستفاد من مجموع ما ورد في معنى الرهبانية من الروايات، وأقوال المفسرين: ان رهبانيتهم الاعتزال عن النساء بترك التزويج، واتخاذ الصوامع للعبادة، والتجرد لله بالخلوة عن الناس، واللباس الخشن، وغير ذلك من مظاهر الزهد في الدنيا وطيباتها، والتجرد لعمل الآخرة.
وهذه الرهبانية ما كتبها الله عليهم أي ما فرضها عليهم بل هم ابتدعوها وألزموا أنفسهم بها ابتغاء رضوان الله، كما إن الإنسان إذا جعل على نفسه صوماً لم يفرض عليه فعليه ان يتمه ولكنهم ما أتموا رهبانيتهم إذ (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) وذلك أنهم من جهة أصبحت الرهبانية في إخلافهم غالباً طقوساً وشعائر خالية من الروح بل اتخذوها مظهراً عارياً من الحقيقة فلم يصبروا على تكاليفها إلا عددا منهم قليلاً، ومن جهة أخرى انهم لما بعث النبي(صلى الله عليه و آله) بالرسالة بعد عيسى ما آمنوا به وتركوا طاعته إلا قليلاً منهم فلذا قال تعالى في ذيل الآية (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) وهم الذين آمنوا بالنبي ورعوا بذلك حق رهبانيتهم (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) أي كافرون خارجون عن طاعة الله إلى عصيانه ويعضد هذا ما جاءت به الرواية عن عبد الله بن مسعود قال: (كنت رديف رسول الله(صلى الله عليه و آله) على حمار فقال(صلى الله عليه و آله): يا بن أم عبد هل تدري من أين احدث بنو إسرائيل الرهبانية فقلت الله ورسوله اعلم فقال(صلى الله عليه و آله): ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا قليل فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى إن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى(عليه السلام) يعنون محمدا(صلى الله عليه و آله) فتفرقوا في غيران الجبال (10) وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا (صلى الله عليه و آله) هذه الآية (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) إلى آخر الآية ثم قال(صلى الله عليه و آله): يا بن أم عبد، أ تدرى ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: الهجرة، والجهاد، والصلاة، والصوم، والحج والعمرة.
وفي حديث آخر قاله النبي(صلى الله عليه و آله) لابن مسعود أيضا في رهبان النصارى جاء في آخره: (من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون).
والغرض أن الرهبانية التي كانت عند النصارى من التبتل والانقطاع في الأديرة والصوامع الذي يسبب حرمان النفس والجسم من التنعم بلذات الزواج والولد ولذات الطعام والزينة في اللباس وغير ذلك قد أبطلها الإسلام وحذر منها، لان في الرهبانية تقليل النسل، والرسول(صلى الله عليه و آله) يقول تناكحوا وتناسلوا حتى أباهي بكم الأمم، وفيها محذور الوقوع في الزنا مما يسبب تضييع النسل والابتلاء بأنواع من الأمراض الفتاكة وفيها من المشقة والتكليف فوق الطاقة مما يخالف سهولة الشريعة وسماحتها، بالإضافة إلى ما فيها من الكبت للغريزة الشهوية والحرمان من الطيبات وقد احلها الله، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [المائدة/ 88].
وقد روى المفسرون من الشيعة وأهل السنة عدة روايات في سبب نزول هذه الآية، ويستفاد من مجموع تلك الروايات ان رهطاً من المؤمنين من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه و آله) عزموا على أن يرفضوا الدنيا ولذاتها فحرموا على أنفسهم بعض المشتهيات الطيبة فبعضهم الزم نفسه ان يصوم النهار، وأخر ان يقوم الليل ولا ينام على الفراش، وبعض قال لا أكل اللحم الدسم، وأخر لا اقرب النساء، وهمَّ بعضهم ان يجب مذاكيره، فبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه و آله) فبعث عليهم وأنبأهم أولاً بما عزموا عليه فقالوا بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير فقال(صلى الله عليه و آله): (أني لم أؤمر بذلك وان لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وافطروا وقوموا وناموا فأني أقوم وأنام وأصوم وافطر واكل اللحم والدسم وأتي النساء ومن رغب عن سنتي فليس مني).
وفي بعض الروايات (11) أن رسول الله(صلى الله عليه و آله) جمع الناس على اثر ذلك وخطبهم وقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما أني لست أمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فانه ليس في ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع وان سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع.
وأنزل الله على اثر ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ).
والمعنى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أيها المؤمنون (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) بان تتعمدوا ترك التمتع بالطيبات تنسكاً وتقرباً إليه تعالى (وَلا تَعْتَدُوا) بذلك فتتعدوا حدود الله وأحكامه (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) الذين لم يستقيموا ولم يلتزموا بما شرعه الله لعباده بل يبغضهم أي ينتقم منهم، ثم أمرهم أمر إباحة بضد مقتضى النهي الذي قبله ليؤكد لهم إباحة الطيبات فقال: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا) أي مباحاً لذيذاً سائغاً لا شائبة فيه.
ولا يبعد ان المراد بالأكل في هذه الآية مطلق التصرف فيما رزقه الله من طيبات نعمه سواءً كان بالأكل الذي بمعنى التغذي أو بسائر وجوه التصرف، إذ ان استعمال الأكل بمعنى مطلق التصرف استعمال شائع ذائع عند العرب، وكثيراً ما تطلق العرب الخاص فتريد به العام ويعرف ذلك بالسياق والقرائن فقوله (وَكُلُوا) في الآية يعم كل ما ينتفع به من طعام وشراب ولباس ومتاع ومأوى ونكاح وغير ذلك من مطلق التصرف بما رزقه الله من الحلال الطيب بقرينة سبب نزولها (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) أي وخافوا عقاب الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه إذ انتم مؤمنون به فانتم أحق بطاعته فلا تحرموا ما احل لكم من الطيبات بل كلوا منها وتصرفوا فيها على الوجه المشروع.
يقول إمامنا موسى بن جعفر(عليه السلام) لبعض أصحابه: (اجعلوا لأنفسكم حظاً من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال، ومالا يثلم المروءة ومالا سرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين ،فانه ليس من ترك دنياه لدينه، أو ترك دينه لدنياه)(12).
نعم هكذا جاء الإسلام ليحقق التوازن المطلق، والتناسق الكامل بين طاقات الحياة البشرية جميعاً، فهو لا يغفل حاجة من حاجات الفطرة الإنسانية، ولا يكبت طاقة من طاقات الإنسان بل يريد لها ان تعمل عملا سوياً ولا تخرج عن الجادة المستقيمة.
ومن ثم حارب الرهبانية التي كان مذهبها الشائع بين أهلها انهم يتقربون إلى الله بتعذيب النفس والجسم واحتقارها وحرمانها من كثير من الطيبات المستلذة بحيث كانوا يرون التقرب إلى الله منحصراً في ذلك فحرموا على أنفسهم كثيراً من الطيبات، وهذا معناه كبت للفطرة، وتعطيل للطاقة، وتعويق عن إنماء الحياة التي أراد الله لها النماء.
لقد خلق الله هذه الحياة لتنمو وتتجدد وترتقي عن طريق النمو والتجدد، والرهبانية تصطدم مع منهج الحياة كما أراده لها الله، لأنها تقف بها عند نقطة معينة، بحجة التسامي والارتفاع والتسامي والارتفاع مفروضان في الحياة الإسلامية على المسلمين، ولكن في يسر وبساطة، وفي حدود الطاقة، والإسلام يصل بالوسائل الطبيعية اليسيرة إلى أعلى ما تصل إليه مناهج الكبت دون مشقة ولا إرهاق فاعتبروا يا أولي الألباب.
(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام/ 154].

3- الإسلام يحل ما حرمت الجاهلية من الطيبات ويحرم ما أحلت من الخبائث
وجاء هذا الوصف لنبيه(صلى الله عليه و آله): (وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ) خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية قبل بزوغ نور الإسلام على الجزيرة العربية. فان قسماً منهم كانوا يأكلون الخبائث كالميتة، يأكلونها ويقول قائلهم – على من أنكر عليه أكلها -: مالكم تأكلون مما قتلتموه ولا تأكلون مما قتله الله ؟ وكالدم يجعلونه في المصارين المعوية ثم يشوونه ويأكلونه، ويطعمونه الضيف، وكانوا إذا اجدبوا جرحوا ابلهم بالنصال وشربوا ما ينزل من الدم، ويأكلون كذلك لحم الخنزير، ولعلهم يقولون: ما الفارق بين هذا اللحم وذاك؟ إلى غير ذلك من أنواع الخبائث التي احلوها وأكلوها وجاء الإسلام فحرمها لخبثها(13).
وقسماً منهم كانوا قد حرَّموا على أنفسهم بعض الطيبات كثقيف وخزاعة، وبني عامر بن صعصعة، وبني مدلج، وغيرها من قبائل العرب في الجاهلية، حرم هؤلاء على أنفسهم من الأنعام البحيرة والسائبة، والوصيلة والحامي، وهذه نعوت أربعة لأربعة أنواع من الأنعام التي حرموها على أنفسهم تقليداً لإسرافهم.
أما (البحيرة) فقيل: هي الناقة التي أنتجت خمسة أبطن، وكانت البطن الخامسة ذكراً، بحروا أذن تلك الناقة (أي شقوا أذنها شقاً واسعا) وامتنعوا عن ركوبها ونحرها واكل لحمها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من مرعى. وانشد أهل اللغة في البحيرة :
محرمة لا يأكل الناس لحمها*** ولا نحن في شيء كذاك البحائر
وأما (السائبة) فهي ما كانوا يسيّبونه من الأنعام بالنذر لآلهتهم فان الرجل منهم إذا مرض، أو سافر، نذر انه إن عاد من سفره، أو برئ من مرضه ان يسيب ناقته ويقول: (ناقتي هذه سائبة) فيضع بها علامة معروفة عندهم ويطلقها تمضي حيث شاءت ويكون حكمها عندهم كحكم البحيرة في عدم الانتفاع بها وان لا تطرد عن ماء ولا تمنع من مرعى، وانشد أهل اللغة فيها:
وسائبة لله أملـــي تشكراً*** أن الله عافى عامراً ومجاشعا
وأما (الوصيلة) فهي الشاة إذا توأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر، قالوا: إنها وصلت وحرموا لبنها ولحمها عليهم وإذا ولدت بعد ذلك فما تلده يجعلونه للذكور ويحرمونه على الإناث وانشد تأبط شرا في الوصيلة :
أجدك أما كنت في الناس ناعقا*** تراعي بأعلى ذي المجاز الوصائلا
وأما (الحامي) فهو الذكر من الإبل إذا انتج من صلبه (بواسطة اللقاح) عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره (أي منع ظهره من الركوب عليه) فلا يحمل عليه بعد ذلك ولا يمنع من ماء ولا مرعى، وانشد تأبط شراً في الحامي :
حماها أبو قابوس في غير كنهه*** كما قد حمى أولاد أولاده الفحلا
وجاءت من طرق الشيعة وأهل السنة روايات أخرى في معاني هذه الأسماء البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي(14) ولكن المتيقن عليه من معانيها، أن هذه الأصناف من الأنعام كانت في الجاهلية محررة نوعا من التحرير والإعتاق وقد اختلقوا لها أحكاماً كثيرة كحرمة أكل لحمها ولبنها عليهم جميعا، وفي بعضها حرموا أكلها على النساء دون الرجال، وكحماية الظهر من الركوب، وكعدم منعها من الماء والكلأ، وغير ذلك من الأحكام التي ابتدعها من ابتدعها منهم(15) وسار عليها الإخلاف تقليداً للأسلاف وزعموا أن الله هو الذي جعل لهذه الأصناف الأربعة من الأنعام هذه الأحكام وهو الذي حرم عليهم لحمها ولبنها لذا رد الله عليهم ما زعموه وأعلمهم أنه لم يشرع ذلك، فقال عز وجل:(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَ وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) [المائدة/ 104-105]. ومعلوم أن هذه الأنواع الأربعة داخلة في أقسام الطيِّب دون الخبيث، والطيب أباحه الله ولم يحرمه والذي حرم هذه الطيبات أهواء الجاهلية العمياء.
والجاهلية ليست فترة من الزمن كانت في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وقد مضت إلى غير رجعة.
إنما الجاهلية كما عناها القرآن وحددها، هي حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدي الله، وتضع نظما وأحكاما مبتدعة وترفض الحكم بما أنزل الله لذا قال تعالى: (أ فَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة/ 51].
فحينما جاء القرآن يعالج بهذه الآية (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) لم يكن يعالج جاهلية العرب في ذلك الوقت فحسب، وإنما جاء يعالج كل جاهلية ترفض الاهتداء بهدي الله والحكم بما انزل الله وتفتري الكذب على الله وعلى دينه ونبيه.
وإننا لنشهد اليوم – في جاهلية القرن العشرين - أحكاماً تستورد من الشرق أو الغرب وربما يضاف إليها وينقص منها حسب الأهواء ثم يحكم بها في بلاد الإسلام على المسلمين، فإذا أنكرها المؤمنون والمسلمون قالوا: أنها من الدين ولا تعارض الدين أو أنها أحكام تتلاءم مع تطورات الزمن، والحال كل شرع غير شرع الله هو هوى، ذلك ما قرره الله تعالى ومصداقه تاريخ الحياة المخيم عليها الضلال والشقاء.
لقد اختلفت الأهواء من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة ومن أمة إلى أمة ولكنها كانت دائماً هوى وشرع الله وحده هو البريء من الأهواء (وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) [المؤمنون/ 72]، أن الله ليست له مصلحة مع هذا الفريق أو ذاك بل هو الغني عن الجميع والجميع مفتقرون إليه (يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(15)إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ(16)وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر/ 16-18]، وكل خلقه بالتساوي عنده لأفضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات/ 14]، والخلاصة أما اتباع لشرع الله فهو الإسلام وأما اتباع للأهواء فهي الجاهلية في كل مكان وزمان.
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [آل عمران/ 87-88].

الحكمة في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير
لا ريب أن الإنسان كسائر الحيوان والنبات مجهز (بتقدير الحكيم القدير) بجهاز التغذي فيحتاج (بحسب طبعه) إلى الغذاء الكامل ليحفظ به بقاءه، وليقوم بوظيفته في الحياة، وان يكون ما يتغذى به (من طعام وشراب) مطابقاً لأصول التغذية الصحيحة، والنافعة غير الضارة، ليقي بذلك صحته من التعرض للأسقام والأمراض.
وقد وجه الدين الإسلامي عنايته البالغة بالإنسان من هذه الناحية فأباح له كل غذاء طيب، نافع، كما حرم عليه كل غذاء خبيث، ضار… وتفصيل ذلك تتكفل بيانه كتب الفقه، باب الأطعمة والأشربة وغيرها (16).
ومن الأغذية الخبيثة والضارة التي نص القران المجيد على تحريمها: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وقد نص القران على تحريمها في آيات عديدة من سور عديدة مكية ومدنية.
وأخر آية نزلت مؤكدة تحريمها هي آية المائدة، وهي قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ.. ) إلى قوله تعالى: (فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة/ 4]، وسئل إمامنا الصادق(عليه السلام) عن علة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير فقيل له – كما في تفسير العياشي - (17): جعلت فداك، لم حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير؟ فقال(عليه السلام): (إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده واحل لهم ما سواه من رغبة منه – تبارك وتعالى – فيما حرم عليهم، ولا زهد فيما احل لهم ولكنه خلق الخلق، وعلم ما يقّوم به أبدانهم، وما يصلحهم فأحله وأباحه تفضلاً منه عليهم لمصلحتهم، وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم، ثم أباحه للمضطر وأحلَّه لهم في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به، فأمره ان ينال منه بقدر البُلغة لا غير ذلك
ثم قال: أما الميتة فانه لا يدنو منها أحد ولا يأكلها إلا ضُعف بدنه ونحل جسمه، ووهنت قوته، وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلا فجأة. وأما الدم فانه يورث الكلب(18) ، والقسوة للقلب، وقلة الرأفة والرحمة، لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه، ولا يؤمن على حميم، ولا يؤمن على من صحبه. وأما لحم الخنزير فإن الله مسخ قوماً في صور شتى شبه الخنزير والقرد والدب وما كان من الامساخ، ثم نهى عن أكله مثله لكي لا ينتفع بها ولا يستخف بعقوبته.
هذا بعض ما ورد عن الإمام الصادق وأبيه الباقر(عليه السلام) في علة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير على الإنسان، وفيه أولاً: التصريح بأن الله علم ما يقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأباحه، وما يضرهم فحرمه، وان المحرمات أباحها لهم عند الاضطرار، لان التغذية تكون منحصرة فيها، وهذا يعني ان تحريم هذه الثلاثة على الإنسان لحفظ صحته وقوام بدنه.
ثم بين أضرار الميتة بالخصوص، بأن أكلها يسبب ضعف البدن ونحولته ووهن قوته وانقطاع نسله، كما يسبب عليه بالأخير موت الفجأة. وما ذلك – طبعاً – إلا للأمراض الشديدة التي تتعلق به من أكلها وتكون نتيجته تلك العاقبة الوخيمة (قاتل نفسه بنفسه، وقاتل نفسه ألأم من قاتل غيره)، وأن الدم يورث الكلب، وقسوة القلب، وقلة الرأفة والرحمة، وبسبب ذلك لا يؤمن ان يعتدي بالقتل على القريب والبعيد، وما ذلك إلا لما يؤثر الدم في أكله من الانفعالات السيئة، وان لحم الخنزير– بالإضافة إلى أضراره في الصحة – هو من أنواع الممسوخات التي شاء الله ان لا ينتفع بها، بيعاً وشراء واقتناء حتى لا يستخف بعقوبته سبحانه.

الطب الحديث يكشف عن أضرار هذه المحرمات
واليك الآن ما قرره الطب الحديث عن الميتة بأنواعها، والدم ولحم الخنزير مع تعريفها.
أما الميتة: فهي كل حيوان فارقته الروح دون أن يذبح، سواء كان موته بحادثة من الحوادث، أو موتاً طبيعياً.
ونبدأ بالميتة الطبيعية. ومعلوم أن كل كائن حي إذا مات هذه الميتة، فلا بد ان تكون ميتته أما عن مرض ظاهر أو خفي أو لشيخوخة أنتهى بها عمرها الطبيعي. وكل ذلك مما يؤدي إلى انحلال أنسجة الجسم، أما لضعف الشيخوخة الطبيعي، أو للأمراض الخفية التي تؤثر فيها تدريجياً حتى لا تبقى قيمة غذائية للحومها، ولا قابلية لهضمها، وحتى تصبح كلاً على المعدة، وتحدث لذلك أمراضاً معدية خطيرة. وتحصل تلك الأمراض أحياناً عن جراثيم تغلبت سمومها حتى أماتت ذلك الحيوان.
فإذا كانت الميتة بهذه الصورة فلابد أن تنشط في جسم الميتة بعد المــوت (البكتريا الرمّيــة) و(التعفنية)، فإذا أكلها الحي أمرضته بالضرورة... حسبما ثبت في علم (البكترلوجيا).
ولا عبرة بأكلها دون ضرر في البلاد الباردة، لان ظهور الضرر في المناطق الباردة يقل غالباً بعكس البلاد الحارة.
ولما كان الدين الإسلامي ديناً عاماً، انزل للعالم كله، بما فيه الأقاليم الحارة التي يحدث فيها التخمر والانفعال بسرعة مدهشة، كان من البديهي ان استعمال اللحوم السليمة التي تذبح ويصفى دمها أحسن غذاء وأصح وأسلم وليس فيها اقل ضرر، بخلاف الحيوان المريض المتخلّلة لحومه بالدم الذي لا يخلو من وجود الإفرازات السمية، ولذا لم يخص الإسلام تحريمها بمنطقة دون أخرى، بل حرمها على كل مسلم، وفي أي مكان وزمان.
قال أحد الأطباء: لاشك أن الميتة تنعدم فيها جميع خواصها الطبية للبدن، وتزول كل موادها الحيوية فإذا أكلها الإنسان عقب موت الحيوان مباشرة أحدثت له مغصاً في المعدة، ونزلات معوية حادة أما إذا مضت على موته مدة حتى تعفن فقد صار سماً ذعافاً، وأضّر في البدن ضرراً كاد أن لا يُتدارك ، مثل: الفالج والسكتة وموت الفجاءة، وأحياناً بالمداومة قد يحدث العقم في النسل.
وهكذا كان تصريح الإمام الصادق(عليه السلام) في جوابه السابق عن أكل الميتة قبل ثلاثة عشر قرناً.
وأما الميتة التي تموت بحادثة من الحوادث فهي مشتركة معها في الأضرار، لوجود نفس الأسباب فيها، والتي نص القرآن على حرمتها:
المنخنقة: وهي البهيمة التي تموت بالخنق، وهو أعم من أن يكون عن اتفاق قد خنقت نفسها، أو بعمل عامل اختيارا، كما لو خُنقت بحبل يشد على عنقها، ويُسد بضغطه مجرى تنفسها، أو بإدخال رأسها بين خشبتين، كما كانت هاتان الطريقتان وأمثالهما دائرة بين الجاهليين قبل الإسلام.
الموقوذة: وهي البهيمة التي تموت بالرمي، أو ضرب العصا أو الحجر.
المتردية: وهي التي تموت من ترديها، أي: سقوطها من أعلى إلى اسفل كشاهق جبل أو بئر ونحوهما.
النطيحة: وهي التي تموت بنطح حيوان آخر، وغالباً ما يحدث الموت من أثر النطح.
ما أكل السبع: وهي التي أفترسها الوحش الضاري، كالأسد والذنب، والنمر، ونحوهما إذ كثيراً ما يعتدي الوحش على قطعان الماشية فيتناول منها فريسته، ويتبعه الرعاة عادة للحيلولة بينه وبين الفتك بالفريسة، وقد يدركونها كلها بعد قتلها، وقد يدركون بعضها وتعتبر في كلتا الصورتين ملحقة بالميتة. وتحريم كل هذه الأقسام وما جاء الإسلام به أمر صحي حيوي، يريد الشارع المقدس به حفظ صحتنا والبقاء على كياننا وجلب سعادتنا في حياة صحيحة هانئة. إذ أن هذه الأقسام من الميتة لا تصلح للأكل طبياً، كما قرر ذلك علم فحص اللحوم لتغير شكلها من الاسوداد، والكآبة واللزوجة وكراهة الرائحة التي تكون في هذه الأقسام، وفي بعضها تصل الجراثيم المدية أو القيحية إلى الجرح الذي حدث في الجثة من الضرب أو من السقوط أو النطح وربما انتقلت الجراثيم من فم السبع إلى الفريسة …. ولذلك وغيره حرم الإسلام جميع هذه الأقسام من الميتة، إلا إذا أدركت قبل موتها وذكيت بالذبح الشرعي. فلا مانع حينئذ من أكلها.
أما الدم: والمراد منه هنا المسفوح طبعاً، لا ما خالط اللحم منه كالكبد وغيره، كما صرحت بذلك الآيات(19) فقد قال فيه الطب: أن الدم مرتع للجراثيم المرضية، ومحل صالح لنموها وتكاثرها، لذلك ترى الأطباء إذا استعصى عليهم معرفة الداء كشفوه بتحليل الدم ومعرفة ما فيه. غير انه ما دام هو في داخل البدن فهو محفوظ من الضرر لوجود الكريات البيض التي قد جعلها الله سبحانه وتعالى فيه – بحكمته – كشرطة الحرس أو جند الدفاع لمكافحة كل عدو يهاجم الدم، ولكنه إذا خرج إلى الخارج ولاقى الهواء الفاسد فسد وزالت من كرياته البيضاء تلك المناعة والقدرة على الدفاع، فيصبح الدم بعد ذلك جسماً فاسداً، يحمل إفرازات سمّية يجب التخلص منها، كما انه يحمل معه بعض محتويات البول، فلذا لا تقوى المعدة على هضمه، ولا الأعضاء على قبوله، بل يكون كلاً عليها، مضافاً إلى ما يحدثه من تهيج الأغشية المعدية المعوية.
ثم إن أكثر الحيوانات، ولاسيما المواشي منها، اغلب ما تصاب به من الأمراض هو الطاعون، والحمّيات الخبيثة، والتدرن… وهذه ليس لجراثيمها مرتع سوى الدم الحيواني، فإذا دخل هذا الدم الملوث إلى بدن الإنسان أمرضه دون شك. زد على ذلك أن هذين الدمين (أعني: دم الحيوان ودم الإنسان) إذا اختلطا في الداخل أحدثا ارتفاعاً عالياً في درجة حرارة البدن، وفي ضغط الدم. وقد يحدث منهما القيء المزعج، لما في الدم من حديد مجمد (فيرين) سريع الفساد.
هذا بالإضافة إلى ما أبانه لنا الإمام الصادق من ان الدم يورث الكلّب، وقسوة القلب…الخ.
أما لحم الخنزير، فأن أكله – مضافاً إلى ما فيه من قذارة منفرة – يحدث الداء المسمى (تريشينوز) وهو داء عسر العلاج، مخيف العوارض، إذ يصحبه إسهال شديد، وأحياناً دموي مع مغص، وحمى قوية، وانحطاط في القوى، وأوجاع مؤلمة في المفاصل، وجفاف في الحنجرة وأعضاء التنفس، وانتفاخ ظاهر في الوجه وخاصة حول العينين وأخيراً ضعف عام وهزال ناشئ عن عدم الأكل، ثم تشتد هذه العوارض وربما انتهت بالموت.
وقد أكتشف هذا الداء الطبيب الإنجليزي (باجت) في سنة 1835م بمساعدة أستاذه (أوين) عند تشريح جثة إنسان كان يكثر من أكل لحم الخنزير، وبعد تجارب متعاقبة ظهر لديه أن هذا الداء ينشأ من دودة تسمى (تريشينلا) تعيش في أمعاء بعض الحيوانات ذوات الثدي كالفيران والجرذان والأرانب والكلاب والخنازير والقطط غير أنها في الخنازير أربى وأكثر توالداً خصوصاً وهي تأكل الجيف من كل حيوان يموت وفيه هذه الطفيلة.
فإذا أكل الإنسان لحم هذا الخنزير المصاب بها، فلابد وأن يبتلع قسماً كبيراً من أكياسها الحية المخزونة في لحم الخنزير المصاب بها وبعد يومين من وصول هذه الأكياس إلى المعاء الغليظ من الإنسان، يذوب غشاؤها الكيسي، وتخرج الديدان ذكوراً وإناثاً فتتلاقح، ثم يخرج البيض، فيخرق جدر المعاء، ثم يسير من المجاري اللمفاوية إلى القلب ثم إلى أيسره حيث تختلط البيوض مع الدم، وتنتشر في جميع أنحاء البدن، وهناك تظهر الأعراض المذكورة آنفاً، ولا علاج له إلا بترك أكل لحم الخنزير. وقد لا يمكن التخلص منها – وإن عولجت – حتى الموت إذ لو بقي منها ولو قطعة صغيرة أو بويضة واحدة لعادت بعد مدة إلى ما كانت عليه أولاً، وهذا داء خطير مآله الفناء والموت.
ويقول بيتي وديكسون: إن الإصابة بها تكاد تكون عامة في جهات خاصة من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، ولكنها تكاد تكون نادرة الوجود في البلاد الشرقية لتحريم دين أهلها أكل لحم الخنزير.
فإذا عرفت ذلك فهل يبقى لك شك في ان الشارع المقدس إنما حرم لحم الخنزير لم يرد بذلك إلا وقاية الأبدان والنفوس من مثل هذه الأدواء الخبيثة المهلكة، وحفظا لصحتها وإبقاء على حياتها تفضلا وكرما.
واستحضر ولا تنس جواب الإمام الصادق(عليه السلام) عن علة تحريم هذه الأنواع من المآكل بقوله: ولكنه خلق الخلق وعلم ما يقوّم به أبدانهم وما يصلحهم فأحله وأباحه، تفضلا منه عليهم لمصلحتهم، وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم.. الخ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة/119].(20)


الحكمة في تحريم الخمر
ان الدين الإسلامي الحنيف الذي تكفل بصلاح العالم معاشا، ومعاداً، والدين الذي بعث به خاتم الأنبياء ليتمم مكارم الأخلاق، لمن اكثر الأديان العامة اهتماماً بشؤون المجتمع، مادياً وأدبياً، صحياً وأخلاقياً، روحياً وبدنياً. لذلك تراه لم يأمر بأمر إلا وفيه الحكمة التي تنظر إلى ما ينفع الفرد في حياته الدينية والدنيوية، وأخيراً إلى ما ينفع المجتمع الذي يعيش فيه الفرد. وكذلك لم ينه عن شيء إلا إذا كان فيه ما يضر الفرد في دينه ودنياه.. وأخيراً فيه ما يضر المجتمع. وهذه نقطة جوهرية تتمشى مع جميع الأوامر والنواهي الإسلامية الحكيمة.
يقول الإمام الرضا(عليه السلام): (إن الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلا لما فيه من المنفعة والصلاح، ولم يحرم إلا لما فيه الضرر والتلف والفساد)(21) فتحريم الأشياء إذاً وإباحتها على أساس المصالح ودرء المفاسد لا غير.

الخمر في الكتاب
ولهذا الغرض، وهذه الحكمة التي نظرها الشارع المقدس للإنسان فقد شّدد النكير، وحّذر الجميع من استعمال الخمر، وأوجب اجتنابها حتى قرنها بالشرك وعبادة الأوثان بقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة/91](22). وحتى بيّن لنا نتائجها الدنيوية المضرة والمقلقة للحياة، بقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) [المائدة/ 92]، وأخبر أن الخمر والميسر فيهما إثم كبير بقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) [البقرة/ 221].
وقبل هذه الآيات حرم الخمر تحريماً صريحاً وسماها (إثماً) وجمعها مع الفواحش الظاهرة والباطنة، والبغي، والشرك بالله، والقول على الله بغير علم، بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [الأعراف/ 33].
ومعلوم أن الإثم هو اسم من أسماء الخمر، كما في (القاموس) باب الميم، فصل الهمزة، وغيره من كتب اللغة. وكما قال شاعر العرب:
شربت الإثم حتى ضّل عقلي*** كذاك الإثم تذهب بالعقول
وقال غيره من العرب أيضاً:
نهانا رسول الله أن نقرب الخنا*** وأن نشرب الإثم الذي يعقب الوزرا
ولو فرضنا أن الإثم في هذه الآية لم يكن المقصود منه الخمر بالذات، بل مطلق الإثم الذي هو الذنب المستوجب لصاحبه العقوبة وجمعه (آثام)، كما تنص على ذلك كتب اللغة أيضاً… مع ذلك نستطيع أن نعلم علم اليقين أن القرآن قد نص على حرمة الخمر، وذلك إذا جمعنا بين هذه الآية من سورة الأعراف وبين الآية السابقة من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) يتضح لنا النص بحرمتها، حيث صرحت هذه الآية ان في الخمر والميسر إثما كبيراً، وآية سورة الأعراف النازلة قبلها صرحت بحرمة الإثم، فينتج من الآيتين ان الخمر محرمة لما فيها من الإثم الكبير.
وهذه شبهة – كانت ولا تزال – نسمعها دائماً تدور على السن الجاهلين المستهترين من عبدة الهوى وأتباع الشهوة، الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وهي أن الخمر لم يحرم في القرآن، حيث لم ينص على حرمته، بل قال: (فَاجْتَنِبُوهُ) ولم يقل: حرمته فاتركوه، وقال: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) ولم يقل: فانتهوا عنه.
بل نُقل(23) عن بعض غلاة الفسق والفجور أنهم قالوا: سألنا القرآن هل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا، ثم سكت وسكتنا.
نعم، هكذا (شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ) [الأنعام/ 113-115].
وقد سئل أحد من آتاهم الله الكتاب وأورثهم علمه بعد أن اصطفاهم، وهو إمامنا موسى بن جعفر(عليه السلام)، عن هذه بالمسألة بالذات، والسائل هو الخليفة العباسي محمد المهدي بن المنصور الدوانيقي، وذلك على ما روى شيخنا الكليني في (الكافي)(24) بسنده عن علي بن يقطين قال: سأل المهدي أبا الحسن(عليه السلام) عن الخمر هل هي محرمة في كتاب الله عز وجل؟ فإن الناس إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها، فقال له أبو الحسن(عليه السلام): (بل هي محرمة في كتاب الله عز وجل، يا أمير المؤمنين). فقال له: في أي موضع هي محرمة في كتاب الله عز وجل يا أبا الحسن؟ فقال: (قول الله عز وجل: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)… فأما قوله (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) يعني الزنا المعلن، ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية، وأما قوله عز وجل (وَمَا بَطَنَ) يعني ما نكح الآباء لأن الناس كانوا قبل أن يبعث النبي(صلى الله عليه و آله) إذا كان للرجل زوجة ومات عنها تزوجها ابنه من بعده، إذا لم تكن أمه فحرم الله عز وجل ذلك.
وأما الإثم فإنها الخمر بعينها، وقد قال الله تبارك وتعالى في موضع آخر: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فأما الإثم في كتاب الله فهي الخمر والميسر وإثمهما كبير كما قال الله عز وجل). قال: فقال المهدي: يا علي بن يقطين، هذه والله فتوى هاشمية، قال: فقلت له: صدقت والله يا أمير المؤمنين، الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت، قال: فوالله ما صبر المهدي أن قال لي: صدقت يا رافضي.

الخمر في الحديث النبوي
وإذا ثبت النص بحرمة الخمر في القرآن، ثبت أن الخمر من الخبائث لقوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ) بل هي كما عبر عنها سيد الأنبياء في بعض أحاديثه الحكيمة التي منها قوله(صلى الله عليه و آله):
(أجتنبوا الخمر فانها أم الخبائث).
(إياك وشرب الخمر وكل مسكر، فانهما مفتاح كل شر)(25).
(إن الخمر رأس كل إثم)(26).
(كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر)(27).
(حرمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب)(28).
(شارب الخمر كعابد الوثن)(29).
(لا يزال المرء في صحة من عقله ودينه، ما لم يشرب مسكراً)(30).
(ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، ومدمن سحر، وقاطع رحم)(31).
(يا علي، من ترك الخمر لغير الله سقاه الله من الرحيق المختوم، فقال علي(عليه السلام) :لغير الله ؟ قال: نعم والله، صيانة لنفسه، يشكره الله على ذلك. يا علي، شارب الخمر كعابد وثن. يا علي شارب الخمر لا يقبل الله عز وجل صلاته أربعين يوماً، فان مات في الأربعين مات كافراً).
(يا علي، كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فالجرعة منه حرام).
(يا علي، جعلت الذنوب كلها في بيت، وجعل مفتاحها شرب الخمر).
(يا علي، تأتي على شارب الخمر ساعة لا يعرف فيها ربه عز وجل).
(يا علي، من السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر ، ومهر الزانية، والرشوة في الحكم، وأجر الكاهن)(32).
(إن الله عز وجل بعثني رحمة للعالمين، ولأمحق المزامير والمعازف وأمور الجاهلية والأوثان، وقد أقسم ربي أنه لا يشرب عبد لي خمراً في الدنيا إلا سقيته مثل ما يشرب منها من الحميم يوم القيامة، معذباً كان أو مغفوراً له)(33).
(من شرب الخمر بعد ما حرمها الله على لساني، فليس بأهل أن يزوج إذ خطب، ولا يشفع إذا شفع، ولا يصدق إذا حدث، ولا يؤتمن على امانة، فمن ائتمنه بعد علمه فيه، فليس للذي ائتمنه على الله ضمان ولا له اجر ولا خلف)(34).
(لعن رسول الله(صلى الله عليه و آله) الخمر، وعاصرها، ومعتصرها وبائعها، ومشتريها، وساقيها، وآكل ثمنها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه)(35).

الخمر في حديث أهل البيت
هكذا قد جاء الوحي السماوي محرماً الخمر، ومحذراً من فتكها وأضرارها، وجهر سفير السماء وسيد الأنبياء(صلى الله عليه و آله) بصوته الجهوري معلناً للناس تحريمها، كاشفاً لمجموعة البشر جملة من أخطارها وهكذا جاء بعده أهل بيته، سدنة شريعته، وخلفاؤه على أمته عليهم السلام يتابعون صوته، ويذيعون كلمته في أضرار الخمر، وحكمة تحريمها وخبثها:
فيقول أمير المؤمنين، لما قيل له: إنك تزعم أن شرب الخمر أشد من الزنا والسرقة؟ قال: (نعم، إن صاحب الزنا لعله لا يعدوه إلى غيره، وان شارب الخمر إذا شرب الخمر زنى وسرق وقتل النفس التي حرم الله قتلها، وترك الصلاة)(36).
وورد عنهم(عليهم السلام): (إن الله جعل للمعصية بيتاً، ثم جعل للبيت باباً، ثم جعل للبيت غلقاً، ثم جعل للغلق مفتاحاً، فمفتاح المعصية الخمر)(37).
وقال الصادق(عليه السلام): (من شرب النبيذ على انه حلال خلد في النار، ومن شربه على انه حرام عذب في النار)(38).
وعن الباقر(عليه السلام): (يأتي شارب الخمر يوم القيامة مسوداً وجهه، مدلعاً لسانه، يسيل لعابه على صدره، وحق على الله ان يسقيه من طينة خبال.. (أو قال: من بئر خبال). قال الراوي: قلت: وما بئر خبال ؟ قال: بئر يسل فيها صديد الزناة)(39).
وعن أحدهما قال: (ما عصي الله بشيء اشد من شرب الخمر، ان أحدهم ليدع الصلاة الفريضة، ويثب على أمه أو أخته أو ابنته وهو لا يعقل)(40).
وعن الباقر(عليه السلام): (إن شرب الخمر يدخل صاحبه في الزنى، والسرقة، وقتل النفس التي حرم الله، وفي الشرك بالله، وأفاعيل الخمر تعلو على كل ذنب، كما تعلو شجرتها على كل شجرة)(41).
وعدَّ الإمام الصادق(عليه السلام) الكبائر من الذنوب إلى أن قال: (وشرب الخمر لان الله نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان)(42).
وعن إسماعيل بن يسار قال: "سأل رجل أبا عبد الله(عليه السلام) عن شرب الخمر، أشر أم ترك الصلاة؟ فقال: (شرب الخمر أشر من ترك الصلاة…) ثم قال: (وتدري لم ذاك؟) قال: لا. قال: (يصير في حال لا يعرف الله تعالى، ولا يعرف من خالقه).
وروي أن زنديقاً قال للإمام الصادق(عليه السلام): لم حرم الله الخمر ولا لذة أفضل منها؟ قال(عليه السلام): (حرمها لأنها أم الخبائث، ورأس كل شر، تأتي على شاربها ساعة يسلب فيها لبه فلا يعرف ربه، ولا يترك معصية إلا ركبها، ولا حرمة إلا انتهكها، ولا رحماً ماسة إلا قطعها، ولا فاحشة إلا أتاها والسكران زمامه بيد الشيطان، إن أمره أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد حيثما قاده)(43).
وقال: (أما الخمر فإن الله حرمها لفعلها وفسادها) وقال: (ان مدمن الخمر كعابد وثن، ويورثه ارتعاشاً، ويذهب بنوره، ويهدم مروءته، ويحمله على ان يجسر على المحارم من سفك الدماء، وركوب الزنا، ولا يؤمن إذا سكر ان يثب على حرمه، وهو لا يعقل ذلك، والخمر لا تؤدي إلا إلى كل شر)(44).
وقال(عليه السلام): (ما بعث الله عز وجل نبياً قط إلا وفي علم الله إنه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراماً)(45).
وعن الإمام الرضا قال: (ما بعث الله نبيا قط إلا أتى بتحريم الخمر)(46).
نعم، لقد حرم الله الخمر على عباده في جميع شرائعه، ومنعها عنهم منعاً باتاً إيصاداً لباب الشرور والمفاسد في وجوه الأشرار والمفسدين ولكن أحلته شريعة المسيحيين خلافاً لشريعة المسيح التي زعموا كذباً وافتراءً – أنهم متمسكون بها.
عن محمد بن سنان قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى ابن جعفر (وهو الإمام الرضا(عليه السلام)) يقول: (حرم الله عز وجل الخمر لما فيها من الفساد ،ومن تغييرها عقول شاربيها وحملها إياهم على إنكار الله عز وجل، والفرية عليه وعلى رسله، وساير ما يكون منهم من الفساد ،والقتل، والقذف والزنا، وقلة الاحتجاز عن شيء من المحارم، فبذلك قضينا على كل مسكر من الاشربة انه حرام محرم لأنه يأتي من عاقبته ما يأتي من عاقبه الخمر، فليجتنب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتولانا وينتحل مودتنا كل شارب مسكر ، فانه لا عصمة بيننا وبين شاربه)(47).
وعن أحدهما عليهما السلام: قال: (الغناء عش النفاق والشرب مفتاح كل شر، ومدمن الخمر كعابد الوثن، مكذب بكتاب الله لو صدق كتاب الله لحرم حرام الله)(48).
عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنه قال: (شارب الخمر اذا شربها ضُرب(49) فان عاد ضُرب فان عاد قُتل في الثالثة) قال جميل: وقد روى بعض أصحابنا انه يُقتل في الرابعة(50).
عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: (المضطر لا يشرب الخمر لأنها لا تزيد إلا شراً، فإن شربها قتلته، فلا يشربن منها قطرة)(51).
وسئل الإمام الصادق عن الرجل يشرب النبيذ ليس يريد به اللذة وإنما يريد به الدواء، فقال: (لا، ولا جرعة) ثم قال: (إن الله لم يجعل في شيء مما حّرم شفاءً ولا دواءً)(52).
وسئل(عليه السلام) عن المائدة إذا شرب عليها الخمر أو مسكر فقال: (حرمت المائدة…)(53).

الخمر في نظر الطب الحديث(54):
قال الطب:
الخمرة هي السائل الحاصل من تخمير بعض المواد كالقمح والشعير والذرة والأرز والعنب والتمر والبلح وكثير غيرها من الأثمار والفواكه والحبوب لمدة معينة. وان هذا السائل إذا شرب احدث في الدماغ والجهاز العصبي تنبيها ونشاطا موقتا، وبعث في النفس انبساطا وارتياحا فوريا ،ولكنه سائل فتاك يجري مع الحياة فيدمرها ،ويسيل مع الروح فينهكها.
وقد ثبت أن الخمرة تتركب من الماء والكحول وجزء ثالث يسمى (كاندولين)، ومادة عفصية (أسيدتنيك)، ومن حامض الطرطريك، وحامض خلي، وثاني طرطرات البوتاس، وملح الصوديوم وغيرها مما تفصله الكتب الطبية الكيمياوية وكل ما ذكر من أجزائها التركيبية لا يضر كضرر (مادة الكحول) الفتاكة الموجودة في كل مسكر، والتي هي أساس أضراره، ومصدره شروره وأخطاره، لأنها تخثر زلال البدن وتجفف مائية الأعضاء بامتصاصها، وبذلك يحصل التغيير والتبديل في التركيب الكيماوي لمادة (البروتوبلازما) في حجيرات كل خلية من خلايا تلك الأعضاء كالدماغ والكبد والكلى. ومن اثر هذا التغيير تظهر أعراض السكر فتفقد الملكات العقلية ،وحينئذ يظنها الجاهل نشاطا فيسعى اختياراً إلى أتلاف جسمه وعقله كليا لهذا الابتهاج الموهوم الموقت.
وقد اجمع الأطباء كافة على ان المادة الكحولية في كل مسكر سم قاتل، قوي الفتك، تحرمه قوانين الصحة ونواميس الطب لما يضم هذا المسكر بين خلاياه هذا العدو اللدود الذي لا يرحم الجسم ولا العقل.
وقد يظن من يحتسي جرعات قليلة من الخمرة انه لا يلحقه منها ضرر بليغ وان أثرها ينتهي بانتهاء مفعولها الموقت ،لأنها تتبخر ولا يبقى منها شيء يضر، ولكنه لو نظر إلى داخل كبده ومعدته ورئتيه وأوعيته الدموية لدهش وراعه ما يرى من انحطاط قوى هذه الأعضاء وتلفها، ولعلم ان تلك الجرعة الخفيفة كيف أخذت تعدم مناعتها الفطرية، وكيف جعلتها مستعدة لقبول كل مرض أو ميكروب يداهمه وأزالت عنه كل مقاومة لصدها ومنعها.
واليك الآن مجمل أضرارها(55)، فإنها تسيء الهضم، وتمدد المعدة وترخيها، وتؤثر على الدورة الدموية في سيرها إذ توسع الشرايين والأوردة، وتلهب الكلى والمثانة، وتورث الخلل في وظائف مطلق الأعضاء ،فيحصل من ذلك الأرق، وسرعة الانفعالات النفسية، والغضب، وشدة التأثر والتهيج لأقل حادث، ثم ضعف أعصاب الحركة فتختل في المشي والجري، مضافاً إلى أثرها البليغ في القوى العقلية، والأفعال المخية، من فساد في التصورات، وعدم استقامة في التصرفات وفوق ذلك أضرارها بإفساد لحجرات الخصيتين.
وبالجملة فإنها أم الخبائث، وجرثومة الفساد، وأساس كل ضرر ومفتاح كل فاحشة، وبذرة كل مرض خطر، بل هي السوسة التي تنخر مجد الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الأمة بأسرها.
فلا غرو إذا ما حرمها الدين الإسلامي الحكيم في قرانه العظيم إذ ينظر الإنسان بعين اللطف والخير.
أما ما أشار إليه القران من المنافع، فليس هو من جانب صحة الجسم، فانه لو اتفق ان أفاد الفرد فانه ليضر الآلاف من متعاطية. نعم، لقد كان الخمر يوصف إلى عهد قريب كدواء مقو، أو مدر للبول، أو قابض للمعدة، وأحيانا للناقهين والمصابين بداء السكر والحميات المتقطعة، ولكن أخيراً اتضح لديهم: ان الكحول لا تشفي من مرض البتة، بل بالعكس تزيد في وطأة كثير من الأمراض، طبقاً لما ورد في حديث أهل البيت عليهم السلام: (لا شفاء في مسكر)(56).
ولعل منافعها المشار إليها في القران هو ما يحصل للمعتصر والبائع والمّتجر وأمثالهم من الثروة والمال.
نعم، قد تستعمل الكحول اليوم لدلك الجلد في بعض الأمراض، وأحياناً يستعمل قليل منه مع بعض المركبات الطبية.
ولكن العاقل من سلم منه، وحفظ ماله وبدنه وشرفه وعرضه ودينه وأخلاقه، وإلا فسوف يقرع نابه ندماً ولات حين مندم.

أقوال الأطباء والحكماء في الخمر
واليك كلمات بعض أساتذة الأطباء والحكماء من الغربيين وغيرهم:
قال اوغلادستون: (إن مضار الخمر اشد وطأة من الآفات السماوية المهلكة، والأوبئة الجارفة، والقحط والحروب ).
وقال أوزلر: (ان الخمرة افضل سماد المكروبات في البدن عند ابتلائه بأحد الأمراض. فالخمر سرطان في جسم الفرد أين ما وجد يجب أزالته وفصله).
وقال الدكتور ظيفل: (ان الخمرة تؤثر أسوء تأثير على الجهاز العصبي حتى تورث الجنون)
وقال المستر وليم ويلكوكس: (الكحول مادة تسمم خلايا الجسم الحية، وهو يؤثر مباشرة في الجهاز العصبي، والمخ، ويفسد ملكات الإنسان العليا كالحكم السديد والإدراك والضبط).
وقال الأستاذ سمس وودهيد: (ان الكحول سم إجماعي)
وقال السير اندرو كلارك: (أعتقد ان الصحة السليمة الجيدة تفسدها ولو جرعات قليلة من الكحول).
وقال الدكتور حامد البدري – الطبيب المصري -: (ان الخمر تسبب تهيجاً في المعدة، وتؤثر في النبض وتزيد في دقات القلب وترفع الضغط، وتعرض شاربها للخطر وللموت البطيء، إذ يصاب بالشلل، وإنها تتلف الكبد، وتسبب ضموراً في خلاياها ونسيجها، واذا مرض الكبد تعرض الإنسان لأمراض كثيرة وبيلة).
وقال الدكتور محمد وصفي – من مشاهير أطباء مصر -:
(إن تأثير الخمر يقع على المراكز العصبية… إلى قوله: فيحدث الخمول في هذه الأعصاب، وينتهي الأمر بتخديرها، وتعطيل عملها من ثم يتسبب الموت).
وقال طبيب ألماني: (اقفلوا لي نصف الحانات اضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والسجون)(57).
وقال حكيم فرنسا (ريشه): (إني لأعجب من الحكومات تمنع السموم ولا تمنع الخمور).
وقال القائد الفرنسي – هنري -: (ان الخمور آخر سلاح لقتل المستعمرات وتمزيق شعورهم).
وقال الدكتور – بوته -: (لا أعرف مرضاً أزاله الكحول)(58).
هذه شهاداتهم ومشاهداتهم في الخمر، وهو قليل من كثير مما افاضت به الكتب والمؤلفات والنشرات…
أفلا تكون عبرة لمن اعتبر، وذكرى لمن تعقل فازدجر؟ !!
إحصاءات عن نتائج السكر(59)
دلت الإحصاءات على ان ربع المرضى في مستشفيات فرنسا هم من المدمنين. وأن اكثر من نصف مرضى المجانين هم من المدمنين.
وان 90 % من سكان مستشفيات الأمراض الزهرية في العالم من مرضى الكحول.
وان 90% من المصابين بالأمراض الرئوية، كالسل، في مستشفيات فرنسا من مدمني الكحول.
أن 49% من الجرائم ضد المتاع سببها السكر.
وأن 51% من الجرائم ضد الناس سببها الخمر.
وأن 41 % من مجموع الجراثيم سببها الخمر أيضاً.
وأن إحصائيات شركات التأمين على الحياة تثبت قصر حياة شاربي الخمور.
وأن 25% ممن أتلفوا أموالهم وصاروا يستجدون في الشوارع والأسواق هم من شراب الخمر.
وأن 27% من الموجودين في الملاجئ منهم أيضاً.
وأن 65% من الناس الذين عجزوا عن الأنفاق على عائلاتهم كان سبب عجزهم هو الخمر.
هذا وإن الطب أثبت أن متعاطي الخمور هم اقل مقاومة للأمراض وعلى كل، فان أقوال المصلحين من الأطباء والعلماء والزعماء في النهي عنها ونصح الجهال عن معاقرتها، والتلوث بجراثيمها اكثر من أن تحصى، حتى أن كثيراً من الدول المتمدنة والجمعيات الإصلاحية حرمت الخمر، أودعت إلى تحريمها حرصاً على المصلحة العامة، وردعاً للأمم عن أخطارها، وأضرارها من الوجهة الصحية والأخلاقية والاجتماعية، مثل حكومة الافغان، وفنلندا، والنرويج، فإنها منعت من بيعها، ومثل بلجيكا فأنها منعت من شربها.
وحرم بعض زعماء ألمانيا الخمر على نفسه ونصح الشعب بعدم تناولها لأضرارها. ومثل أمريكا فقد منعتها منعا باتا مدة من الزمن.
واليك اعظم تقرير طبي لأعظم مؤتمر طبي مؤلف من (250طبيبا) من خيرة أطباء أمريكا واروبا الذي عقد في شيكاغو عام 1919م، نذكر لك بعض فقرات من تعريبه:-
ان الاعتياد على تعاطي المشروبات الكحولية عظيم الضرر، كبير الخطر على التركيب الجسماني، إذ لاتمر الكحول بعضو من أعضاء هذا التركيب البديع الدقيق إلا ويلحق به ضررا ويحيق به آذى… إلى ان يقول: ان الاعتياد على تعاطي الكحول لمما يعجل الهرم، ويسرع بالمرء إلى هاوية الموت لأنه ينتج في الجسم تصلب الشرايين، وتضخم القلب… إلى ان يقول: ان الكلى يبطل عملها في تنظيف الجسم وتطهير الدم من الميكروبات حين يعتاد المرء شرب الخمر، وان مرض الكلى منتشر بين السكيرين. ثم يقول: ان الاعتياد على شرب الخمر يخرج الناس من الصحة إلى المرض، ومن النعيم إلى الشقاء، ومن القوة إلى الضعف، ثم يقول: ان هذا المؤتمر يحكم بان انتشار الخمور هادم لسعادة الأمم، ومقوض لبناء الأخلاق.
نصيحة موجهة لشارب الخمر من المسلمين(60)
انظر أيها المسلم إلى قول الله سبحانه، وأقوال رسوله وخلفائه صلوات الله عليهم أجمعين، وأقوال بعض الحكماء والأطباء بعين البصيرة، فقد أطلعناك على جملة منها. فهل تجد بعد هذا من صالحك احتساء هذا الشراب الخبيث ،والسم الفتاك الذي يطفئ منك نور الإيمان، ويجعلك من حزب الشيطان ويقضي على جسمك وصحتك الغاليين عندك، وعلى مجدك وسمعتك، وعلى ثروتك ومالك، وعلى اهلك وأولادك، فتكون مثال الشر والفسق بين أصحابك، وجرثومة العلل والأسقام بين ذويك. وكرة إبليس يلعب بك حيث شاء له العداء، فينتزعك دينك وعقلك ومالك وصحتك وشرفك، وقد يتركك ألعوبة بين الأطفال والأحداث يتقاذفونك في الشوارع، ويقذفونك بالأحجار بين الأوحال والاوشال، سخرية الصبيان وأضحوكة الشيطان، فتارة ملقى على مزبلة، وطورا في حفرة موحلة… أعجوبة المارين، وعبرة المتعظين، كحيوان خليع العذار.. لا كرامة له ولاوقار، قد خسر كل شي، وضاع منه كل شي، وتبرا منه كل شي، وهذا في الدنيا جزاء من أطاع عدوه واسلس له قيادة، وعصى ربه، وخالقه، ومرشده وهاديه. وأما في الآخرة فجزاؤه جهنم وبئس المصير، يصهر بها جلده حتى يطهر من تلك الجراثيم الكامنة فيه، ويستوفي منه حق التأديب، لعصيان بارئه وخالقه ومالكه قد (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج/ 12]، فارفق بنفسك أيها المسلم الذي تعترف أن لك خالقاً ومكلفاً قد أرسل لك نبياً علمك حلاله وحرامه، وهو حاشرك وناشرك ومحاسبك على كل صغيرة وكبيرة:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه) [الزلزال/ 8-9].
ارفق بنفسك أيها المسكين المغرور في هذه الدنيا الغرارة، وأنظر هل يصلح لك أن تلقي بنفسك في هذه الهلكة، لاكتساب لذة موهومة وساعة مشؤومة؟
كلا، ثم كلا. ما خلق الله سبحانه في الإنسان هذا العقل إلا ليميز به بين الضار والنافع، فيترك ذاك ويفعل هذا. وأنت تختار الضار وتفقد به عقلك وإدراكك الذي به تمتاز عن بهم الحيوان، فتكون أسوء حالا منها وتصبح كمن قال الله عنهم: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا) [الفرقان/ 45]، لان الحيوان لا يهزأ به، لأنه لم يطفئ بنفسه نور عقله، ولم يوقع نفسه في طامورة الأمراض الفتاكة، فالله الله في نفسك وجسمك وعقلك ودينك واهلك وذريتك.
أما نفسك وجسمك، فتكون في الدنيا بؤرة العلل والأسقام، وفي الآخرة طعمة العذاب والنار..
وأما اهلك فتسلمهم إلى خير كفيل، وهو الفقر المدقع، والويل المهلك.
وأما ذريتك فتورثهم أمراضك. ونعم ما تخلف لهم حتى يتمنوا انك مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا.

نداء موجه إلى أولياء الأمور
يا أولياء الأمور: إن أردتم الخدمة الصالحة لامتكم، والتقدم والرقي لشعبكم، فاسكبوا الخمور، في الحوانيت والقصور وأريقوها واقطعوا دابر الفساد بين العباد، وأنقذوا البلاد من هذه الأخطار.
يا أولياء الأمور: إن أردتم أن تستريح المحاكم من اكثر المحاكمات في الأجرام الفظيع، وان تخلو السجون من الفسقة العابثين بالنفوس والأعراض والأموال، فسدوا حانات المسكرات، وأغلقوا نوادي الخمور. وأوصدوا رتاج التاجرين بما يمحق العقل والدين، ويسلب الصحة والثروة، والشرف والغيرة، واقطعوا دابر المفسدين لتنجوا البلاد من عيثهم وعبثهم.
يا أولياء الأمور: ان أردتم زيادة الدخل في خزائن الدولة فاقضوا على مستنزفات الأرواح والأموال. فكم من مبتلى بأمر قد حرمت الخزينة من عوائد عمله وفوائد إنتاجه، وما يدره من كسبه وصناعته عليها. ثم صارت تصرف الأموال الطائلة عليه وعلى أمثاله الكثيرين في المستشفيات والمستوصفات ممن ذكرنا إحصاءهم آنفاً، ثم يبتر عمره فتخسره خسران الأبد.
وكم من ثراء بدد في سبيل الخمور فانقطع وارده وضرائبه عن الخزينة واصبح مبدد ذلك الثراء من ذوي البطالة الذين هم عالة على الحكومة والمجتمع ؟ وكم من سجين ابتلت به الخزينة المسكينة فصارت تصرف عليه بعد ما كان يصرف من أرباحه إليها؟
وكم من قتيل أو جريح بأيدي العتاة السكارى الذين لا مانع لهم ولا وازع قد نقص من الأيدي العاملة التي كانت إحدى الأيادي اللاتي تكونت بها خزينة الدولة؟
وكم من عائلة سابت وصارت عالة على الحكومة والشعب، لان وليها الذي كان يكد لها قد التهمته أفواه البلايا والمنايا في الخمر والسكر، وترك بعده صبية يتضورون جوعا وعراء وفقرا، ومخدرات ابتذلن بعد الصون والمجد حتى قد يبلغ بهن الحال إلى ما تخجل منه جباه الإنسانية، وتنكس منه نواصي الشرف والعفاف كما وقع ووقع.
وما وارد الخزينة من ضرائب المسكرات بالنسبة إلى هذه الخسائر الفادحة التي ذكرناها إلا النزر القليل. يا أولياء الأمور: ان أردتم ان تحكموا بحكم الله في هذه المشروبات السامة راس الفساد وأم الخبائث، فاسعوا في سن قانون يمنع استيرادها وتقطيرها وبيعها وشرائها بتاتا، وأريحوا النفوس والنفائس من هذه الجرثومة التي تنشر الأمراض وتوري نار الفتن، وتسبب الإخلال بالأمن، لتكونوا قد أسديتم بعملكم هذا خدمة تذكر وتشكر على مر العصور والأجيال.
وكم من حوادث لا تحصى وقعت في البلاد بسبب شرب الخمر وارتكاب هذا المنكر ذهبت ضحيتها نفوس كثيرة، وأموال طائلة، ولقد اطلعت بنفسي على سكير ذي مال وثراء كانت عنده زوجة من أهل الشرف والعفاف، فكان يأتيها إلى داره وهو ثمل لا يعقل شيئا فيجمع جميع ثيابها وملابسها الفاخرة في وسط الدار فيحرقها ،فإذا أفاق من سكره أسف لذلك واشترى لها بدلها وهكذا حتى استنزفت ثروته، وطلقت منه زوجته (وخَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (61).
يا أولياء الأمور: إن مما يوجب غضب الله وسخط رسوله والمؤمنين ان تفتحوا في أغلب الأقطار الإسلامية باب بيع الخمور على مصراعيه وتبيحوا للناس التكسب به، بحيث لا يكاد يجد الإنسان بلدة من بلاد المسلمين إلا القليل لاتباع فيها الخمور سراً أو أعلاناً، وحتى تكاد ان تحكم بأنها اكثر استعمالاً من الماء لبعض مستعمليها.
أو بعد هذا وأضعاف أمثاله من المنكرات العلنية التي تسيخ منها الأرض يريد المسلمون أن يحظوا بالشرف، ويسودوا في الدنيا، ويثابوا في الآخرة، وينصروا على الأعداء، هيهات هيهات، (وَأَنَّى لَهُمْ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ).
يا أولياء الأمور: هذه دول كثيرة، ومنها دولة أمريكا، قد حرمت الخمر – مدة من الزمن كما تعلمون – تحريماً عاماً وأذاعوا للملأ المنع من شربها بناءً على أمر الأطباء وعلى الاكتشاف الحديث(62) لأبناءً على تحريم الدين لها، لان دينهم بزعمهم لا يحرمها.
وهذه معجزة إسلامية تؤيد ما جاء به نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) من تحريم الخمر، وقد كسبت أمة أمريكا من تحريم الخمر ومنع شربها سعة في الرزق، وأمناً في البلاد، وقّل القتل والاعتداء، وازدادت الأموال بنسبة مطردة… والمسلمون الذين يحرم دينهم الخمر وتحريمه من ضروريات دينهم وعليه إجماعهم مع ذلك فانهم يعاقرونها صباحاً ومساءً ولا منكر، ولا مانع، حتى عم الفساد في الأقطار الإسلامية عامة.
إلى أين الفرار ولا مفر*** أما في هذه الدنيا مقر
لقد عم الفساد فلا صلاح*** ولكن كل ما في الكون شر
وطبق هذه الدنيا ضلال*** تجرع سمّه بر وبحر
وأنكرت النفوس الدين حتى*** كأن لم يأتها نهي وامر
ولا عجب فان الدين حق*** وطعم الحق في الأفواه مر
وما ديني هذا العصر إلا*** كمسجون على كفيه جمر

استفادة الحسن والقبح العقليين من الآية المبحوث فيها
ذهبت الأشاعرة من أهل السنة إلى أن العقل لا يقضي بحسن شيء ما أصلاً، ولا بقبح شيء ما على الإطلاق. وعندهم أن الحاكم بالحسن والقبح في جميع الأفعال إنما هو الشارع لا غير، فما حسنه الشرع فهو الحسن عندهم، وما قبحه فهو القبيح، والعقل لا معّول عليه في شيء من ذلك بالمرة (63).
وذهبت الشيعة الإمامية، ومن تبعهم من المعتزلة من أهل السنة إلى ثبوت الحسن والقبح العقليين.
إذ من المعلوم بالبداهة العقلية على ان من الأفعال الإنسانية ما هو حسن في العقل قطعا، كالعدل والإحسان مثلا، ومنها ما هو قبيح قطعا كالظلم والعدوان. نعم هناك من الأفعال ما تعجز العقول عن العلم والجزم بحسنه أو قبحه ككيفية العبادات للخالق المتعال إذ لا مجال للعقل لإدراكها بخصوصياتها، فيكشف لنا الشارع المقدس عنها، فنأخذها من الشرع كما وردت، ويجب علينا الوقوف عنده، ومن هنا قيل: ان العبادة توقيفية، يعني: يجب ان نأخذها كما جاءت بها النصوص الشرعية، أما ما قيل: ان العقل لا يقضي بحسن شيء ما أصلاً ولا بقبح ما على الاطلاق، فهو قول مردود، وغير صحيح.
لأن من الأفعال ما نعلم– علم اليقين – بحسنه، وترتب الثناء والثواب على فعله لصفة ذاتية له قائمة به، كالإحسان والعدل من حيث هما إحسان وعدل. ومنها ما نعلم بقبحه وترتب الذم والعقاب على فعله لصفته الذاتية القائمة به، كالإساءة والجور من حيث هما إساءة وجور. والعاقل يعلم ان ضرورة قاضية بذلك، وليس جزم العقلاء بهذا اقل من جزمهم بكون الواحد نصف الاثنين، والبداهة الأولية قاضية بالفرق بين من احسن إليك دائماً وبين من أساء إليك دائماً، إذ يستقل العقل بحسن فعل الأول معك، واستحقاقه للثناء والثواب منك على ما قام به من الإحسان لك، كما يستقل العقل بقبح فعل الثاني واستحقاقه للذم والقصاص. والمشكك في ذلك مكابر لعقله مخالف له ولو كان الحسن والقبح فيما ذكرنا شرعيين لا عقليين، لما حكم بهما منكرو الشرائع كالزنادقة والدهرية وسائر الملحدين، فانهم مع إنكارهم الأديان يحكمون بحسن العدل والإحسان ويرتبون عليهما ثناءهم وثوابهم، ولا يرتابون في قبح الظلم والعدوان، ولا في ترتب الذم والقصاص على فعلهما، ومستندهم في هذا إنما هو العقل لا غير … هذا حكم الفطرة التي فُطر الناس عليها، فان الله جلت قدرته، فطر عباده على إدراك بعض الحقائق بعقولهم، كما فطرهم على الإدراك بحواسهم ومشاعرهم. ففطرتهم توجب إن يدركوا بعقولهم حسن العدل ونحوه، كما يدركون بأذواقهم حلاوة العسل ومرارة العلقم، ويدركون بمشامهم طيب المسك ونتن الجيف ويدركون بملامسهم لين اللّين وخشونة الخشن، ويميزون بأبصارهم بين المنظرين: الحسن والقبيح، وبأسماعهم بين الصوتين: صوت المزامير وصوت الحمير، تلك (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [الروم/ 31].
وقد أراد الأشاعرة أن يبالغوا في الإيمان بالشرع والاستسلام لحكمه، فأنكروا حكم العقل، وقالوا: لا حكم إلا للشرع، ذهولاً منهم عن القاعدة العقلية المطردة – وهي: (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع ولا عكس)(64).
وإنما قلنا: ولا عكس، لأن هناك أفعالاً جاء بها الشرع في العبادات بكيفيات مخصوصة، وأوقات معينة لا مجال للعقل إلى إدراكها ككيفية الصلوات وأوقاتها، وكيفية الحج، ووقته، وكيفية الصوم وأحكامه… وهكذا.
وهذه العبادات هي التي يجب أن نأخذها من الشرع في الكيفية التي جاء بها والأوقات التي عينها والأحكام التي شرعها، سواء أدركنا بالعقل أو العلم حسنها وفلسفتها أم لم ندرك. وما عدا ذلك فان العقل يستقل في إدراك المحاسن والقبائح في العقائد والأخلاق، وبالعقل يعلم الإنسان أن له خالقاً وموجداً، مدبراً وحكيماً، لطيفاً وخبيراً، والذي يسقط العقل عن إدراكه لهذه الحقائق وأمثالها، لا يستطيع أن يثبت الشرع الشريف بالدليل والبرهان، لان الاستدلال على ذلك بالأدلة الشرعية يكون استدلالاً دورياً باطلاً، لا تتم به حجة، ولولا سلطان العقل لكان الاحتجاج بالعقل مصادرة بل لولا العقل ما عبد الله عابد، وما عرفه من خلقه كلهم واحد. وتفصيل الكلام في هذا المقام موكول إلى مظانه من مؤلفات علمائنا الأعلام في علم الكلام.
وعلى كل، الثابت أن للعقل سلطاناً وحكماً في تمييز العقائد والأفعال، الحق منها والباطل، والحسن والقبيح، والنافع والضار، والفضيلة والرذيلة، والخير والشر، والمعروف والمنكر، والطيب والخبيث
ومن هنا جاءت الآيات القرآنية الكثيرة تناشد العقل البشري في تمييز هذه الأمور، والتحلي بالمحاسن منها، والتخلي عن المساوئ:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [الزمر/10]، (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة/ 104]، (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية/ 22].
ومن الآيات الكثيرة التي تثبت الحسن والقبح العقليين، هذه الآية المبحوث فيها فان قوله تعالى في صفات نبينا(صلى الله عليه و آله): (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ) يدل على أنه(صلى الله عليه و آله) يأمرهم بالمعروف بما هو معروف في ذاته بالعقل السليم، وينهى عن المنكر بما هو منكر في ذاته بالعقل السليم، وكذلك يحل لهم الطيبات بما هي طيبات في حقيقتها وذواتها. ويحرم عليهم الخبائث بما هي خبائث في حقيقتها وذواتها.
قال السيد محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار)(65):
(قوله: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ)… والمعروف ما تعرف العقول السليمة حسنه وترتاح القلوب الطاهرة له لنفعه وموافقته للفطرة والمصلحة بحيث لا يستطيع العاقل المنصف، السليم الفطرة أن يرده أو يعترض عليه إذا ورد الشرع به. والمنكر ما تنكره العقول السليمة، وتنفر منه القلوب، وتأباه على الوجه المذكور أيضاً. وأما تفسير المعروف بما أمرت به الشريعة، والمنكر بما نهت عنه فهو من قبيل تفسير الماء بالماء…).
هذا وقد جاء العلم الحديث، والاكتشافات الدقيقة مؤيدة لما دل عليه العقل والشرع أيضاً كما قرأت في بحوث هذه الصفات الأربعة فراجعها بتدبر وإمعان.
وهذه هي دعوة الحق، دعوة أنبياء الله إلى أممهم، وهي معاكسة ومخالفة لدعوى الدجالين والمبطلين، الذين يدعون باسم الدين إلى ما يوافق أهواءهم وشهواتهم وأهواء الناس وشهواتها من كل منكر وقبيح وظلم وبغي وفساد(66) وقد قيل لأعرابي – وقد اسلم على يد النبي(صلى الله عليه و آله) بعد أن عرف بعقله أحقية دعوته، وأنه رسول الله حقاً -: لأي شيء أسلمت ؟ وماذا رأيت منه مما دلك على صدقه وأنه رسول الله ؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به، ولا احل شيئاً فقال العقل ليته حرمه، ولا حرم شيئاً فقال العقل ليته أباحه (67)، وأنت ترى أن هذا الأعرابي مع سلامة فطرته، وصحة عقله، برهن على أحقية دعوة النبي(صلى الله عليه و آله) بأن كل ما جاء به من الأوامر موافق لكل ما هو حسن في العقل، ولا يتمنى العقل النهي عنه وكل ما جاء به من النواهي موافق لما هو قبيح في العقل ولا يتمنى الأمر به، وكذلك ما أحله وما حرمه.
فيا أيها المسلمون، ويا أيها الناس: ما أعظم هذا الدين، وما أسعد المتمسكين به، وما أشقى التاركين له، والمخالفين لأوامره ونواهيه، الذين تغلبت شهواتهم السقيمة على عقولهم السليمة، حتى صاروا لا يميزون بين الحسن والقبيح، والنافع والضار، والمعروف والمنكر، والطيب والخبيث، أو انهم يميزون ولكنهم يخالفون عقولهم ويتبعون شهواتهم واهواءهم.
(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(69)أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ(70) وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) [المؤمنون/ 70-72].
يقول الأستاذ سيد قطب في تفسيره (في ظلال القرآن) معلقاً في الذيل على قوله تعالى: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ): (…إشارة إلى إن التحليل أو التحريم في الشريعة الإسلامية يرجع إلى ذات المحلل والمحرم. فالطيب يحل والخبيث يحرم. ولا يكون التحريم عقوبة كما يقع لبني إسرائيل، وتقرير لحقيقة هامة وهي أن كل ما حرم في الإسلام فهو خبيث بذاته أو في المجتمع، ولو علم الله انه طيب لأحله، لأن هذه قاعدة التحليل والتحريم. وإذاً فليس هنالك من حرمان في اجتناب المحرم، فالحرمان لا يكون إلا من الطيب لا من الخبيث… ثم قال: وهناك خلاف أصولي في الموضوع، وهذا هو اختيارنا)(68)
وهكذا كثير من أهل السنة وافقونا أخيراً في إثبات الحس والقبح العقليين، وأن الشرع يتمشى دائماً مع العقل جنباً إلى جنب، فما حكم به العقل حكم به الشرع.
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل/ 90].

1- ج1 ص 252 ط صيدا.
2- البقرة / 168.
3- ج4 ص299 ط مطبعة الخيرية الأولى بمصر.
4- أي إلا ان يأتي دليل من الشرع يدل على الحرمة، والأدلة الشرعية هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، لا اتباع الهوى والرأي، والاستحسان، والقياس.
5- لا دليل في الشرع على حلية الخبائث أياً كان نوعها إلا عند الاضطرار (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا أثم عليه).
6- تفسير المنار ج9 ص228 ط الثانية إصدار دار المنار 1367.
7- نقل القول عنهم محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار) ج6 ص60.
8- الاحتجاج لشيخنا الطبرسي ج1 ص 57، والبحار ج9 ص 292 و ج16 ص 329.
9- جاء في حديث النبي (ص): (لا رهبانية و لا سياحة).
10- غيران جمع غار مثل نيران جمع نار.
11- كما في مجمع البيان ج3 ص236.
12- روضة البحار ج78 ص321، وص346 عن فقه الرضا (ع)
13- أقرأ الفصل الآتي: حكمة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وأنهن من الخبائث.
14- راجع مجمع البيان ج2 ص 252 ط صيدا، ومفاتيح الغيب للفخر الرازي ج3 ص 457، والمنار ج7 ص 203، والميزان ج6 ص 171 وغيرها من كتب التفاسير.
15- قال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان ج2 ص 252: وقال المفسرون وروى ابن عباس عن النبي (ص) ان عمرو بن لحي بن قمعة ابن خندف كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل واتخذ الأصنام ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي قال رسول الله‚ فلقد رايته (أي ليلة الإسراء) في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه، ويروى يجر قصبة في النار.
16- راجع فروع الكافي ج6 / 242 –437.
17- ج1 / 291، في تفسير سورة المائدة، ورواه شيخنا الصدوق في علل الشرائع ص483 عن أبي جعفر الباقر (ع) من طريقين، ورواه شيخنا الكليني في (فروع الكافي) ج/ 242.
18- الكلب بفتحتين: شدة الحرص، وداء يعرض للإنسان يشبه الجنون.
19- الآية المصرحة بأن المراد من الدم هو المسفوح، في سورة الأنعام/145.
20- وهي من الآيات النازلة في نبينا وأهل بيته صلوات الله عليهم، كما استفاض النقل بذلك من طرق الفريقين راجع كتاب (إحقاق الحق) ج 3 / 296 – 299، لتقف على مصادر نزولها فيهم (ع).
21- (الطفل بين الوراثة والتربية) ج 1 / 246، تأليف: الشيخ محمد تقي فلسفي، وتعريب: فاضل الحسيني الميلاني، نقلاً عن (مستدرك الوسائل) للمحدث النوري ج3 / 71.
22- والخمر: ما يخمر العقل، أي يغطيه من كل مسكر مائع عمل بالتخمير. والميسر هو القمار مطلقا. والأنصاب هي الأصنام أو الحجارة التي كانت تنصب لذبح القرابين عليها للأصنام، وكانت تحترم ويتبرك بها. والأزلام هي الأقداح التي كانت يُستقسم بها، وهي نوع من أنواع القمار، المعبر عنه اليوم بـ (اليانصيب).
23- راجع تفسير المنار، ج7 / 65.
24- ج6 / 406، كما في (البحار) ج48 / 149. ورواه العياشي في (تفسيره) برقم 38 من تفسير سورة الأعراف ،ج2 / 17.
25- روضة البحار، ج77 / 145.
26- فروع الكافي، ج6 / 403.
27- فروع الكافي، ج6 / 408.
28- المصدر السابق.
29- تذكرة الخواص، ص376، وفيه سند الحديث.
30- أخطار المسكرات لسماحة العلامة الحيدري، ص12.
31- المغريات العشر للعلامة الشيخ محمد الخليلي، ص28.
32- فقرات من وصية رسول الله (ص) الطويلة لأمير المؤمنين (ع) وهي من الوصايا الجامعة النافعة، تجدها في كتاب (مكارم الأخلاق) لشيخنا رضي الدين الطبرسي من ص 500إلى ص 519، وتجدها في (بحار الأنوار) لشيخنا المجلسي ج77 / 46- 61.
33- روضة الواعظين، ج2 / 535، و (فروع الكافي) ج6 / 396.
34- نفس المصدر.
35- الكافي، ج6/398. والبحار ج79/126.
36- الكافي، ج6 / 403.
37- المصدر السابق، و (بحار الانوار) ج79 / 140.
38- الكافي ،ج6 / 398.
39- الكافي ،ج6 / 396 والصديد: القيح والدم.
40- الكافي ،ج6 / 403.
41- بحار الانوار، ج79 / 141، والكافي ج6 / 429.
42- المحجة البيضاء، ج7 / 34.
43- أخطار المسكرات للعلامة الحيدري، ص16.
44- تفسير العياشي ج1 / 291، ورواه شيخنا الصدوق في (علل الشرائع) عن ابي جعفر الباقر (ع) من طريقين، ص484، ورواه عن الصادق ص 476.
45- فروع الكافي، ج6 / 395.
46- كتاب التوحيد لشيخنا الصدوق، ص 243. والبحار ج79 / 135.
47- علل الشرائع ص 475، و (عيون اخبار الرضا) ج2 / 98.
48- علل الشرائع ص 476، والبحار ج79 / 133.
49- الحد الشرعي لشارب الخمر وكل مسكر من أنواعه القديمة أو الحديثة إذا كان الشارب بالغاً عاقلاً عالماً عامداً مختاراً غير مكره ولا مضطر، هو ضربه عارياً (ثمانين جلدة) على ظهره وكتفه ولو تاب قبل قيام البينة عليه بذلك سقط الحد عنه، ويكرر الحّد عليه إذا عاد حتى ثلاث مرات، فلو عاد إليه قتل.
50- المصدر السابق، ص 547.
51- البحار ج79 / 137، وتفسير العياشي ج1 / 74.
52- الكافي ج6 / 413.
53- المصدر السابق ص 429.
54- أخذنا هذا المقال من كتاب (القرآن والطب الحديث) ص 279، لمؤلفه فقيد العلم والأدب والطب، النطاسي المحنك الشيخ محمد الخليلي تغمده الله برحمته.
55- (القران والطب الحديث) ص279.
56- (المغريات العشر) للعلامة الخليلي، ص 36.
57- نقلنا هذه الكلمات التسع من كتاب (إخطار المسكرات) لسيدنا سماحة العلامة الحجة السيد علي نقي الحيدري، إمام جامع التميمي في الكسرة، ص18، 19. وهو الكتاب الأول من منشورات مكتبة أهل البيت العامة في بغداد.
58- الكلمات الثلاث الأخيرة نقلناها من كتاب (المغريات العشر) ص31، للشيخ محمد الخليلي (ره).
59- نقلناها عن كتاب (أطار المسكرات) للعلامة الحيدري.
60- نقلناها عن كتاب (أخطار المسكرات ).
61- كتاب (أخطار المسكرات).
62- راجع: (المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية)، تأليف: الدكتور عبد الكريم زيدان، ص42، الطبعة الثالثة.
63- المراجعات، ص 256، المراجعة 75 من مراجعة الشيخ سليم البشري المالكي، شيخ الجامع الأزهر في عصره.
64- المراجعات، لسيدنا شرف الدين، ص 259، المراجعة 76 - بتصرف.
65- ج9 / 227.
66- ومن ذلك – وما أكثر ذلك – ما دعى إليه البابا (بولس السادس) من إدخال الغناء في الكنائس، والموسيقى التي هي اكثر حيوية وعزفاً على الأورغن، ويدعو إلى: ضرورة وجود عدد اكبر من النساء المنشدات في الكنائس ضمن الجوقة وعلى أنفراد، ويريد للمؤمن: ان يغني خلال الصلاة بدلاً من العبادة الصامتة، ويفرض على القسيسين: ان يتأكدوا من ان المؤمن يعرف كيف يقرأ ويغني باللغة اللاتينية في تلك الأجزاء التي يعهد له غناءها من القداس، ويقول: ينبغي الإكثار من الآلات الموسيقية، وعلى العازفين ان يعينوا المصلين على المشاركة والإحساس بالأناشيد المغناة، ويوصي ايضاً: بغناء قطع موسيقية مختارة بعناية دقيقة من قبل جميع الحاضرين في الأعراس ومجالس التعزية، ويقول: ان مساهمة المؤمنين ينبغي ان تكون ظاهرة بالإشارة والحركات الجسمية.
وقد جاءت آراء البابا هذه وغير هذه في كتاب جديد نشرته الفاتيكان، ويتألف الكتاب من تسعة فصول و69 صفحة، ويتضمن تعاليم الموسيقى في الكنائس.
نشرت هذا وغير هذا جريدة المنار العراقية في12 / 3 / 1967 م في الصفحة الثالثة بعناوين بارزة منها: (البابا يقول للكاثوليك :غنوا في الكنائس) مع تصوير البابا رافعاً يده للدعوة إلى هذه العبادة.
وهكذا (شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) [سورة الأنعام/113- 114]. (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) [سورة لقمان /7].
راجع (الكافي) ج6 / 431، باب الغناء. ففيه 25 حديثاً، لترى حقيقة الغناء وعاقبته. وآخر حديث فيه أن رجلاً أتى ابا جعفر (ع) فسأله عن الغناء، فقال: يا فلان إذا ميز الله بين الحق والباطل فأنئ يكون الغناء ؟ فقال مع الباطل، فقال (ع): قد حكمت.
67- أصول المعارف، للعلامة المجاهد السيد محمد الكاظمي القزويني، ص 44.
68- في ظلال القرآن، ج9 / 47.



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
قديم 02-11-2010, 08:12 AM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو


الصورة الرمزية سامر العراقي
إحصائية العضو








 

سامر العراقي غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : سامر العراقي المنتدى : "> المنتدى الاسلامي
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الفصل السادس

الإسلام هو الشريعة السهلة السمحة

الصفة التاسعة التي وصف الله بها
نبيه(صلى الله عليه و آله) في الآية قوله تعالى:
(وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)

معنى الإصر والأغلال الموضوعين عن هذه الأمة
الإصر – بالكسر -: العهد، والذنب، والثقل. وجمعه: آصار. وأصله: الضيق والحبس. يقال: أصره أي ضيق عليه وحبسه ويقال للثقل إ صراً لأنه يأصر صاحبه من الحركة، لثقله .
والمراد منه في الآية – على ما ذكره أكثر المفسرين -: ان بعض التكاليف التي كانت على الأمم الماضية كأمة موسى وعيسى، وخصوصاً على بني إسرائيل، شاقة وثقيلة، وقد وضعها عن هذه الأمة رسول الله صلى الله عليه وآله بشفاعته لهم إلى الله عز وجل .
والأغلال جمع، مفرده الغُل – بالضم – وهو في اللغة: طوق من حديد أو جلد يجعل في اليد، أو في العنق. ويقال: هذا غّل في عنقك، أي: لازم لك وأنت مجازىً عليه.
والمراد منه في الآية – على ما ذكر شيخنا الطبرسي في (مجمع البيان) في تفسير قوله: (وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)، معناه: ويضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم، وجعل تلك العهود بمنزلة الأغلال التي تكون في الأعناق للزومها، كما يقال: هذا طوق في عنقك. وقيل: يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة، وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم(1) وما أشبه ذلك من تحريم السبت، وتحريم العروق والشحوم، وقطع الأعضاء الخاطئة ووجوب القصاص دون الدية عن اكثر المفسرين(2).
ولعل من الأغلال التي كانت عليهم ما تكلفها علماؤهم وابتدعها أحبارهم ورهبانهم من الأحكام المبتدعة التي جعلوها كالأغلال في أعناقهم. ويؤيد ذلك ما روي عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال: »ما بعثت بالرهبانية الشاقة ولكن بالحنيفية السمحة«(3).
وكل ذلك وغير ذلك من الإصر والأغلال وضعه عن هذه الأمة رسول الله صلى الله عليه وآله، شفقة منه عليهم، حيث سأل ذلك من ربه سبحانه لأمته ليلة الإسراء، كما جاء في كثير من الأخبار من طرق الشيعة وأهل السنة: أن رسول الله(صلى الله عليه و آله) قد ألهمه الله ان قال داعياً ربه عز وجل: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) كل ذلك يقول الله تعالى: قد فعلت(4). ومن هنا قال(صلى الله عليه و آله): بعثت بالحنيفية السهلة السمحة(5) وقال(صلى الله عليه و آله): »ما بعثت بالرهبانية الشاقة ولكن بالحنيفية السمحة«. وقال(صلى الله عليه و آله): »إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر«(6).
ووضع الإصر والأغلال، وإن كان مما يوجد في الجملة، في شريعة عيسى، كما يدل عليه أو يشير إليه قوله تعالى فيما حكى عنه في القرآن الكريم: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي) [آل عمران/ 51]، إلا أنه لا ريب في أن الدين الذي جاء به محمد(صلى الله عليه و آله) هو الدين الوحيد الذي نسخ جميع الأحكام الشاقة الموضوعة على أهل الكتاب، وعلى اليهود منهم خاصة، كما ابطل ما تكلفه علماؤهم وابتدعه أحبارهم ورهبانهم من الأحكام.
وهذا يعني ان الإسلام كما اختص بكمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستيعاب تحليل الطيبات وتحريم الخبائث كما قدمنا سابقاً كذلك اختص باستيعاب رفع الأحكام الشاقة وإلغاء كل إصر وغل فهو شريعة كاملة وسهلة سمحة لا حرج فيها ولا عسر، بل اليسر والسماحة هما أوضح سمات الشريعة الإسلامية، وهما عنوانها الواضح الذي يعرف به الإنسان البصير وجهها المشرق الناصع، إذ أي حكم يجئ إلى الناس باسم هذه الشريعة يخالف اليسر والسماحة يعلم انه دخيل على تلك الشريعة.
وليس هذا القول مجرد فرض أو إدعاء بل هو حقيقة من حقائق الإسلام تأخذ مكانها واضحة بارزة في نصوص شريعته كتاباً وسنة وقد تقدمت قريباً بعض النصوص الصريحة في هذه الحقيقة من السنة. وأما الكتاب فقد كشف عن حقيقة اليسر والسماحة في هذا الدين كما نفى العسر والحرج في مسائله وكافة أحكامه في آيات عديدة، منها قوله عز من قائل: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) [النساء/ 29]، ومنها قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) [البقرة/ 186]، ومنها قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج/ 79].

من موارد اليسر في الشريعة الإسلامية
ذكر المفسرون والمحدثون كثيراً من التكاليف الشاقة والصعبة التي كانت على أمة موسى وعيسى وغيرهما من الأمم، ووضعت عن هذه الأمة إجابة لرسول الله(صلى الله عليه و آله) وكرامة له، وفي بعضها نظر من ناحية صحتها وثبوتها، وإليك بعض النماذج التي لا تبعد صحتها مما نقله المفسرون من الفريقين:
تخفيف الصلاة عن هذه الأمة من ناحية العدد:
إن الصلاة التي كانت مفروضة عليهم في اليوم خمسين صلاة، وهذه الأمة جعلت الصلاة المفروضة عليهم في اليوم خمس، وثوابها كثواب الخمسين صلاة، كما صرح بذلك ورواه كثير من مفسري الفريقين(7).
بل روى الجميع أن الله فرض أولاً الصلاة على نبيه وأمته ليلة الإسراء خمسين صلاة، ولكن موسى بن عمران(عليه السلام) قال للنبي(صلى الله عليه و آله) حين مر به في السماء: أرجع إلى ربك فأسأله أن يخفف عن أمتك فان أمتك أضعف الأمم ولا تطيق ذلك، وأن النبي(صلى الله عليه و آله) لم يزل يرجع إلى ربه بالدعاء طالباً التخفيف عن أمته حتى جعلها خمس صلوات، وأن النبي(صلى الله عليه و آله) لما هبط إلى الأرض نزل عليه جبرئيل وقال له: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إنها خمس بخمسين (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [ق/ 30]. (أي: أنها خمس صلوات ولكن أجرها خمسين صلاة).
وفي ( تفسير القمي) وغيره عن الإمام الصادق، أن الله أوحى إلى نبيه يقول: ومن همّ من أمتك بحسنة فعملها كتبت له عشراً، وإن لم يعملها كتبت له واحدة. ومن هّم من أمتك بسيئة فعملها كتبت عليه واحدة، وإن لم يعملها لم اكتب عليه شيئاً (8) فقال الصادق: جزى الله موسى عن هذه الأمة خيراً(9). وقال النبي(صلى الله عليه و آله): فرض الله على أمتي خمسين صلاة فراجعت ربي وسألته التخفيف حتى جعلها خمساً في العدد، وخمسين في الأجر(10). وقال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [الأنعام/ 161].
تخفيف الصلاة عن هذه الأمة من ناحية المكان:
ومما خفف الله به عن هذه الأمة من الآصار التي كانت على الأمم الماضية – بالنسبة إلى الصلاة أيضاً ان صلاتهم كانت لا تحل لهم ولا تجوز أو لا تقبل منهم إلا في بقاع من الأرض معلومة لديهم، وإن بعدت وهي البيع والكنائس والمحاريب، وهذه الأمة جعلت الأرض كلها مسجداً وطهوراً(11) ويشير إلى هذا المعنى الحديث المتفق عليه وهو قوله(صلى الله عليه و آله): »جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا« وفي لفظ مسلم في ( صحيحه) وغيره: »جعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء«(12).
وجاء في حديث شريف عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال: »ومنّ علي ربي وقال لي: يا محمد – صلى الله عليك – فقد أرسلت كل رسول إلى أمته بلسانها وأرسلتك إلى كل احمر واسود من خلقي، ونصرتك بالرعب الذي لم انصر به أحدا، وأحللت لك الغنيمة ولم تحل لأحد قبلك، وأعطيتك لك ولأمتك كنزاً من كنوز عرشي، فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة(13)، وجعلت لك ولأمتك الأرض كلها مسجداً وترابها طهوراً، وأعطيت لك ولأمتك التكبير، وقرنت ذكرك بذكري حتى لا يذكرني أحد من أمتك إلا ذكرك مع ذكري فطوبى لك يا محمد ولأمتك«(14)، وهنا فلتتذكر الأمة الإسلامية فضل الله عليها، وكرامة نبيه وإحسانه إليها في تخفيف هذه الفريضة التي هي أهم الفرائض الإسلامية، وتسهيلها عليهم. فمن ناحية كميتها، خمس صلوات بسبعة عشر ركعة لا تستغرق كلها أكثر من ساعة واحدة تقريباً من أربع وعشرين ساعة من الليل والنهار، يتفرغ فيها العبد لذكر ربه وعبادته قال تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه/16]، وقال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت/ 46]، ومن ناحية أجرها فهو مضاعف، الواحد بعشر، خمس صلوات تقوم مقام خمسين صلاة كما مر عليك.
ومن ناحية المكان يصليها أين ما شاء وأراد من بيته أو محل عمله أو غير ذلك من سائر الأماكن ما لم تكن مغصوبة ويعلم بغصبها، واما إذا صلاها في المسجد فحينئذ يتضاعف له الأجر الواحد بمئات، حتى ورد عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال في بعض خطبه: »ومن مشى إلى مسجد من مساجد الله تعالى فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات وتمحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات، ومن حافظ على الجماعة حيثما كان مر على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة مع السابقين ووجهه أضوأ من القمر ليلة البدر، وكان له بكل يوم وليلة حافظ عليها ثواب شهيد« الخطبة(15)، وقال الإمام الصادق(عليه السلام): »عليكم بإتيان المساجد فإنها بيوت الله في الأرض، ومن أتاها متطهراً طهره الله من ذنوبه، وكتب من زواره، فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء، وصلوا من المساجد في بقاع مختلفة فان كل بقعة تشهد للمصلي عليها يوم القيامة«(16) ومن ناحية الطهارة، فلو لم يتمكن المصلي من الغسل لمن عليه الغسل مثلاً، أو لم يتمكن من الوضوء لمن عليه الوضوء لفقدان الماء أو لان الماء يضره أو غير ذلك من الأعذار الشرعية المذكورة في كتب الفقه والرسائل العملية فيكفيه ان يتيمم في الصعيد الطيب ويصلي .
قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة/ 7](17).
ومن ناحية وقتها، فهو موسع على الإنسان ولله الحمد، إذ أن صلاتي الظهر والعصر يبتدئ وقتهما من زوال الشمس – في منتصف النهار – ويستمر إلى غروبها، في أي وقت شاء أن يصليهما فله إلا أن الظهر يجب أن تقدم على العصر، وأول الوقت أفضل من آخره، ومن أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله(18)، وهكذا المغرب والعشاء يبتدئ وقتهما للمختار غير المضطر من بعد غروب الشمس، وذهاب الحمرة المشرقية على الأحوط إلى منتصف الليل، ومعنى هذا أن لا مانع من الجمع بيت الصلاتين ظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً، رخصة من الله سبحانه وعملاً بسنة رسول الله(صلى الله عليه و آله) كما هو الثابت في الصحاح جميعاً من طرق الفريقين(19).
ووقت صلاة الصبح يبتدئ من طلوع الفجر الصادق ويستمر إلى طلوع الشمس في أي وقت منه شاء ان يصلي يكفيه ويجزيه، قال تعالى: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء/ 79].
وإذا كان الإنسان مسافراً يصلي قصراً أي الصلاة الرباعية تكون ركعتين وإذا كان مريضاً أو عاجزاً لا يستطيع تأدية الصلاة بالكيفية التي يؤديها الأصحاء فيصلي كيف ما يستطيع قاعداً أو مضطجعاً على ظهره أو يمينه أو يساره أو إيماء وإشارة حسب حالته وقدرته.
فبعد هذا التسهيل والتخفيف من نواح شتى ما أدري ما عذر المسلم إذا ترك الصلاة وهي أهم الفرائض الإسلامية بل هي عمود الدين حسب نص الصادق الأمين(صلى الله عليه و آله) ولا تعارض إقامتها أشغاله وأعماله مهما كثرت، مع العلم ان تاركها يعرض نفسه لسخط الله وعذاب النار.
فيا أيها المسلمون إلا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا:(أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [المدثر/ 43-44].
وأصبح الكثير من أبناء المسلمين – ويا للأسف – كما حكى الله تعالى عن بعض الأقوام (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) [مريم/ 60-61].
تخفيف الصيام عن هذه الأمة من ناحية الزمان:
ومما خفف الله به عن هذه الأمة من الآصار السالفة بالنسبة إلى الصيام، هو ان الصوم الذي كان على الأمم الماضية من أهل الكتاب اشق من الصوم الذي فرض على هذه الأمة، وذلك انه كان محرماً على الكتابيين الأكل والشرب والجماع بعد النوم ليلاً إلى الليلة القابلة كما يظهر ذلك من بعض روايات أهل البيت، وأقوال المفسرين والمحدثين(20) وهذه الأمة أباح الله لهم ذلك من أول الليل إلى طلوع الفجر. وجاء في رواية عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال: »فضل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر«(21) هذا مع العلم أن الصيام في أول تشريعه لهذه الأمة كان كصوم بني إسرائيل، محرماً على الصائمين النكاح مطلقاً ليلاً ونهاراً، كما كان محرماً عليهم أيضاً الأكل والشرب في الليل بعد النوم.
ومعنى هذا أنه ليس للصائم وقت لإفطاره إلا في أول الليل إلى حين النوم ثم نسخ هذا الحكم تخفيفاً وتسهيلاً على هذه الأمة، وأبيح لهم الأكل والشرب والجماع من أول الليل إلى حين طلوع الفجر، وانزل الله تعالى في ذلك هذه الآية الكريمة: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة/ 188]، وقد جاء عن الإمام الصادق(عليه السلام) عن جده أمير المؤمنين– في سبب تخفيف الصيام عما كان عليه في أول تشريعه – انه سئل عن الناسخ والمنسوخ، وأجاب عن بعض موارده، إلى أن قال(عليه السلام): »ومن ذلك أيضاً آصار غليظة كانت على بني إسرائيل في الفرائض، فوضع الله تلك الآصار عنهم، وعن هذه الأمة فقال سبحانه: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). ومنه انه تعالى لما فرض الصيام فرض أن لا ينكح الرجل أهله في شهر رمضان بالليل ولا بالنهار على معنى صوم بني إسرائيل في التوراة فكان ذلك محرماً على هذه الأمة، وكان الرجل إذا نام في أول الليل قبل أن يفطر فقد حرم عليه الأكل بعد النوم أفطر أم لم يفطر وكان رجل من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه و آله) يعرف بمطعم بن جبير شيخاً، فكان في الوقت الذي حضر فيه الخندق حفر في جملة المسلمين، وكان ذلك في شهر رمضان، فلما فرغ من الحفر وراح إلى أهله، صلى المغرب وأبطأت عليه زوجته بالطعام، فغلب عليه النوم فلما أحضرت إليه الطعام أنبهته فقال: لها استعمليه أنت فإني قد نمت وحرم عليّ، وطوى وأصبح صائماً، فغدا إلى الخندق وجعل يحفر مع الناس فغشي عليه فسأله رسول الله(صلى الله عليه و آله) عن حاله فأخبره، وفي رواية فرقّ له(صلى الله عليه و آله) ثم قال الإمام وكان من المسلمين شبّان ينكحون نساءهم بالليل سراً لقلة صبرهم فسأل النبي الله سبحانه في ذلك فانزل الله عليه (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ..) (22).
وهذا المعنى مروي بروايات أخرى، رواها الشيخ الكليني في (فروع الكافي) ج14 ص 98، والعياشي في (تفسيره) ج1 /83، والقمي في (تفسيره) ج1 / 66، والطبرسي في (مجمع البيان) ج1 /280 وغيرهم، إلا أنه لم يكن فيها تصريح أن الصوم أول ما فرض على هذه الأمة، كان على معنى صوم بني إسرائيل في التوراة. وفي جميعها ان سبب نزول قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) هو ما كان يفعله الشبان من المسلمين من نكاح نسائهم سراً في الليل وقد كان محرماً عليهم، وسبب نزول قوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) إنما هي قصة مطعم بن جبير الأنصاري، أو خوات بن جبير الأنصاري على ما جاء في أكثر الروايات(23) وما يقارب هذا المعنى في سبب نزول الآية مروي أيضاً من طرق أهل السنة، إلاّ أن ظاهر رواياتهم ان حكم النكاح بالليل كان كحكم الأكل والشرب وأنها جميعها كانت محللة قبل النوم محرمة بعده في حين ان روايات أهل البيت عليهم السلام صريحة في ان النكاح كان محرماً في شهر رمضان بالليل والنهار جميعاً بخلاف الأكل والشرب فقد كانا محللين في أول الليل قبل النوم ومحرمين بعده، وسياق الآية يساعد ما جاء في روايات أهل البيت الذين هم مع القرآن والقرآن معهم لن يفترقا حتى يوم القيامة. وتدل بعض روايات أهل السنة على أن الخيانة ما كانت تختص بالنكاح فقط، بل كانوا يختانون في الأكل والشرب أيضاً وسياق الآية لا يوافق رواياتهم تلك. وصرح اكثر مفسريهم أن من جملة من كان ينكح أهله سراًّ بالليل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب(24).
كما اختلفت رواياتهم في اسم الرجل الذي نام قبل ان يفطر ففي بعضها انه قيس بن صرمة الأنصاري وفي بعضها ابو قيس بن صرمة، وفي بعضها صرمة بن انس الأنصاري، وبعضها صرمة بن مالك. وعلى كل، الآية الكريمة حددت لنا أول الصوم وأخره بقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) فابتداؤه بطلوع الفجر وانتهاؤه بدخول الليل، واجمع الفقهاء على حرمة الصوم في الليل لنسخة في الشريعة الخالدة.

سقوط الصوم عن بعض المكلفين في حالات خاصة على المذاهب الخمسة
ومعلوم ان الصوم واجب في شهر رمضان، ووجوبه فيه ثابت بالضرورة الإسلامية، ولا يحتاج إلى دليل بعد ان كان منكر وجوبه خارجا عن الإسلام بالإجماع، وهو فرض عين على كل مكلف حسب الشروط المذكورة في كتب الفقه، ولا يجوز الإفطار إلا لأحد الأسباب التالية:
الحيض، والنفاس، فلو حاضت المرأة أو نفست لا يصح منها الصوم، وتقضي ما فاتها من الصيام أيام حيضها أو نفاسها، وهذا بالاتفاق عند جميع المذاهب، وكذا الجنون لا يصح معه الصوم حتى لو طرأ عليه أثناء النهار قبل الزوال أو بعده.
المرض وفيه تفصيل بين المذاهب، فالإمامية لا يجوز عندهم الصوم إذا احدث مرضا، أو ازاد في شدته، أو شدة آلمه، أو أخر البرء، لان المرض ضرر والضرر محرم، فلو صام والحال هذه لا يصح صومه، ويكفي في ترك الصيام، ان يغلب على ظنه حدوث المرض أو زيادته أو يحتمل ذلك احتمالاً موجباً لصدق الخوف ويجب عليه القضاء لما فاته من الصوم إذا زال ما عنده من المرض أو الخوف من حدوثه قبل ان يأتي شهر رمضان الآخر. وأما المذاهب الأربعة فعندهم ان الإنسان إذا مرض، أو خاف بالصوم زيادة المرض، أو تأخر البرء، ان شاء صام، وان شاء أفطر، وانه لا يتعين على المريض الإفطار، لانه رخصة لا عزيمة، إلا إذا علم أو غلب على ظنه الهلاك أو تعطيل حاسة من حواسه فيتعين عليه ان يفطر وحينئذ لا يصح منه الصوم.
السفر حسب الشرائط المعتبرة في صلاة القصر عند كل مذهب وفيه تفصيل بين المذاهب، فعند الإمامية إذا تمت للمسافر شروط قصر الصلاة يسقط عنه الصوم سقوط عزيمة ولا يصح منه، هذا إذا كان قد شرع بالسفر قبل الزوال، أما إذا شرع به وقت الزوال أو بعده فعليه ان يبقى على صيامه ذلك اليوم، وإن أفطر فعليه كفارة من أفطر عمداً، وإذا وصل المسافر إلى وطنه أو محل إقامته عشرة أيام قبل الزوال ولم يكن قد تناول شيئاً من المفطرات وجب حينئذ عليه الصوم بقية ذلك اليوم فان أفطر كان كمن افطر عمداً .
أما المذاهب الأربعة فعندهم إذا تمت للمسافر شروط السفر، فله الخيار حينئذ إن شاء صام وإن شاء افطر، إذ أن الإفطار في السفر عندهم رخصة لا عزيمة، بل عند الشافعي كما نقل عنه ابن كثير الدمشقي في تفسيره ج1 ص 217 أن الصيام في السفر افضل من الإفطار، وكذلك عند أبي حنيفة ومالك وغيرهم (راجع تفسير الرازي ج2 ص119) هذا مع انهم يروون أن أناساً من الأصحاب صاموا في السفر فنهاهم النبي(صلى الله عليه و آله) عنه فأفطر بعضهم، وبعضهم صام فقال رسول الله عمن صام: أولئك العصاة(25) واشتهر قوله (صلى الله عليه و آله): (ليس من البر الصوم في السفر)(26) وكذلك قوله(صلى الله عليه و آله): (الصائم في السفر كالمفطر في الحضر)(27) ورووا: ان رجلاً قال لا بن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر فقال ابن عمر: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الآثم مثل جبال عرفة (28) إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على حرمة الصيام في السفر هذا وقد كرر الله سبحانه في القرآن وضع الصيام عن المريض والمسافر والأمر لهما بالصوم في أيام أخر مرتين قال تعالى: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة/ 185-186].
الحرج والمشقة بالنسبة إلى الشيخ والشيخة الهرمين اللذين يجدان حرجاً ومشقة في الصيام، يرخص لهما بالإفطار، مع الفدية عن كل يوم طعام مسكين، وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه في جميع أيام السنة وهذا الحكم متفق عليه، إلا عند الحنابلة قالوا: تستحب الفدية ولا تجب(29).
الحامل المقرب التي أوشكت على الولادة، وكذا المرضع، وفيه تفصيل بين المذاهب، اما الإمامية فقالوا: إذا تضررت المرضع أو تضرر رضيعها، فعليهما ان تفطرا ولا يجوز لهما الصوم، لان الضرر محرم، واتفقوا على أن عليهما القضاء، والفدية بمد إذا كان الضرر على الولد، اما إذا كان الضرر على نفسها، فبعضهم قال تقضي ولا تفدي لان حكمهما حكم المريض وآخرون قالوا تقضي وتفدي والأحوط الجمع بين القضاء والفدية.
وأما المذاهب الأربعة فعندهم ان الحامل المقرب أو المرضع إذا خافت على نفسها أو ولدها يصح صومها، ويجوز لها ان تفطر، وإذا افطرت فعليها القضاء بالاتفاق عندهم، ولكن اختلفوا في امر الفدية فقال الحنفية: لا تجب مطلقاً، وقال المالكية: تجب على المرضع دون الحامل وقال الحنابلة والشافعية: تجب الفدية على كل من الحامل، والمرضع ان خافت على نفسها وعلى ولدها معا فانها تقضي ولا تفدي، والفدية عن كل يوم مد، والمد إطعام مسكين.
من به داء العطش الشديد إذا شق عليه الصوم، فقد اتفقوا على انه يجوز له ان يفطر، وإذا استطاع القضاء فيما بعد وجب عليه دون الكفارة عند الأربعة، وتجب عليه الكفارة بمد دون القضاء عند الامامية، واختلفوا في الجوع الشديد هل هو من مسوغات الإفطار كالعطش ؟ قال الامامية: الجوع لا يبيح الإفطار إلا إذا استلزم المرض، والخوف منه، وقال الأربعة: الجوع والعطش سواء، كل منهما يبيح الإفطار.
الإغماء، قال الإمامية: لا يجب الصوم مع الإغماء ولو حصل في جزء من النهار، إلا إذا كان قد نوى الصوم قبل الفجر، تم أغمي عليه ثم أفاق أثناء النهار فالاحوط ان يتم صومه .

زوال العذر:
إذا زال العذر المبيح للإفطار كما لو برء المريض أو قدم المسافر أو طهرت الحائض استحب لهم الإمساك في يوم زوال العذر تأدباً عند الحنفية والحنبلية وقال المالكية لا يجب ولا يستحب(30).
وقد استعرضنا ذكر الأسباب المبيحة للإفطار ليعلم (إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر)(31) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة/ 184-186].

تخفيف الزكاة عن هذه الأمة من ناحية الكمية :
ومما خفف الله تعالى به عن هذه الأمة من الآصار السالفة، بالنسبة إلى الزكاة، هو ان فرض الزكاة الذي كان على بني إسرائيل ربع المال على ما ذكر بعض المفسرين من أهل السنة وغيرهم(32).
والحال ان الزكاة المفروضة على هذه الأمة أقل من الربع بكثير كما يأتي التفصيل، وفي كتاب ( روضة الواعظين) ان ثوابه ثواب ربع المال.

ما تجب فيه الزكاة على المذاهب الخمسة:
والذي تجب فيه الزكاة من الأموال مختلف فيه بين المذاهب، فالإمامية عندهم وبإجماعهم ان الزكاة تجب في تسعة أشياء وهي: الأنعام الثلاثة (الإبل والبقر ويشمل الجاموس والغنم ويعم المعز) وفي الغلات الأربع (الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب) وفي النقدين (الذهب والفضة) المسكوكين وتستحب في مال التجارة، وفي الخيل وفي كل ما تنبته الأرض من الحبوب، كالعدس، والفول، والارز، وامثالها، ولكل من الوجوب والاستحباب شروط وقيود مفصّلة في مظانها من كتب الفقه والرسائل العملية لعلمائنا الأعلام.
أما المذاهب الأربعة فاتفقوا مع الإمامية في وجوب الزكاة في هذه الأشياء التسعة وزادوا في ذلك، فبالنسبة إلى الزرع والثمار، عند الحنفية تجب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض من الثمار والزرع والخضروات إلا الحطب والحشيش والقصب الفارسي(33) والسعف.
وقال المالكية والشافعية: تجب الزكاة في كل ما يدخر للمؤنة كالحنطة والشعير والأرز والتمر والزبيب والعدس وغيرها، اما سائر الثمار فلا زكاة فيها. وقال الحنابلة: تجب الزكاة في كل ما يكال ويدخر من الثمار والزرع، وأوجب الأربعة على الخيل والبغال والحمير الزكاة إذا كانت معدة للتجارة، كما في كتاب ( الميزان) للشعراني ج2 /4 وأوجب الأربعة الزكاة في الذهب والفضة سبائك كانتا أو مسكوكين بسكة النقد، واختلفوا في الحليّ من الذهب فقال بعضهم بوجوب الزكاة فيها، وآخرون بعدم الوجوب، وأوجب الأربعة الزكاة في مال التجارة

مقدار زكاة الإبل ونصابها:
نصاب الإبل إذا بلغت خمساً ففيها شاة، وإذا بلغت عشراً ففيها شاتان، وخمسة عشر فثلاث شياه، وعشرين فأربع شياه هذا بالاتفاق عند الجميع، أما إذا بلغت خمساً وعشرين، فقال الإمامية:
فيها خمس شياه، وقال الأربعة: فيها بنت مخاض، وهي من الإبل التي قد دخلت في السنة الثانية من عمرها، والإمامية أوجبوا بنت المخاض في الستة والعشرين من الإبل. وإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون بالاتفاق، وبنت اللبون هي التي دخلت في السنة الثالثة، وإذا بلغت ستة وأربعين ففيها حقّة بالاتفاق، والحقة هي التي دخلت في الرابعة، وإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة بالاتفاق، والجذعة هي التي دخلت في الخامسة، وإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون بالاتفاق، وإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان بالاتفاق، واتفقوا على انه ليس فيما يزيد على الإحدى والتسعين شى حتى تبلغ الإبل مائة وواحد وعشرين فإذا بلغتها فللمذاهب تفاصيل وأقوال تطلب من المطولات من كتب الفقه. فبان لنا ان النصب للإبل عند الإمامية أثنى عشر نصابا، وعند أهل السنة أحد عشر، واتفق الجميع على انه ليس فيما بين النصابين شى، مثلا الخمسة فيها شاة، فإذا كانت أربعة لا زكاة فيها، فإذا بلغت تسعا ففيها شاة واحدة، والعشر فيها شاتان، والأربعة عشر فيها شاتان وهكذا.

مقدار زكاة البقر ونصابها:
للبقر نصابان بالاتفاق، الأول إذا بلغت ثلاثين وفيها تبيع أو تبيعه، والتبيع ما اكمل سنة ودخل في الثانية عند الجميع، إلا المالكية فعندهم ان التبيع هو ما اكمل سنتين ودخل في الثالثة، والنصاب الثاني إذا بلغت أربعين ففيها مسنة، وهي الداخلة في السنة الثالثة بالاتفاق إلا المالكية قالوا: المسنة هي التي أكملت الثالثة ودخلت في الرابعة، وفيما زاد يحسب على هذا الحساب، مثلا من الستين تبيعان، ومن السبعين مسنة وتبيع، ومن الثمانين مسنتان، ومن التسعين ثلاث اتباع، ومن المئة مسنة وتبيعان، ومن المئة والعشرة مسنتان وتبيع، ومن المئة والعشرين ثلاث مسنات أو أربعة اتباع وهكذا، وما بين الأربعين والستين عفوا وكذا ما دون الثلاثين، وما زاد على النصاب من الواحد إلى التسعة معفو عنه، ونصاب البقر على هذا النحو متفق عليه عند الجميع. نعم الحنفية عندهم ما بين النصابين عفوا إلا ما زاد على الأربعين إلى الستين فانه تجب الزكاة في الزيادة الواحدة الزائدة على الأربعين ربع عشر مسنة وفي الاثنين نصف عشر مسنة.

مقدار زكاة الغنم ونصابها:
زكاة الغنم من الأربعين شاة واحدة، ومن المئة والإحدى والعشرين شاتان، ومن المئتين والواحدة ثلاث شياه، هذا بالاتفاق، وقالت الإمامية إذا بلغت ثلاثمائة وواحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة فصاعدا ففي كل مائة شاة، شاة واحدة، وقال الأربعة: الثلاثمائة والواحدة كالمئتين والواحدة فيها ثلاث شياه إلى الأربعمائة ففيها أربع شياه، وما زاد ففي كل مئة، شاة بالغا ما بلغ، وعلى هذا تكون النصب عند الإمامية خمسة وعند الأربعة اربعة، واتفق الجميع على ان ما بين النصابين لا زكاة فيه كما لا زكاة فيما نقص عن الأربعين .

مقدار زكاة الزرع والثمار ونصابهما :
زكاة الزرع والثمار العُشر أي عشرة بالمائة إذا سقي سيحا أو بماء السماء أو تمص عروقه من ماء الأرض، ونصف العشر إن سقي بالدلاء أو الماكنة أو الناعور أو نحو ذلك من العلاجات بالاتفاق، كما اتفق ما عدا الحنفية، على أن النصاب معتبر في الزرع والثمار وانه خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا فيكون مجموع النصاب ثلاثمائة صاع(34) فما زاد بالغا ما بلغ، ولا زكاة فيما هو دون ذلك، وقال الحنفية لا نصاب للزرع والثمار والخضروات بل تجب الزكاة في القليل والكثير على حد سواء(35) ومر علينا أن الإمامية عندهم لا تجب الزكاة من الحبوب إلا في الحنطة والشعير، ومن الثمار إلا في التمر والزبيب ولا تجب فيما عدا ذلك.

مقدار زكاة الذهب والفضة ونصابهما :
نصاب الذهب عشرون ديناراً، وفيها نصف دينار، ولا زكاة في الأقل ولا فيما زاد عليها حتى يبلغ أربعة دنانير وفيها ربع عشرها وهكذا كلما زاد أربعة وجب فيها ربع العشر ونصاب الفضة مئتا درهم وفيها خمسة دراهم ثم أربعون درهماً وفيها درهم واحد وهكذا كلما زاد أربعون كان فيها درهم فمقدار الزكاة في النقدين ربع العشر أي اثنان ونصف بالمائة والتفصيل في الكتب الفقهية والرسائل العملية.
هذا، وأصناف المستحقين للزكاة ثمانية، وهم المذكورون في الآية الكريمة من سورة التوبة وبها ختام الكلام عن الزكاة.(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة/ 60].
تخيير هذه الأمة في الحدود والديات بين القصاص والدية والعفو :
ومما خفف الله به عن هذه الأمة من الآصار السالفة – ممّا يتعلق بالقصاص والعقوبات والديات – هو ان على أهل التوراة وهم اليهود القصاص في القتل والجروح، أو العفو المطلق، وهذه الأمة جعل لهم الخيار بين القصاص والدية والعفو هذا ما قاله بعض المفسرين(36) وهو مؤيد بالقران المجيد، كما سيأتيك البيان. وقال آخرون: انّ القصاص كان حتماً على اليهود ولم يكن لهم العفو ولا أخذ الدية، وخفف الله عن هذه الأمة ورحمهم فجعل لهم الخيار بين القصاص أو الدية أو العفو(37) وجاء في رواية عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: (من أصيب بقتل أو جرح فانه يختار إحدى ثلاث، إمّا ان يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فان أراد رابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها أبدا)(38) والقرآن المجيد يستعرض الحكم الذي أنزله الله في التوراة وظاهره ان أهل التوراة وهم اليهود كانوا مخيرين بين القصاص أو العفو فيكون مؤيدا للقول الأول واليك الآية الكريمة: (وَكَتبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) [المائدة/ 46].

معنى الآية:
(وَكَتبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) أي فرضنا على اليهود - الذين تقدم لهم ذكر في الآيات السابقة - في التوراة (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) وهذا يدل على ان المراد به ان النفس تعادل النفس في باب القصاص والعين تقابل العين، والأنف يماثل الانف، وهكذا في باقي الجوارح فالباء للمقابلة كما تقول مثلا (بعت هذا بهذا) فيؤول معنى الجمل المتسقة إلى ان النفس تقتل بالنفس، والعين تفقا بالعين، والأنف يجدع بالأنف، والإذن تصلم بالإذن، والسن تقلع بالسن، والجروح ذوات قصاص أي يعتبر في جزائها العدل والمساواة، ومعلوم ان هذا كله إذا قتلت النفس أو فقئت العين - وهكذا في باقي المذكورات - تعمدا وبغير حق، (فمن تصدق به فهو كفارة له) أي فمن عفى من أولياء القصاص كولي المقتول أو نفس المجني عليه والمجروح، عن الجاني ووهبه ما يملكه من القصاص فهو (أي العفو) كفارة لذنوب المتصدق يكفر الله به ذنوبه ويعفو عنه.
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) وهذا من قبيل وضع العلة موضع معلولها، والتقدير: وان لم يتصدق بما يملك فليحكم بما أنزل الله فإن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون.
فالآية صريحة في القصاص، أو التصدق به وهو العفو في القتل أو الأعضاء أو الجروح، جاء عن ابن عباس في تفسير الآية (وَكَتبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) أنه قال: يريد: وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس أي من قتل نفسا بغير قود قيد منه، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح إنما هو العفو أو القصاص(39)، وقال الضحاك: لم يجعل في التوراة دية في نفس ولا جرح إنما كان العفو أو القصاص(40).
أما ما ذكره بعض المفسرين الآخرين من أن القصاص كان حتماً على اليهود ولم يكن لهم العفو ولا أخذ الدية، فالظاهر انهم يقصدون من هذا حكم اليهود المذكور في توراتهم الدائرة اليوم عندهم لا الحكم الواقعي الذي أنزله الله على موسى في توراته، ويؤيد هذا ان التوراة الدائرة عند اليهود صريحة في القصاص، ولم يذكر معه العفو، جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من ( سفر الخروج) من التوراة عدد 23- وان حصلت أذية تعطى نفساً بنفس 24 – وعيناً بعين وسناً بسن ويداً بيد ورجلاً برجل 25–وكياً بكي وجرحاً بجرح ورضاً برض(41).
وفي الإصحاح الرابع والعشرين من ( سفر اللاويين) ما نصه عدد17– وإذا أمات أحد إنساناً فانه يقتل به 18– ومن أمات بهيمة فانه يعوض عنها نفساً بنفس 19– وإذا احدث إنسان في قريبه عيباً فكما فعل كذلك يفعل به 20– كسر بكسر وعين بعين وسن بسن كما احدث عيباً بالإنسان كذلك يحدث فيه(42) فهذا صريح توراتهم في وجوب القصاص بالمثل، ولم يذكر فيها العفو معه، ولعل إسقاط العفو كان من المتلاعبين الذين غيروا وبدلوا أحكام الله حسب ميولهم وشهواتهم والله من ورائهم حسيب. إما حكم الإسلام الخالد الذي أنزله الله في القرآن المجيد فقد ذكره الله سبحانه بقوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة/ 179]، وفي توجيه الخطاب بهذه الآية إلى المؤمنين خاصة إشارة إلى كون الحكم فيها خاصاً بهذه الأمة، وإما غيرهم من أهل الذّمة فالآية ساكتة عنه. ويستفاد من مجموع ما ورد في سبب نزولها، ان أهل الجاهلية قبل بزوغ نور الإسلام على الجزيرة العربية كانوا يسيرون على غير نظام عادل ومتحد بل على شريعة الغابات والفوضى التي لا حد لها حيث يقتلون لأتفه الأسباب ظلما وعدواناً، وربما يقتص أولياء القتيل من الأبرياء لا من الجاني نفسه، فإذا قتل رجل عادي مثله قتل أولياء القتيل عدداً كبيرا من ذوي القاتل وربما قتلوا عشرة بقتيل أو قتيلة وأدى هذا الظلم إلى الحروب الطاحنة بين القبائل وإبادة الكثير منها وأورث العداء والأحقاد بين الأبناء والأحفاد، فشرع الله القصاص في القتل وهو بمفهومه يفيد المساواة وإيقاع القتل على القاتل نفسه أياً كان دون غيره من الأبرياء ودون زيادة أو نقصان خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) أي فرض عليكم وأوجب مراعاة المماثلة والمساواة في القتلى بأن يفعل بالقاتل ما فعله هو بالمقتول، ولا خلاف ان المراد من إيقاع القصاص في قتل العمد دون الخطأ المحض وشبه العمد(43) وربما يسأل: كيف قال (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) مع أن أولياء الدم مخيرون بين القصاص والعفو وأخذ الدية؟ فالجواب على هذا أن القصاص مفروض إن اختاره أولياء المقتول، إذ الفرض الواجب قد يكون مضيقاً وقد يكون مخيراً فيه فإذا طالب أولياء المقتول بالقصاص فلهم الحق بذلك، ويجب حينئذ على القاتل تسليم نفسه للقصاص وان امتنع يقام عليه قهراً. وقوله: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى) المعنى واضح لا يحتاج إلى شرح وهو اعتبار المساواة في القصاص بين القاتل والمقتول في الحرية والعبودية والأنوثة، فيفهم إذا من سياق اللفظ أن الحر لا يقتل بالعبد، وان الرجل لا يقتل بالمرأة، ويؤيد هذا المفهوم النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام من طرق الفريقين شيعة وسنة فبالنسبة إلى الحر أو العبد قال الصادق(عليه السلام): ولا يقتل حر بعبد ولكن يضرب ضرباً شديداً ويُغرم دية العبد(44) وهذا هو مذهب الإمامية اتباعا لائمة الهدى حيث أن رواياتهم مجمعة على أن الحر لا يقتل بالعبد، وقد جاءت فيه نصوص صريحة من طرق أهل السنة أيضا فقد رووا عن ابن عباس عن النبي(صلى الله عليه و آله) وعن جابر، عن عامر، عن علي(عليه السلام) أنه قال: لا يقتل حرُ بعبد(45) ورووا عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قتل عبده متعمداً فجلده النبي(صلى الله عليه و آله) ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به(46) أي لم يقتله كما قتل عبده، وروى عمرو بن شعيب أيضاً عن أبيه عن جده، أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بقتل العبد(47) وهذا مذهب الشافعي، وكذلك عند مالك وأحمد أن الحر لا يقتل بالعبد، وأما عند أبي حنيفة يقتل الحر بعبد غيره، ولا يقتل بعبده، وقوله هذا مخالف لما عليه الجمهور، كما هو مخالف لنصوص أهل البيت واتفاق شيعتهم، ومخالف لمفهوم الآية: (الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) أما إذا قتل رجل امرأة، كان أولياء دمها بالخيار بين أن يأخذوا منه الدية فقط وقدرها نصف دية الرجل وبين أن يقتلوه على أن يدفعوا لورثته نصف الدية، وإلا فلا يقتل وهذا هو حقيقة المساواة، لان نفس المرأة لا تعادل نفس الرجل بل هي على النصف، فيلزم حينئذ انه إذا أخذت النفس الكاملة بالنفس الناقصة أن يرد فضل ما بينهما والآية صريحة على ان بدل الأنثى أنثى فالمفهوم منها أن الرجل لا يكون بدلاً عنها، ولكن ثبت من دليل خارجي – وهي السنة – على أن الرجل القاتل يجب عليه أن ينقاد للقصاص حين يلتزم ولي المرأة المقتولة بدفع نصف ديته، فيكون قتل الرجل القاتل بدلاً عن مجموع الأنثى التي قتلها، وعن قبض نصف الدية. وهذا بإجماع الإمامية اتباعا لائمة الهدى الذين هم المرجع في الدين بعد جدهم الأعظم(صلى الله عليه و آله) ونصوصهم بذلك ثابتة عنهم، ومن ذلك قول الإمام الصادق(عليه السلام): وان قتل رجل امرأة متعمدا فأراد أهل المرأة أن يقتلوه أدّوا نصف ديته إلى أهل الرجل(48).
أما المذاهب الأربعة فقد اتفقوا على أن الرجل يقتل بالمرأة التي قتلها، من دون أن يدفع لأهل الرجل نصف الدية، وهذا الحكم يخالف مفهوم الآية الكريمة (الأُنثَى بِالأُنثَى) كما يخالف صريح أقوال أهل البيت المروية من طرقهم فضلاً عن طرقنا، فقد رووا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام): أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية، لان ديتها إلى النصف من دية الرجل(49) ومما ينبغي ذكره أن الفقهاء وسائر المذاهب اجمعوا على جواز قتل المرأة بالرجل، وقتل العبد بالحر، لعدم دلالة الآية على منعه، ولأنه لما أجازت الآية قتل القاتل بمثله فقتله اقتصاصا منه للأشرف أولى. وقوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ).
الضميران في (له) و(أخيه) يعودان إلى القاتل على قول اكثر المفسرين، ولفظة (شيء) تدل على أن ولي الدم إذا عفا عن شيء يتعلق بالقاتل، كالعفو عن قتله مطلقاً ولا يشترط شيئاً، وحينئذ لا يلزم الجاني شيء، أو يعفو مع اشتراط الدية، والى الأخير أشار بقوله: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) أي على العافي أن لا يشدد في طلب الدية وينظره ان كان معسرا ولا يطالبه بالزيادة على حقه، وعلى المعفو عنه وهو القاتل الأداء إليه بإحسان أي الدفع عند الإمكان من غير مماطلة ويشكره على ذلك، وبهذا قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، وهو المروي عن ابي عبد الله الصادق(عليه السلام)(50).
قوله: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) معناه انه جعل لكم القصاص أو الدية أو العفو وخيرّكم بينها تخفيفاً من الله، ورحمة رحمكم بها، وقوله: (فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) كان بعض أهل الجاهلية إذا عفوا واخذوا الدية ثم ظفروا بعد ذلك بالقاتل قتلوه، وجمعوا بين القتل وأخذ الدية، فنهى الله عن مثل هذا الاعتداء وتوعد فاعله بالعذاب الأليم في الآخرة، وقال جماعة من المفسرين يتحتم على الحاكم أن يقتل من قتل القاتل بعد العفو عنه واخذ الدية منه، حتى ولو بذل الدية ورضي بها ولي المقتول، وهذا القول مجرد استحسان كما يقول بعضهم والله العالم.
تأجيل مؤاخذة العصاة في هذه الأمة:
مما خفف الله به عن هذه الأمة من الآصار السالفة على اليهود، هو انهم كانوا إذا ارتكبوا الخطايا والذنوب عجّلت عليهم العقوبة(51) وحرم عليهم بسببها ما احل لهم من بعض الطيبات كما قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء/161-162].
وهذه الأمة إذا ارتكبوا الذنوب والخطايا لا يعجل عليهم العقاب، ولا تحرم عليهم الطيبات، وإذا تابوا وندموا تاب الله عليهم، راجع ما اسلفناه في بحث الصفة السابعة والثامنة تحت عنوان (الإسلام احل ما كان محرما على اليهود من الطيبات).
الأمان في الدنيا من العذاب العام لهذه الأمة:
ومما خفف الله به عن هذه الأمة، ورحمهم به كرامة لنبيهم، وأهل بيته صلوات الله عليه وعليهم، هو أن الأمم الماضية ربما كانوا يمسخون قردة أو خنازير، ويصيبهم الغرق أو الخسف أو غير ذلك من أنواع العذاب العام الذي ينزل بهم في الدنيا، بسبب ارتكابهم الكبائر العظام وتماديهم في التكذيب، وإصرارهم على العصيان، وهذه الأمة رفع عنهم ذلك كما قال(صلى الله عليه و آله): رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق(52). وعن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه و آله) لما دعا ربه قائلاً: (ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا) فقال الله سبحانه: أعطيتك لكرامتك يا محمد، أن الأمم السالفة كانوا إذا نسوا ما ذكروا به، فتحت عليهم أبواب عذابي، ورفعت ذلك عن أمتك(53) وربما يشير إلى هذا الحديث قوله تعالى حاكياً لرسوله عن بعض الأمم من قبله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام /45-46].
فهكذا كان العذاب ينزل ببعض الأمم المتمردة الظالمة بحيث يقطع دابرهم ولا تبقى منهم باقية بخلاف هذه الأمة، قال تعالى مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وآله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال/ 34].
والذي اختاره جمع من المفسرين والمحققين، وهو الظاهر أيضاً أن العذاب المنفي بهذه الآية إنما هو العذاب السماوي الإلهي، المستعقب للاستيصال الشامل للأمة، على نهج عذاب بعض الأمم السابقة، كأمة نوح الذين أغرقهم الله بالطوفان العام، قال تعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنبياء/ 77-78].
وكعاد قوم هود(عليه السلام) الذين أهلكهم الله جميعاً وأبادهم بريح فيها عذاب أليم، قال تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ(6)سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7)فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) [الحاقة/ 7-9].
وكثمود قوم صالح(عليه السلام) الذين أهلكهم الله بالصيحة التي أبادتهم قال تعالى: أهلكهم (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) [القمر/32].
وكقوم لوط الذين قلب الله مدائنهم عاليها سافلها، قال عز من قائل: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود/ 83-84].
وهكذا مسخ الله قوماً من بني إسرائيل قردة وخنازير قال سبحانه: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [البقرة/ 66]. وقال: (وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة/ 61]، إلى غير ذلك من أنواع العذاب الذي أنزله الله على بعض الأمم الماضية، المستأصل لهم أو الشامل للكثير منهم، والجدير بالذكر هو أن الله عز وجل ما عذب أمة من الأمم الماضية إلا وأمر نبيها أو الحجة الذي فيها بالخروج من بين أظهرهم قبل نزول العذاب بهم، كما جاء هذا صريحاً في القرآن المجيد في قصة نوح مع أمته، ولوط مع قومه وغيرهما من الأنبياء والحجج، فإذا خرجوا من بين أظهرهم واعتزلوهم أنزل الله بهم العذاب المستأصل.
أما هذه الأمة فالله سبحانه نفى عنها العذاب، عذاب الاستيصال في الدنيا وآمنهم منه لسببين، الأول: وجود رسوله الأعظم محمد(صلى الله عليه و آله) والثاني: استغفارهم من ذنوبهم ومعاصيهم، كما هو صريح الآية:(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال/ 34].

الأمان الأول للأمة: النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته
ولما قبض النبي(صلى الله عليه و آله) الذي جعل الله وجوده السبب الأول لأمان أمته، صار الأمان العام لهم بعده، وجود أهل بيته الذين هم منه وهو منهم، وهم الأئمة من بعده(صلى الله عليه و آله) علي وأبناؤه المعصومون(عليهم السلام) كما جاءت بذلك السنن الثابتة، من طرق عديدة، صور كثيرة تؤيد بعضها بعضاً.
وإليك بعض تلك الطرق والصور لأحاديث الأمان بأهل البيت(عليهم السلام) وبعض من رواها عنه(صلى الله عليه و آله) من أصحابه من طرق أهل السنة.

طرق أحاديث الأمان
طريق سلمة بن الأكوع:
أخرج الحفاظ: مسدد، وابن أبي شيبة، وأبو أحمد الفرضي وأبو عمرو ابن أبي عرزة، وأبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم الطبراني، والحكيم الترمذي، وابن عساكر، والسيوطي الشافعي، وآخرون غيرهم من طريق سلمة بن الأكوع عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال: »النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي«.
راجع (فيض القدير في شرح الدامع الصغير) للعلامة عبد الرؤوف المناوي ج6 ص297 متناً وشرحاً، و(كنز العمال) للامة المتقي الحنفي ج6 ص216، و(مجمع الزوائد) للعلامة علي بن أبي بكر الهيتمي ج9 ص174.
(وفرائد السمطين) للعلامة الحمويني الشافعي ونقله عنه الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) ص20.
و(نوادر الأصول) للحكيم الترمذي (أحياء الميت ص246 والمصدر السابق).
و(ذخائر العقبى) لمحب الدين الطبري الشافعي ص17 قال: أخرجه أبو عمرو الغفاري.
و(إسعاف الراغبين) للشيخ محمد الصبان، ص128 وقد نقله عن جماعة بأسانيدهم، مطبوع على حاشية نور الأبصار.
و(نظم درر السمطين) للعلامة الزرندي الحنفي ص234 مرسلاً.
و(السراج) للعلامة العزيزي ج3 ص416. وقال لدى شرحه: أراد بأهل بيته علماءهم، ويحتمل الاطلاق لأن الله تعالى لما خلق الدنيا لأجله(صلى الله عليه و آله) جعل دوامها بدوام أهل بيته. [سيرتنا وسنتنا سيرة نبينا وسنته ص22].
و(الصواعق المحرقة) لابن حجر الهيثمي ص111.
وقال الحنفي: وأهل بيتي أي ذريتي فبسبب وجودهم يرفع البلاء عن الأمة. [سيرتنا وسنتنا ص22 للعلامة المجاهد الأميني].
و(جواهر البحار في فضائل النبي المختار) ج1 ص361 للعلامة النبهاني وقد أخرجه عن أبي يعلى، وابن أبي شيبة عن سلمة بن الاكوع [إحقاق الحق ج9 ص296].
و(الجامع الصغير) للعلامة السيوطي الشافعي ج2/ 160 كما ذكره في أحياء الميت المطبوع بهامش الإتحاف ص246 وقد أخرجه عن ابن أبي شيبة، ومسدد في مسنديهما، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبي يعلى، والطبراني.
و(مفتاح النجا) للعلامة البذخشي ص7 مخطوط وقد أخرجه عن الحفاظ المذكورين وغيرهم [إحقاق الحق ج9 ص299].
و(سنن الهدى) للشيخ عبد النبي القدوسي الحنفي ص564 المخطوط (المصدر السابق).
و(فصل الخطاب) للعلامة محمد خواجه البخاري المخطوط (المصدر السابق) و(ينابيع المودة ص370).
و(راموز الأحاديث) للعلامة الشيخ أحمد النقشبندي ص238 (إحقاق الحق ج9 ص299).
و(ينابيع المودة) للشيخ سليمان الحنفي ص20 و188 و191.
و(الفتح الكبير) للعلامة الشيخ يوسف النبهاني ج3 ص267 كما ذكره أيضاً في (الشرف المؤبد) ص29 (إحقاق الحق).
و(أرجح المطالب) للشيخ عبيد الله الحنفي ص328.
و(السيف اليماني المسلول) للسيد محمد التونسي ص64 ط الشام (إحقاق الحق ج9 ص300).
ورواه أيضاً شيخنا الصدوق بسنده في (كمال الدين) ج1 ص312 وغيره من علمائنا الأعلام.
طريق أنس بن مالك:
أخرج احمد بن حنبل بإسناده من طريق أنس بن مالك عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال: "النجوم أمام لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون" وقال احمد: أن الله خلق الأرض من أجل النبي(صلى الله عليه و آله) فجعل دوامها بدوام أهل بيته وعترته(صلى الله عليه و آله).
راجع (ينابيع المودة) ص20، و(الصواعق المحرقة) لأبن حجر ص91 وص140، وقد عد من الآيات النازلة في أهل البيت الآية السابعة قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) فقال: أشار(صلى الله عليه و آله) إلى وجود ذلك المعنى في أهل بيته وأنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو(صلى الله عليه و آله) أماناً لهم وفي ذلك أحاديث كثيرة يأتي بعضها، (وسرد بعض تلك الأحاديث، ومنها رواية احمد هذه ثم قال معلقاً عليها) قال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان، علماءهم، لأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند نزول المهدي لما يأتي في أحاديثه: أن عيسى يصلي خلفه، ويقتل الدجال في زمنه، وبعد ذلك تتابع الآيات (إلى أن قال): ويحتمل وهو الأظهر عندي أن المراد بهم سائر أهل البيت، فإن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي(صلى الله عليه و آله) جعل دوامها بدوامه، ودوام أهل بيته، لأنهم يساوونه في أشياء، مرّ عن الرازي بعضها، ولأنه قال في حقهم: اللهم أنهم مني وأنا منهم، ولأنهم بضعة منه بواسطة أن فاطمة أمهم بضعته فأقيموا مقامه في الأمان.
و(إسعاف الراغبين) ص128 نقلاً عن أحمد.
و(نظم درر السمطين) للزرندي الحنفي ص234 وقد أشار إليه، وكتاب (شرف النبي) للعلامة الكازروني ص283 مخطوط روى الحديث بعين ما تقدم عن ينابيع المودة (إحقاق الحق ج9 ص303).
وفي كتاب (الشرف المؤبد) للشيخ عبيد الله الحنفي، ص328.
طريق عبد الله بن عباس:
أخرج الحاكم في (مستدرك الصحيحين) ج3 ص149 بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): »النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف (أي من الدين) فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس« قال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد، ونقله عنه الشيخ علي المتقي الحنفي في (منتخب كنز العمال) المطبوع بهامش مسند احمد بن حنبل ج5 ص93.
وذكر هذا الحديث ابن حجر في (الصواعق) ص91 وص140 وصححه أيضاً.
وذكره الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) ص20 والشيخ محمد الصبان في (إسعاف الراغبين) ص128، وقال معلقاً على الحديث: وقد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) أقيم أهل بيته مقامه في الأمان لأنهم منه كما ورد في بعض الطرق.
وقال سيدنا السيد عبد الحسين شرف الدين في (المراجعات) معلقاً على هذا الحديث ص53: هذا غاية ما في الوسع من إلزام الأمة بأتباعهم، وردعها عن مخالفتهم. وما أظن في لغات البشر كلها أدل من هذا الحديث على ذلك.
ورواه العلامة السيوطي الشافعي في (أحياء الميت) المطبوع بهامش (الإتحاف) ص114.
ورواه العلامة البذخشي في (مفتاح النجا) ص8 مخطوط [إحقاق الحق ج9 ص295].
ورواه العلامة الشيخ حسن الحمزاوي في (مشارق الأنوار) ص90 [المصدر السابق].
ورواه العلامة الشيخ احمد النقشبندي في (راموز الأحاديث) صفحة 238، ط الاستانة [المصدر السابق].
ورواه العلامة رضي الدين حسن بن محمد الصغاني في مشارق الأنوار ص109 ط الاستانة [المصدر السابق].
ورواه العلامة الشيخ عبيد الله الحنفي في (أرجح المطالب) ص329 طبعة لاهور.
ورواه العلامة النبهاني في (الشرف المؤبد) ص29 ط مصر، كما رواه أيضاً في جواهر البحار في فضائل النبي المختار ج1 ص361 ط القاهرة (إحقاق الحق ج9 ص296).
طريق جابر بن عبد الله، وأبي موسى الاشعري وابن عباس:
أخرج الحاكم عن جابر بن عبد الله، وأبي موسى الاشعري، وابن عباس رضي الله عنهم قالوا: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): »النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض«.
نقله عن الحاكم بهذا النص، الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) ص20.
ونقل الشيخ علي المتقي الحنفي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند احمد بن حنبل ج5 ص93، عن مستدرك الحاكم عن جابر فقط ونصه فيه: »النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت أتاها ما يوعدون، وأنا أمان لأصحابي ما كنت فيهم فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون وأهل بيتي أمان لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون«.
ورواه العلامة البذخشي في مفتاح النجا ص7 مخطوط بعين ما تقدم عن منتخب كنز العمال (إحقاق الحق ج9 ص302).
ونصه في مستدرك الحاكم ج2 ص448 بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): وأنه لعلم للساعة فقال: النجوم أمان لأهل السماء (إلى أخر ما تقدم) ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير ج2 ص161 عن أبي موسى الاشعري بتغيير يسير.
طريق محمد بن المنكدر عن أبيه:
أخرج الحاكم في (المستدرك) ج3 ص457 بسنده عن محمد بن المنكدر عن أبيه عن النبي (صلى الله عليه و آله)أنه خرج ذات ليلة وقد أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد. فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: ننتظر الصلاة. فقال: أنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها. ثم قال: أما أنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم(54)، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: »النجوم أمان لأهل السماء فإن طمست النجوم أتى السماء ما يوعدون وأنا أمان لأصحابي فإذا قبضت أتى أصحابي ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون«.
طريق أبي سعيد الخدري، وابن عباس:
أخرج الحمويني الشافعي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): »أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء«. أيضاً أخرجه الحاكم عن قتادة عن عطاء ابن عباس (ينابيع المودة ص20).
طريق علي أمير المؤمنين(عليه السلام):
أخرج احمد بن حنبل في كتاب (المناقب) عن علي(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): »النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض«.
نقله عنه محب الدين الطبري الشافعي في (ذخائر العقبى) ص17 والشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) ص19 ثم قال: أيضاً أخرجه ابن احمد في (زيادات المسند)، والحمويني في (فرائد السمطين) عن علي(عليه السلام) وأيضاً أخرجه الحاكم عن محمد الباقر عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنهم أ هـ.
ورواه الخوارزمي الحنفي في (مقتل الحسين) [إحقاق الحق ج9 ص306].
والنبهاني في الشرف المؤبد ص29 ط مصر (المصدر السابق).
والسيد أبو بكر الحضرمي في (رشفة الصادي) ص78 ط مصر (المصدر السابق).
والشيخ عبيد الله الحنفي في (أرجح المطالب) ص328 ط لاهور رواه نقلاً عن احمد في (المناقب)، وفي مسنده، والحاكم في (المستدرك) وأبي يعلى في (مسنده)، والترمذي في (نوادر الأصول) عن علي، بعين ما تقدم. وذكره علي بن سلطان الهروي في (مرقاة المفاتيح) في شرح (مشكاة المصابيح) ج5 ص610، [فضائل الخمسة ج2 ص60].
وذكره ابن حجر في (الصواعق المحرقة) ص140 نقلاً عن احمد وغيره، رفعه بلا إسناد إلى أحد، وكذلك الشيخ محمد الصبان في (إسعاف الراغبين) ص128، ولكن بتره ونصه فيه: وفي أخرى لأحمد: "إذا ذهب النجوم ذهب أله السماء، وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض".
ورواه أيضاً الصدوق بسنده في (كمال الدين) ج1 ص312 وغيره من علمائنا رووه كما رواه أهل السنة.

دلالة هذه السنن
هذه بعض طرق هذه السنن الثابتة عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله) من طرق وهي:
أولاً – من أدّل الأمور على إمامة أهل البيت عليهم السلام ووجوب أطاعتهم وأتباعهم، إذ لا يكون المكلف أماناً لأهل الأرض أو للأمة إلا لكرامته على الله تعالى، وامتيازه في الطاعة والإخلاص له جل شأنه، وهكذا سائر المزايا المقربة للعبد، مع كونه معصوماً، إذ أن العاصي لا يأمن على نفسه فضلاً عن أن يكون أماناً لغيره، ولا سيما إذا كان عظيماً فإن المعصية من العظيم أعظم والحجة عليه ألزم، وإذا كانوا أفضل الناس في سائر المزايا الفاضلة، ومعصومين من الذنوب والخطايا فقد تعينت الإمامة لهم دون غيرهم، وثبت وجوب أطاعتهم وأتباعهم.
ثانياً – هذه السنن دليل قاطع، وواضح جلي، على استمرار بقائهم ودوام ما دامت الأرض قائمة (كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة) على حد تعبير الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله) وهذا هو مذهبنا، مذهب الحق الواضح(55).
ثالثاً – أن هذه الكرامة العظيمة وهي كونهم أماناً للأمة أو لأهل الأرض، قد جعلها الله أولاً لرسوله(صلى الله عليه و آله) قبل أهل بيته بقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ). فلو لم يكونوا أفضل أهل الأرض بعده، ومنزلتهم مقاربة لمنزلته، وهم مثال له، لما جعل لهم هذه الكرامة المجعولة له(صلى الله عليه و آله)، وهذا أوضح دليل في أنهم من بعده، قائمون مقامه، في الحُجية ووجوب الطاعة، كما هم قائمون مقامه في الأمان لأهل الأرض أو للأمة.
ويؤيد هذا ما رواه الحمويني الشافعي بسنده عن محمد الباقر عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): يا علي أكتب ما أملي عليك قلت: يا رسول الله أتخاف عليّ النسيان؟ قال: لا، وقد دعوت الله عز وجل أن يجعلك حافظاً، ولكن أكتب لشركائك الأئمة من ولدك، بهم تسقى أمتي الغيث، وبهم يستجاب دعاؤهم وبهم يصرف عن الناس البلاء، وبهم تنزل الرحمة من السماء وهذا أولهم، وأشار إلى الحسن، ثم قال: هذا ثانيهم وأشار إلى الحسين والأئمة من ولده، رضي الله عنهم. (ينابيع المودة ص20)، ورواه شيخنا الصدوق في (كمال الدين) ج1 ص313.
وأخرج الحمويني أيضاً في (فرائد السمطين) ج1 ص33 بسنده عن سليمان بن مهران الأعمش، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين قال: نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بأذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وينشر الرحمة، ويخرج بركات الأرض، ولو لا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها، ثم قال: ولم تخل الأرض – منذ خلق الله آدم – من حجة لله فيها، ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقم الساعة من حجة الله فيها، ولو لا ذلك لم يُعبَدِ الله، قال سليمان: فقلت للصادق(عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب.
ونقله عن الحمويني الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) ص21 وهذا الحديث الشريف رواه علماؤنا كالصدوق في (كمال الدين) ج1 ص213 وفي (الامالي) ص112، والطبرسي في (الاحتجاج) ج2 ص48 ونقله عنهم المجلسي في (البحار) ج23 ص6.
فهذا هو الأمان الأول للأمة وهو وجود النبي(صلى الله عليه و آله) حسب نص الآية، ووجود أهل بيته من بعده حسب تلك السنن الثابتة.
(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة/ 54].

الأمان الثاني للأمة: الاستغفار
والأمان الثاني حسب نص الآية، هو الاستغفار: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) وظاهره النفي الاستقبالي المشروط، والمعنى: ولا يستقبلهم الله بالعذاب ما داموا يستغفرون، أما إذا أرتد الكثير منهم عن دينه، وأنكروا ما أنكروا من ضرورياته، وتمادوا في التكذيب والعصيان، ولم يتوبوا ولم يستغفروا، فقد يكونون حينئذ مستحقين لنزول العذاب (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا) [الأحزاب/ 63].
ومن هنا جاءت بعض الآيات القرآنية، والسنن النبوية، تنذر المجرمين، والمرتدين (من هذه الأمة) بنزول العذاب بهم خاصة، (لا بالأمة بأجمعها) ومنها قوله تعالى:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ءالآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) [يونس/ 51-52].
وقد جاء في (تفسير القمي) ج1 ص312 في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى:(قُلْ أ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا). يعني ليلاً (أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ). قال: فهذا عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة، وهم يجحدون نزول العذاب عليهم(56).
وفي (الدر المنثور) لجلال الدين السيوطي ج3 ص182، قال: واخرج احمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي(صلى الله عليه و آله) قال: »العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله« ومعناه انه إذا لم يستغفر الله فهو غير آمن من نزول العذاب به عاجلاً أو آجلاً فيا أيها الناس (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [النحل/102].

حكمة النسخ في الشرائع(57)

النسخ في اللغة والاصطلاح
النسخ في اللغة يطلق على معان، منها إزالة شيء وإقامة شيء آخر مقامه، ومنه يقال: نسخت الشمس الظل، أي أزالته، ومنه قولهم نسخت الكتاب، أي نقلته من نسخة إلى أخرى، فالكتاب اذهب به وأبدل مكانه غيره، ومن هنا يعبر عن النسخ بالتبديل الذي بمعنى التغيير كما في قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) [النحل/102].
وفي الاصطلاح هو: رفع حكم ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه – من الأحكام التي ترجع إلى الله تعالى بما أنه مشرع لعباده – والإنزال لحكم آخر يكون هو الاصلح للزمان الآخر حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية.

كيف يثبت النسخ؟
والجدير بالذكر أن الحكم الشرعي إذا ثبت بالطرق الصحيحة، وعمل به في مدة، قلت أو كثرت، فلا يثبت نسخه إلا بآية قرآنية، أو سنة متواترة تصل إلى الأمة أو علمائها بصورة قطعية، ذلك أن النسخ من الأمور العظيمة المهمة وكل ما كان كذلك لا يثبت بأخبار الآحاد، لأن كل مهم أياً كان نوعه لابد وأن ينتشر ويشتهر على الألسن بحكم العادة، ألا ترى (مثلاً) أن موت الرجل العظيم الشهير ينقله أكثر الناس، أما مت الرجل العادي فلا يعرفه إلا بعض الجيران والأرحام، والنسخ في الشريعة من الأمور المهمة قطعاً. فلابد وأن ينقل بالتواتر القطعي، وذلك لا يكون إلا بآية قرآنية ظاهرة، لأن القرآن قطعي الصدور عن الله سبحانه، أو بسنة ثابتة متواترة.

ما يشمله النسخ وما لا يشمله
فإذا عرفت ذلك فأعلم أن نسخ الشرائع وتبديلها – المنزلة من عند الله عز وجل على أنبيائه من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء(صلى الله عليه و آله) – ولا يشمل الأسس التي أبانها الله لعباده، وأوصى بها المرسلين من أنبيائه وأوصيائهم، ودعوا جميعاً إليها كتوحيد ذاته تعالى، والإيمان بكتبه ورسله، والتصديق بالمعاد يوم القيامة، وكذا لا يتعلق النسخ والتبديل بالمبادئ العامة التي أوضحها الله في شرائعه، والتي يتوقف عليها بقاء الإنسان وحياته، وتكفل خيره وسعادته، إذ المبادئ العامة التي لا ينازع في حسنها وخيرها أحد من العالمين، كالعدل والإحسان واحترام حقوق الآخرين، ومحاربة الشر والظلم والعدوان من الفحشاء والمنكر والبغي، وسائر أنواع العبث والفساد في الأرض من المفاسد التي لا يشك في قبحها وذم فاعليها أحد من العقلاء، هذه لا تنسخ ولا تبدل بل تبقى هذه المبادئ وتلك الأسس ثابتة في كل شريعة، والأنبياء جميعاً لم يبعثوا على خلافها ولم يؤمروا بما يعارضها ومن هنا قال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى/ 14].
نعم هذه الأسس وتلك المبادئ قد يطرأ عليها تحريف لخطّها المستقيم من قبل المشركين والمجرمين والفاسقين الموجودين في كل أمة وفي كل جيل، الذين لا يهون عليهم أن يستقيموا على توحيد الله عز وجل ولا يروق لهم أن يثبتوا على الحق والعدل. فلذا يبعث الله تعالى من يجدد لما سبق من وحي، يؤكد لما نزل من قبل من تعاليم في أصول هذا الدين الواحد الذي لا تفاوت فيه – بين الأنبياء والأوصياء – ولا اختلاف.
أما الذي يتعلق به النسخ والتبديل من الشرائع إنما هو في بعض الأحكام الفرعية وخصوص كيفياتها وأوقاتها، حسب ما يقتضيه اختلاف مصالح العباد، بحسب اختلاف الإعصار وتكامل الأفراد من البشر، فإذا نسخ حكم شرعي بحكم شرعي آخر، كانا معاً مشتملين على مصلحة الدين، وكل من الحكمين أكثر انطباقاً على مصلحة الوقت، وأصلح لحال المكلفين، ذلك لأن دخل خصوصيات الزمان في مناطات الأحكام مما لا يشك فيه عاقل.

مطابقة النسخ للمصلحة
والأحكام منها ما يستمر إلى الأبد تبعاً لاستمرار المصلحة فيها، كحرمة الخمر –مثلاً – نظارً لوجود الضرر الحاصل من استعماله، وهكذا حرمة سائر الخبائث مضرة في حقيقتها، فإنها محرمة في كل الشرائع، ومنها ما لم تكن المصلحة في استمرارها، وإنما تتعلق المصلحة بها في وقت دون آخر، أو لأمة دون غيرها، أو لقوم دون آخرين وأن كانت عند تشريعها ظاهرها إنها أحكام مستمرة في كل وقت، ولكن بعد العمل بها بعض الحين – طال أو قصر- قد يأتي دليل أخر يثبت أن تلك الأحكام أو بعضها التي كانوا يقطعون بدوامها إنما هي – في واقعها – أحكام بأمد معين عند الله، ولكن الحكمة الإلهية استدعت إظهارها أولاً بمظهر الدوام والاستمرار.
هذا ويمكننا أن نشبه – لتقريب المعنى – نسبة الأحكام الشرعية إلى المجتمع البشري بنسبة الدواء الذي يصفه الطبيب الحاذق، للمريض بعد علمه بدائه، فكما أن الطبيب يأمر باستعمال الدواء ما بقي الداء موجوداً، والدواء نافعاً، فإذا عدم النفع به لتغير المرض تراه يبدله بدواء آخر، فكذا الأحكام إنما يؤمر المجتمع بها ما دامت مشتملة على المصلحة وأن لم ينكشف وجه المصلحة لهم وإذا فقدت صفتها أبدلت بغيرها مما فيه الصلاح.
وعلى هذا فكل ما شمله النسخ والتبديل، فكل ما شمله النسخ والتبديل، في شرائع الأنبياء السابقين أو في هذه الشريعة الإسلامية، أيام نبيه، إنما كان تابعاً لمصلحة الإنسان وخيره علم الإنسان أم لم يعلم قال تعالى:(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النحل/ 102]، وقال سبحانه: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة/ 107].
وقد جاء في محاجة النبي(صلى الله عليه و آله) مع بعض اليهود على أثر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وهي محاجة طويلة نذكر منها محل الشاهد، وهي مروية عن أبي محمد الحسن العسكري، وهو الإمام الحادي عشر من أئمة الهدى، صلوات الله عليهم أجمعين، في التفسير المنسوب إليه أنه قال: وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله(صلى الله عليه و آله) فقالوا: يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربعة عشر سنة ثم تركتها الآن، أفحقاً كان ما كنت عليه فقد تركته إلى الباطل فأن ما يخالف الحق باطل، أو باطلاً كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على الباطل؟
فقال رسول الله(صلى الله عليه و آله): بل ذلك كان حقاً وهذا حق، يقول الله: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة/ 143]، إذا عرف صلاحكم أيها العباد في استقبالكم المشرق أمركم به، وأن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده وقصده إلى مصالحكم.
إلى أن جاء في المحاجة أن اليهود قالوا له: يا محمد أ فبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى نقلك إلى الكعبة؟ فقال رسول الله: ما بدا له عن ذلك فأنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح، لا يستدرك على نفسه غلطاً ولا يستحدث رأياً… ولا يقع عليه أيضاً مانع يمنعه من مراده، وليس يبدو لمن كان هذا وصفه، وهو عز وجل يتعالى عن هذه الصفات علواً كبيرا.
ثم قال لهم رسول الله(صلى الله عليه و آله): أيها اليهود أخبروني عن الله أليس يُمرض ثم يُصح ثم يمرض أبدا له في ذلك؟ أليس يحيي ويميت أبدا له في كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا، قال: فكذلك الله تعبّد نبيه محمداً بالصلاة إلى الكعبة بعد أن كان تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس وما بدا له في الأول.
ثم قال: أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف والصيف في أثر الشتاء، ابدا له في كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا. قال: فكذلك لم يبد له في القبلة.
ثم قال: أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة، وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر أ فبدا له في الصيف حين أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء؟ قالوا: لا.
فقال رسول الله(صلى الله عليه و آله): فكذلك الله تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء، ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح يعلمه بشيء آخر. فإذا أطعتم الله في الحالتين استحققتم ثوابه، فأنزل الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة/ 116]، يعني إذا توجهتم بأمره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه.
ثم قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): يا عباد الله أنتم كالمرضى والله رب العالمين كالطبيب، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبره به لا فيما يشتهيه المرضى ويقترحه، ألا فسلموا لله أمره تكونوا من الفائزين(58).

لا يكلف الله نفساً إلا وسعها
ويجب أن يُعتقد أن كل ما كلف الله به العباد من الأحكام في الشرائع كلها، مما نسخ ومما لم ينسخ ليس فيه تكليف فوق الطاقة، ولا أكثر من المقدور، لأن الله – الغني عن جميع مخلوقاته – عالم بكل ما في الإنسان من ضعف وكل ما فيه من قوة، فلا يفرض عليه من التكاليف أكثر مما يطيق وهو الغني عنه، وهذا ما أثبته العقل وصرح به الشرع، وقد جاء هذا المعنى في القرآن المجيد بسور وآيات عديدة(59).
نعم قد تكون أحكام لأمّة – امتحاناً واختياراً لها – فيها مشقة وشدة، كما قد تكون تلك الأحكام خلاف رغبتهم، ولكن التكليف بأمثال هذه الأحكام غير مستمر لها وإذا استمر فغير مفروض على غيرها كما في الغالب، وإنما خصها الله بها لعلمه بصالحها في مثل تلك الأحكام وأن كانت شاقة كما كان الحال في بني إسرائيل.
ولما كانت شريعة نبينا(صلى الله عليه و آله) هي الشريعة الخالدة فقد نسخ الله منها ما كان شاقاً مما شرعه أولاً وجمع فيها كل ما تفرق من خير في الشرائع السابقة، وجعلها اسمح الشرائع وأسهلها، وقابلة للتطبيق والعمل بها في كل دور فضل النبي(صلى الله عليه و آله) – المبعوث بها – على الأنبياء، وأوصياءه على الأوصياء وأمته على الأمم.

حديث مهم في تفضيل النبي(صلى الله عليه و آله) وميزة شريعته
قال الإمام أبو عبد الله الصادق(عليه السلام) – فيما رواه شيخنا الكليني في الكافي(60) واحمد بن محمد البرقي في المحاسن(61) بسنديهما.
أن الله تعالى أعطى محمداً شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام: التوحيد والإخلاص وخلع الأنداد والفطرة الحنيفية السمحة، لا رهبانية ولا سياحة، أحل فيها الطيبات وحرم فيها الخبائث ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فعرف فضله بذلك، ثم افترض عليه فيها الصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحلال والحرام، والمواريث والحدود والفرائض والجهاد في سبيل الله، وزاده الوضوء، وفضله بفاتحة الكتاب وبخواتيم سورة البقرة والمفصل(62) وأحل له المغنم والفيء، ونصره بالرعب وجعل له الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسله كافة إلى الأبيض والأسود والجن والإنس، وأعطاه الجزية، وأسر المشركين وفداهم، ثم كلفه ما لم يكلف أحداً من الأنبياء، أنزل عليه سيفاً من السماء في غير غمد وقيل له: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ) [النساء/ 85].

قصيدة غراء للسيد الحيدري حول الموضوع:
وقد أجاد فضيلة الأستاذ العلامة الشاعر الكامل السيد محمد الحيدري معتمد مكتبة أهل البيت العامة، حيث قال:
نـبــي ســمـا فــــــوق النبيين قدره*** وشرعته تــسـمـو عــلـــى كل شرعة
ومنهجه في الأرض أقــوم مـنـهج*** ودعوته في الــنــاس أعــظــم دعــوة
ومن دينه قد أشرق الكون بالهدى*** وجـمـت أيـاديـــه الـحــســان وجــلت
وأيــقــظ فــي آيــاتــه كــل نـــائــــم*** وأحـيا بـتــوجــيـــهــاتـــه كــل مــيـت
بــه تــنـجلي عنا الخطوب وباسمه*** نحقق في إيــمــانــنـــاً كـــل مــنــيـــة
وفـيــه تـحــل الـمـشـكلات بأسرها*** وفي ظل نــقــضــي عــلـــى كل أزمة
واقسم لو سارت جـمـيـع شـعــوبنا*** عـــى ضوء هذا الدين في كل خطوة
لـسـدُنــا جـمـيع الناس من كل أمةٍ*** وذــت لــنــا مــن ضــعــفها كل دولة
فهــل يتسامى المرء من غير مبدأ*** وهل يــسـعد الإنسان من غير فكرة
وهل تصلح الدنيا بغير محمد(ص)*** لـيــجعــل مـنــهــا جــنــة أي جـــنــة
أقـول بـلا لـبــس بـكــل صــراحـــة*** وأعـلنهــا لـلــنــاس من غير خشية
بـأنـــا إذا لــم نـتــبــع ديــن أحـمـد*** سـنــبــقــى نـعـانــي نكسة بعد نكسة
أفـيـقــوا رجال المسلمين ووحدوا*** صـفــوفــكــم جــمعاء في خير وحدة
وكـونــوا كـمـا كــان الأوائــل أمة*** تــقــوم لــهــا الــدنــيــا بـكـل تــجـلة
ولا تــركــنــوا لـلـكـافــريـن فإنهم*** عــدو لــكــم مــن كــل جـنــس وملة
وحــســبــكــم هــذا الـخــلاف فإنه*** يــهـــدم مــنــا كــل حــصـــن وقـلعة
ويــذهـــب عــنــا كــل عــز وهيبة*** ويــجـــتـــث مــنــا كـل غصن وأيكة
فــلا تـعــمــلــوا شيئاً بغير بصيرة*** ولا تـبــرمــوا أمــراً بـغــيــر رويّــة
ولا تــنزلوا الميدان من غير عدة*** ولا تدخلوا في الحرب من غير أهبة
ومسجدنا الأقصى استبيح حريمه*** وما زال يرمى بالــلــتــيــا والّــــتـي
وقـبـلـتـنـا الأولـى تـنـادي بحسرة*** فهل من سميع للــنداء ومــنــصـــت
فــلــو أنـنــا يــا قــوم لـذنــا بربنا*** لـكان لــنــا عــونــاً بــكــل مــلــمـــة
وأن لــنــا فــي الــدين أعظم قوة*** وأن لــنــا فــي الـحــق أمــنـــع جُنة
فـحــتــى مـتــى نــرمـى بكل بلية*** وحتى متى نؤتــى على حين غرة(63)
1- الظاهر أن قرض ما يصيبه البول من أجسادهم – ان صح – لم يكن تكليفا عاما في بني إسرائيل، وإنما هو حكم خاص لفئة معينة منهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم من باب العقوبة والزجر أو كان الحكم – كما في بعض التفاسير – قرض ما يصيبه البول من ثيابهم لا من أجسادهم ] راجع: مفاتيح الغيب ج2 / 390 [ . وأما قطع الأعضاء الخاطئة كذلك يمكن ان يكون حكما خاصا في وقت خاص ثم نسخ، والله اعلم واحكم.
2- مجمع البيان ج2 /487.
3- مجمع البحرين لشيخنا الطريحي ص 172.
4- هذا الدعاء من حديث طويل يرويه العياشي في (تفسيره) ج1 / 157، عن الإمام الصادق وجاء مضمونه في أحاديث كثيرة، راجع (تفسير القمي) ج1 / 95، و(ارشاد القلوب) للديلمي ج2 / 206 –211، في حديث طويل غير الحديث السابق يرويه عن الإمام موسى بن جعفر، عن آبائه عن علي (ع). ويتضمن الحديث ذكر كثير مما خفف الله به عن هذه الأمة كرامة لنبيها (صلى الله عليه و آله) مما سنذكر بعضها. ويرويه عن الديلمي: المجلسي في (البحار) ج16 / 341 – 352، وينقل بعضه في ج92 / 269 أيضاً وينقل بعضه عن الديلمي: المحقق النوري في (مستدرك الوسائل) ج5 / 15، و(مجمع البيان) ج1/404، وفيه عن النبي (ص) ان الله سبحانه قال عند كل فصل من هذا الدعاء: فعلت واستجبت، وكذلك (الميزان) ج13 /13 وراجع (تفسير الفخر الرازي) ج2 / 393، يروي الدعاء عن مقاتل بن سليمان، و(نظم درر السمطين) لجمال الدين الزرندي الحنفي ص 26، يرويه عن محمد بن كعب القرظي، وهو من التابعين الأولين، توفي سنة 118هـ، وهو أحد رجال الصحاح الستة، و(الدر المنثور) لجلال الدين السيوطي ج1 / 374، يرويه عن أحمد بن حنبل ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم، والبيهقي عن ابن عباس، وابن كثير الدمشقي في (تفسيره) ج1/ 338 أيضاً.
5- (مفاتيح الغيب) للرازي، ج2 / 390. وج 4 / 299 و(تفسير القرآن) لابن كثير الدمشقي ج1 / 343 و 217، وج2 / 254. ونقله عنه محمد رشيد رضا في تفسير (المنار) ج9/ 229. ونصه: (بعثت بالحنيفية السمحة ).
6- تفسير ابن كثير الدمشقي، ج1/ 217.
7- رواه من الشيعة: علي بن إبراهيم القمي في (تفسيره) ج2/ 12، في حديث الإسراء عن الإمام الصادق (ع) ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج18 / 330، والديلمي في (الإرشاد) في حديث آخر، ج2 ص207، ونقله عنه أيضاً المجلسي في (البحار) ج16 / 346، والطبرسي في (الاحتجاج) ج1/ 329، وحكاه صاحب كتاب (روضة الواعظين) ج2 / 356، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج22 / 449.
ومن أهل السنة : الفخر الرازي في تفسير (مفاتيح الغيب) ج2 /390 نقلاً عن المفسرين، وجمال الدين الزرندي الحنفي في كتابه ( نظم درر السمطين) ص28، 29.
8- صرحت كثير من المصادر الآتية وغيرها ان الأمم الماضية كانت حسنتهم بواحدة وسيئتهم بواحدة. ومن هّم منهم بالحسنة أو نواها لم تكتب له إلا إذا عملها، وان الله تعالى تفضل على هذه الأمة فجعل حسنتهم بعشر، وسيئتهم بواحدة، ومن هّم بالحسنة كتبت له واحدة وإن لم يعملها، فإذا عملها كتبت له عشراً.
9- ممن روى هذا المضمون من الشيعة شيخنا الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) ج1/125، وفي (علل الشرائع) ج1 / 132 ورواه أيضاً في (الأمالي) ص271، وص275 من طريق اخر ورواه في كتابه (التوحيد) ص 116، ونقل المجلسي عن هذه المصادر الثلاثة في (البحار) ج18 / 335 و348 في باب المعراج ورواه القمي في (تفسيره) ج2/12، ورواه الحر العاملي في ( وسائل الشيعة) ج5/10 و13 و15، والمحقق الشيخ النوري في (مستدرك الوسائل )، و( مناهل الأشواق) لصفي الدين العاملي ص206 و207.
ورواه أيضاً أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم وسننهم كالبخاري ومسلم، والنسائي، واحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة، وابن مردويه وابن جرير، والبيهقي، وغيرهم كثير. وقد أخرجه عنهم ابن كثير الدمشقي في (تفسيره) ج3/ 3 –23، والسيوطي في (الدر المنثور) ج4 / 136 – 146، وغيرهما.
10- تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري، ص 17 .
11- صرح بهذا: القمي في (تفسيره) ج1 / 242، والديلمي في (الإرشاد) ج2/207، والمجلسي في (البحار) ج92 / 270 وج16 / 313، والطبرسي في (الاحتجاج) ج1 / 328، ونص عليه جمال الدين الزرندي في (نظم درر السمطين) ص28 وص29 .
12- جاء هذا الحديث عن النبي (ص) في كتب الشيعة المعتبرة وفي صحاح السنة وسننهم ومسانيدهم وتفاسيرهم، وهو مروي عن علي وأهل بيته، وعن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي ذر الغفاري، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر وأبي أمامة، وأبي هريرة وغيرهم (راجع كتاب: سيرتنا وسنتنا سيرة نبينا وسنته)= =لشيخنا الأميني ص 147 في ضبط مصادر الحديث من طرق أهل السنة، وقد احتج به وبغيره من عشرات الأحاديث المروية في كتبهم على عدم جواز السجود على غير الأرض وغير نباتها مما لا يؤكل ولا يلبس اختياراً .
13- خاتمة سورة البقرة من قوله تعالى:(آمن الرسول)إلى آخر السورة آيتان، وفاتحة الكتاب هي سورة الحمد الفاتحة.
14- علل الشرائع ج1/ 128 ولعل قوله: وأعطيت لك ولامتك التكبير الخ. إشارة إلى إعلان الأمم الماضية للصلاة بضرب الناقوس، وهذه الأمة إعلانها للصلاة بالأذان الذي يحتوي على التكبير لله واقتران ذكر النبي (ص) بذكره تعالى.
15- رواها الصدوق في كتابه (عقاب الاعمال) ص 50 راجع (تحفة الساجد) ص42 للحجة السيد محمد مهدي الخونساري.
16- الامالي للصدوق المجلس 57 ص 216.
17- وقد أمرت هذه الآية عند فقدان الماء ان يقصد الإنسان الصعيد الطيب فيمسح منه وجهه ويديه رفعاً للحرج وأن الله يريد بذلك تطهيره وإتمام نعمته عليه لعله يشكره. هذا وقد كان التيمم في نظر السلف امراً تعبدياً يعمل به المسلم وهو غير عارف بما فيه من الفوائد ولكن لماّ تقدم الإنسان في علومه وتجاربه أدرك وجهاً من وجوه الحكمة وعرف بعض السر في ذلك، فقد قال الطب الحديث: (ان التراب الخالص كالماء طاهر مطهر أي قاتل للميكروبات المضرة، مذيب للمواد الآلية المفسدة، وذلك لما يحوي من الحيوانات المجهرية المفيدة، والقاتلة للجراثيم المتجمعة على سطح الجلد. والذي اكتشف ذلك (واكسيمان) أحد علماء الأجنة واثبت بمساعدة الدكتور (البرت) ان في التراب جراثيم نافعة يمكن استخراجها ومعالجة الأمراض السارية بها، وفعلاً امكنهما استخراجها متفردة من التراب واستعمالها باسم (استربتومايسين) فعالجوا بها السل، والتيفوئيد، والجراحات المزمنة، والإسهال القوي، وذات الرئة، والتهاب الحلق، فكان ذلك خير من البنسلين ومن سائر المركبات الكبريتية (السلفات ). فانظر إلى هذا الاكتشاف العظيم الذي غيّر مجرى العلاج الطبي واصبح اعجوبة الفن ومعجزة المكتشفات في القرن العشرين، كيف دل على جلالة مرامي الدين الإسلامي الحنيف، وحكمة قرآنه الحكيم، وقد قال نبي الإسلام قبل اربعة عشر قرناً من هذا الاكتشاف: اغسلوا من ولوغ الكلب ثلاثاً اولاهن بالتراب. عالماً (ص) ان في التراب حيوانات مجهرية صحية لا تراها العين المجردة، وهي تقتل كل ما يلامسها من جراثيم سامه= =ومضرة. وهذا من سر تشريع التيمم بالتراب ومسح الوجه واليدين به لظهور هذه الأعضاء وملامستها للهواء المليء بالجراثيم ومنها المرضية. فياله من دين حق يثبت احقيته بنفسه وتعاليمه وارشاداته.
(عن كتاب: القرآن والطب الحديث للشيخ محمد الخليلي ص 116 باختصار وتصرف) .
18- لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها تعمداً حق يبقى منه مقدار ركعة ويأثم بذلك ولكنها لا تكون قضاءً .
19- فصلنا القول تفصيلاً تاماً، وأشبعنا البحث بالأدلة الإسلامية القطعية كتاباً وسنة وإجماعاً، حول مسألتي أوقات الصلوات الخمس وجواز الجمع بين الصلاتين، في حلقة خاصة من سلسلة (الإسلام واتباع أهل البيت) وسميناها (حول الصلاة والجمع بين الصلاتين) على ضوء الكتاب والسنة والإجماع وسيقدم إلى الطبع بآذن الله تعالى ومنه نستمد العون.
20- راجع (البحار) ج93 / 9، نقلاً عن (تفسير القرآن) لمحمد بن إبراهيم النعماني، بسنده عن الصادق عن جده أمير المؤمنين (ع) وحكاه ابو جعفر محمد بن الفتال في كتابه (روضة الواعظين) ج2/ 356 من دون ان ينسبه إلى الإمام وعبارته فيه: (ومنها انهم كانوا إذا فرغوا من الطعام ليلة صيامهم حرم عليهم الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من الغد، واحل الله لنا السحر والوطي في ليالي الصوم فقال: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ" يعني بياض النهار من سواد الليل وقال: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم) يعني: الجماع. ونقله عن (روضة الواعظين) المجلسي في (البحار) ج22 ص 449 بنصه.
وراجع الدر المنثور لجلال الدين السيوطي الشافعي ج1 ص 176 و198. و(المنار) ج2 ص144 وص 174 و( نظم درر السمطين) ص 28 و29.
21- الدر المنثور ج1 / 198 نقلاً عن ابن ابي شيبة، ومسلم، وابي داود، والترمذي، والنسائي.
22- راجع (البحار) ج93 / 9 نقلاً عن (تفسير القرآن) لمحمد بن إبراهيم النعماني .
23- راجع المصادر السابقة في الاصل .
24- راجع (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي ج2 / 135، و (الدّر المنثور) لجلال يلالدين السيوطي ج1 / 198، و( تفسير القرآن العظيم) لابن كثير الدمشقي ج1 / 220، و(المنار) للسيد محمد رشيد رضا ج2 / 174 نقلاً عن احمد بن حنبل، وأبي داود، والحاكم، وكذلك عن ابن جرير وابن ابي حاتم وغيرهم.
25- رواه مسلم، والنسائي والترمذي، عن طريق الدراوردي، عن جعفر الصادق، عن ابيه محمد الباقر بن علي زين العابدين عن جابر، (كما في تفسير المنار ج2 ص 153 ).
26- روى الحديث احمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، وابو داود والنسائي في صحاحهم ومسانيدهم عن جابر (المنار) ج1 / 191 من طريقين، الأول عن ابن ابي شيبة، وابي داود، والنسائي عن جابر بن عبد الله، والطريق الثاني، عن ابن ابي شيبة، واحمد، وعبد بن حميد والنسائي، وابن ماجة، والحاكم وصححه، عن كعب بن عاصم الاشعري وكذلك رواه ابن كثير الدمشقي في (تفسيره ج1 /217)، والرازي في (مفاتيح الغيب) ج2/119.
27- اخرجه النسائي، وابن ماجة، وابن جرير، عن عبد الرحمن ابن عوف، واخرجه ابن ابي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس (الدر المنثور) ج1 / 191، واخرجه ابن ماجه مسنداً من طريق ابن عمر والطبري من طريق ابي سلمة، (المنار) ج2 / 154، وذكره الرازي في (مفاتيح الغيب) ج2 / 119 .
28- رواه احمد في (مسنده) من طريق طعمة: (المنار) ج2 / 154 وابن كثير الدمشقي في (تفسيره) ج1 / 217 عن ابن عمر، وجابر وغيرهما.
29- الفقه على المذاهب الأربعة.
30- الفقه على المذاهب الأربعة.
31- حديث شريف رواه ابن كثير الدمشقي ج1 في تفسيره / 217
32- الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب) ج2 / 390 نقلاً عن المفسرين، والزرندي الحنفي في (نظم درر السمطين) ص 28 و 29.
والمجلسي في (البحار) ج2، ص 449 نقلاً عن كتاب (روضة الواعظين) ج2 ص 356 وعبارته: وزكاتهم ربع المال، وزكاتنا العشر وثوابه ثواب ربع المال .
33- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص 496.
34- قدر سيدنا المحسن الحكيم في رسالته العملية ج1 ص 241 ط13 النصاب بحسب الكيلوات 824 كيلو تقريبا.
35- راجعنا فيما نقلناه من فقه أهل السنة، كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) ج1 كتاب الزكاة .
36- راجع (مجمع البيان) ج1 / 266، ج2 / 199، و( الدر المنثور) ج1 / 173، و (مفاتيح الغيب) ج3 / 408
37- روى هذا القول الثاني الديلمي في الإرشاد ج2 ص 210 نقلاً عن الإمام موسى بن جعفر عن ابائه عن علي (ع) وحكاه ابو جعفر محمد بن الفتال في روضة الواعظين ج2 ص 357 من دون ان ينسبه إلى الإمام وعبارته فيه: ومنها ان الله كتب عليهم في التوراة القصاص في القتل والجرح، ولم يرخص لهم في العفو واخذ الدية الخ، ونقله عنه المجلسي في البحار ج22 ص 449، والزرندي الحنفي في كتابه (نظم درر السمطين) ص 28، والسيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج1 ص 173، نقلاً عن ابن عباس في رواية اخرجها عنه كل من عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن ابي شيبة، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ابي حاتم، والنحاس في ناسخه، وابن حيان، والبيهقي، والطبراني في رواية اخرى، والرازي في (مفاتيح الغيب) ج2 ص 101، وص 107، وصاحب (المنار) ج2 / 123.
38- قال السيوطي في الدر المنثور ج1 ص 173: اخرجه عبد الرزاق، وابن ابي شيبة، وأحمد، وابن ابي حاتم والبيهقي عن ابن شريح الخزاعي عن النبي‚ .
39- مفاتيح الغيب، ج3 ص 408 .
40- (مجمع البيان) لشيخنا الطبرسي ج2 ص 199.
41- نقلناه بواسطة (تفسير الميزان) للأستاذ الطباطبائي ج5 ص 391 وتفسير (المنار) للسيد محمد رشيد رضا ج6 ص 400.
42- المصدران السابقان .
43- قتل العمد أن يقصد الفعل والقتل معا كمن طعن آخر بسكين قاصداً نفس الطعن والقتل أيضاً، وكذلك إذا قصد الفعل القاتل فقط، أي قصد طعنه في قلبه ولكنه لم يقصد قتله، فان هذا من قتل العمد. والخطأ المحض ان يكون مخطئاً في قصده وفعله، كمن رمى= =حيوانا فأصاب إنسانا فان الإنسان غير مقصود لا بالرمي ولا بالقتل. وشبه العمد ان يكون عامدا في فعله مخطئاً في قصده، كمن ضرب صبياً للتأديب فمات فان الضرب مقصود، والقتل غير مقصود، وفي قتل الخطأ وشبه العمد تتعين الدية أو العفو، ولا يجوز القصاص .
44- العياشي في (تفسيره) ج1 ص 75، والطبرسي في (مجمع البيان) ج1 ص 265، والكليني في (الكافي) ج7 ص 304، وقد روى في ذلك روايات عديدة فراجعها.
45- سنن البيهقي ج8 ص 34 و 35، راجع: (البيان لسيدنا الخوئي ص 202).
46- المصدر السابق نقلاً عن البيهقي ص36.
47- المصدر السابق نقلاً عن البيهقي ص34.
48- العياشي في (تفسيره) ج1 ص 75، (ومجمع البيان) ج1 ص 265 و(فروع الكافي) للشيخ الكليني ج7 ص 298، وقد روى في ذلك من طرق أهل البيت روايات عديدة.
49- رواه بهذا النص ابن كثير في تفسيره ج2 ص 62، والجصاص في أحكام القران، نقلاً عن عطاء، والشعبي، والحسن البصري، عن علي (ج1 ص 139).
50- مجمع البيان ج1 ص 265 .
51- راجع (مفاتيح الغيب) ج2 /390، و( نظم درر السمطين) ص28 و30 ، و(إرشاد الديلمي) ج2 /208، و(روضة الواعظين) ج2 ص357، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج22 ص450.
52- رواه الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) ج2/ 390 والظاهر أن يريد بقوله (رفع عن أمتي) أن الأمة كلها لا يصيبها ذلك إذ قد يصيب بعضها أفراداً منهم أو جماعات.
53- (إرشاد القلوب) للديلمي ج2/ 207، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج16/ 345، وأشار إلى هذا المعنى الزرندي الحنفي في (نظم درر السمطين) ص31.
54- جاء في حديث عن علي أمير المؤمنين (ع): أن النبي (ص) رأى في السماء ليلة عرج به إليها ملائكة قياماً وركوعاً منذ خلقوا فقال: يا جبرئيل هذه هي العبادة، فقال جبرئيل: صدقت يا محمد فأسأل الله ربك أن يعطيك القنوت والركوع والسجود في صلواتهم، فأعطاهم الله عز وجل ذلك، فأمة محمد (ص) يقتدون بالملائكة الذين هم في السماء، قال النبي (ص): أن اليهود يحسدونكم على صلواتكم وركوعكم وسجودكم… (الإرشاد ج2 ص211)، ونقله المجلسي في (البحار) ج16 ص351 وقال الزرندي الحنفي في (نظم درر السمطين) ص31-33: وخصه (ص) بالصلاة هو وأمته بأن جمع لهم فيها جميع صلوات المصلين من القيام والركوع والسجود والقعود، فإن بعضهم كانت صـلاتهم= =قياماً لا ركوع ولا سجود فيها، وبعضهم ركوع لا قيام ولا سجود فيها، وبعضهم سجود لا قيام ولا ركوع فيها، فجمع الله له ولأمته في صلاتهم عبادة العابدين وثواب جميع المصلين).
فلعل قوله (ص) على ما نقله الحاكم في المستدرك: (أما أنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم) يريد (ص) هذا المعنى أو أن صلاة العشاء خصه الله تعالى وأمته بها ولم يعطها لأمة من الأمم قبلهم.
55- راجع كتاب (كمال الدين) لشيخنا الصدوق ج1 باب العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام من ص308 – 318.
56- ونقله عن (تفسير القمي) المجلسي في (البحار) ج52 ص185.
57- استعرضنا موضوع النسخ وحكمته لمناسبة ما مر في هذا الفصل من نسخ الشريعة الإسلامية لبعض الأحكام التي كانت على الأمم الماضية وبعض الأحكام التي شرعت في مبدأ هذه الشريعة ثم نسخت لذا رأينا من المناسب استعراض هذا الموضوع المهم والتحقيق حوله من نواح شتى.
58- التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري كما في الاحتجاج لشيخنا الطبرسي ج1 ص44.
59- البقرة/ 233 و286. الأنعام/ 152. الأعراف/ 42. المؤمنون/ 62. الطلاق/ 7.
60- أصول الكافي ج2/17.
61- المحاسن ص 287-288 ونقله عن المصدرين المجلسي في البحار 16/330.
62- قال شيخنا الطريحي في (مجمع البحرين) ص448، في الحديث فضلت بالمفصل، قيل: سمي به لكثرة ما يقع فيه من فصول التسمية بين السور، قيل لقصر سوره، واختلف في أوله فقيل: من سورة ق، وقيل: من سورة محمد، وقيل من سورة الفتح، وعن النوري: مفصل القرآن من محمد، وقصاره من الضحى إلى آخره، ومطولاته إلى عم، ومتوسطاته إلى الضحى، وفي الخبر: المفصل ثمان وستون سورة.
63- هذان المقطعان من القصيدة الرائعة التي ألقاها شاعرنا الفذ السيد محمد الحيدري في المهرجان الكبير الذي أقامه علماء الكاظمية وبغداد في مسجد براثا بمناسبة مرور أربعة عشر قرناً على ذكرى المبعث النبوي الشريف سنة 1387 هجرية، وكان ذلك بعد نكسة الخامس من حزيران عام 1967م التي فوجئنا بها من قبل أعداء الله وأعداء الشعوب، الصهاينة المجرمين وسائر الاستعمار وأذنابه، وقد نقل ذلك الحفل الكبير إلى العالم بواسطة الإذاعة العراقية والتلفزيون.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




لا تلوم العين وتنشف الدموع
اشضارك لو دمع صبت عيني
لو تعرف اسباب نوحي وليش انوح
چا صرت عبره و تجي تبجيني
انته ما عندك جرح تبجي عليه
اوين تلكه حسين مثل احسيني

اللهم ارزقنا طاعتك في الدنيا*****وجنانك في الاخرة
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.